نادي باريس سان جيرمان

الباريسي

في بلادٍ العطورات والأزياء، والقصور المنيفة والحدائق الغنّاء، لم يكن للرياضة عموماً ولكرة القدم خصوصاً، الحيّز الأكبر من اهتمام الشعب الفرنسي، فانعكس ذلك سلباً على تاريخ الكرة الفرنسيّة وتأثيره ضمن خارطة الكرة الأوروبيّة والعالميّة، التي لا تحفل بإنجازاتٍ فرنسيّة توازي ريادتها في ميادين الأدب والعلوم والفنون المختلفة، فالإنجاز العالميّ الأهمّ لمنتخب الديوك تأخّر حتى عام 1998، حين فاز جيلها الذهبي بقيادة زين الدين زيدان ورفاقه ببطولة كأس العالم الوحيدة التي ترصّع تاريخهم الكروي، وهو الجيل عينه الذي فاز ببطولة أمم أوروبا بعدها بعامين، ليضيفها إلى الإنجاز ذاته الذي حققه جيل ميشيل بلاتيني عام 1984.

أمّا على صعيد الأندية، فرغم بلوغها نهائي البطولة الأوروبيّة الأمجد (كأس الأبطال) خمس مرّات آخرها عام 2004، لم تسجّل الأندية الفرنسيّة سوى انتصارٍ يتيمٍ تحقّق على يد نادي الجنوب مارسيليا عام 1993، ممّا وضعها في مركز متأخّرٍ أوروبياً من حيث الإنجازات، قياساً بنظرائها في دولٍ أخرى، كإسبانيا، إنكلترا، إيطاليا، ألمانيا، وحتى هولندا والبرتغال، ممّا شكّل ضغطاً كبيراً لدى الجمهور الفرنسي الذوّاق، الذي ضاق ذرعاً بمشاهدة أندية بلاده تلعب الأدوار الثانوية في أوروبا، فوجد في النادي الباريسي بنسخته الحديثة، متنفساً لطموحاته ورغباته برؤية نادٍ فرنسيّ يناطح جبابرة أوروبا، بفريقٍ صلبٍ يضمّ نجوماً من الطراز العالمي.

التأسيس والبدايات

لا يعتبر النادي الباريسي من الأندية ذات العراقة في فرنسا، فهو تأسس عام 1970 نتيجة دمج نادي (باريس إف سي) المحدث قبل عامٍ واحد فقط، مع نادي (ستاد سان جيرمان) المؤسس عام 1906، والذي وجد مسؤولوه في الشراكة مع النادي المحدث، مهرباً من المشاكل المالية التي كانت تحاصر ناديهم، وتكاد تودي به إلى الإفلاس والحل، فكان يوم 12 آب من عام 1970 هو عيد ميلاد نادي (باريس سان جيرمان) الذي اتّخذ من اللونين الأحمر والأزرق لباساً رسميّاً لفريقه، ومن مجسّم (برج إيفل) شعاراً له.

ولم تتأخّر مشاركتهم في الدوري الفرنسي كثيراً، فقد تمّ قبولهم للعب في الدرجة الثانية مباشرة موسم 1970-1971، كبديلٍ لنادي (ستاد سان جيرمان)، حيث استطاع الـ (ب س ج) الفوز ببطولة دوري الدرجة الثانية، والتأهّل بجدارة للعب ضمن دوري الدرجة الأولى (الليغ آن) موسم 1971-1972، بيد أنّ بعض المشاكل الإداريّة والماليّة أطلّت برأسها لتعصف بالنادي الوليد، وتودي به إلى غياهب الدرجة الثالثة بعد موسمٍ واحد فقط بين الكبار، ليبدأ من الصفر ويصعد خطوةً خطوة، فيعود إلى جنّة الأضواء بعد موسمين فقط، ليصبح ضلعاً رئيسياً في (الليغ آن) اعتباراً من موسم 1974-1975 وحتى الآن.

حصاد الثمانينات والتسعينيات

لم تأتِ بقيّة حقبة السبعينيات بأيّ إنجازٍ يذكر، واتّسمت بكونها فترةً استطاع فيها لاعبو الـ (ب س ج) تثبيت أقدامهم ضمن كبار (الليغ آن)، وتهيئة الأجواء لمن بعدهم لحصد البطولات، فتمكّن جيل الثمانينيات بقيادة المدرّب جيورجيس بيروش، من تحقيق كأس فرنسا مرتين متتاليتين عامي 1982 و1983، قبل أن ينجح نفس الجيل تحت قيادة المدرّب جيرارد هولييه بتحقيق حلم جماهيرهم، بالفوز ببطولة الدوري الفرنسي للمرّة الأولى في تاريخهم موسم 1985-1986، هذا الجيل تألّف من عددٍ من النجوم الممتازين كسافيت سوسيتش، كارلوس بيانكي، و لويس فيرنانديز، إضافةً إلى نجمنا العربي الجزائري الممتاز مصطفى دحلب، الذي توّج هدّافاً للدوري الفرنسي عام 1977، وبقي يلعب في صفوف الـ(ـب س ج) حتى منتصف الثمانينيات، ليتحوّل إلى أحد أساطير النادي الخالدة.

ورقد نادي حديقة الأمراء( نسبةً إلى ملعبه بارك دو برانس) بعد هذا الإنجاز رقدةً طويلةً، فابتعد عن الألقاب حتى عام 1993، حين نجح المدرّب البرتغالي آرثر جورج في إعادته إلى سكة الانتصارات، بفضل فوزه بلقب كأس فرنسا للمرة الثالثة في تاريخ النادي، قبل أن يحقّق الأهم في الموسم التالي، بقيادته نجوم الباريسي لحمل لقب الدوري الفرنسي للمرّة الثانية في تاريخهم موسم 1993-1994.

واستلم المشعل من بعده نجم النادي في الثمانينيات لويس فيرنانديز، فنجح في أوّل مواسمه بالظفر بثنائيّة محليّة، عبر الفوز بكأس فرنسا وكأس الرابطة الفرنسية عام 1995، قبل أن يقود أمراء باريس لتحقيق اللقب الأوروبيّ الوحيد في تاريخهم، وذلك بحمل كأس الكؤوس الأوروبيّة (للأندية أبطال الكؤوس) لعام 1996، بعد الفوز على رابيد فيينا النمساوي في المباراة النهائيّة.

وتابع المدرّب البرازيلي ريكاردو مسيرة نجاح النادي الباريسي، فقاده إلى نهائي كأس الكؤوس الأوروبيّة مرّة أخرى عام 1997 حيث خسر النهائي أمام برشلونة، قبل أن يعيد كأسي فرنسا والرابطة إلى خزائن الـ(ب س ج) عام 1998، كاتباً بذلك المشهد الختامي في حقبة التسعينيات الباريسيّة الرائعة، والتي ميّزها تواجد عددٍ من كبار النجوم الفرنسيين في صفوف الفريق، كدافيد جينولا، يوري دجوركاييف، برونو نغوتي، ألان روش، فيسنت غيران، بول لوغوين، والحارس برنار لاما، كما لعب للفريق عددٌ من كبار النجوم الأجانب نذكر منهم: الليبيري جورج وياه، النيجيري جاي جاي أوكوشا، الإيطالي ماركو سيميوني، والثنائي البرازيلي: ليوناردو وراي، إضافةً إلى نجمنا العربي الجزائري علي بن عربيّة، الذي اقتنصه النادي الباريسي عام 1999، عقب اختياره كأفضل لاعبٍ في الدوري الفرنسي لموسم 1998-1999 مع ناديه السابق بوردو.

عقدٌ من الجفاف

لا تعد حقبة العقد الأوّل من الألفيّة الحالية، من الحقب الناجحة في تاريخ النادي الباريسي، رغم تمكّنهم من خطف ثلاثة ألقاب في كأس فرنسا خلالها أعوام: 2004، 2006، و2010، إضافةً إلى لقبٍ واحدٍ في كأس الرابطة عام 2008، وذلك لثلاثة أسباب:

أوّلها: عدم تمكّن الـباريسي خلال تلك الحقبة من تحقيق اللقب الأهم، ألا وهو لقب الدوري الفرنسي.

وثانيها: فشل النادي في ترك أية بصمةٍ تذكر على الصعيد الأوروبي، بعكس فترة التسعينيات.

وثالثها: عجز الـ(ب س ج) عن الاحتفاظ بنجوم فريقه خلال تلك الحقبة، ففريقٌ يفرّط بلاعبين من حجم: رونالدينيو، نيكولا أنيلكا، لوران روبير، مايكل آرتيتا، ستيفان دالما، وغابرييل هاينزة، وهم في ذروة تألّقهم، غير جديرٍ بمكانٍ ضمن صفوة الأندية الأوروبيّة أو حتى الفرنسيّة!

نادي الأمراء

بعد تلك الحقبة المتعثّرة، كان لابد لإدارة النادي الباريسي والقائمين عليه من البحث عن حلٍّ ينتشل نادي حديقة الأمراء من براثن التخبّط والخمول، فوجدوا في عرض شركة (قطر سبورت للاستثمارات) لشراء جلّ أسهم النادي ملاذاً آمناً ومضموناً، فتمت الموافقة على البيع، ليصبح الـ(ب س ج) مملوكاً للشركة القطرية الكبرى اعتباراً من مطلع موسم 2011-2012، وتبدأ معها حقبةٌ جديدةٌ في تاريخ النادي، الذي أعلن رئيسه الجديد (القطري ناصر الخليفي) مشروعه الهادف إلى تحويل النادي الباريسي إلى قوّةٍ كرويّة كبرى، ليس فقط على الصعيد الفرنسي، بل على الصعيدين الأوروبي والعالمي، وهذا ما شرع بتنفيذه فعلاً عبر عدّة خطواتٍ، بدأها بتعيين لاعب النادي السابق ليوناردو كمديرٍ فنّيٍ مسؤولٍ عن صفقات الفريق، وتابعها باستقدام المدرّب الإيطالي الكبير كارلو أنشيلوتي لتولّي دفّة تدريب الفريق اعتباراً من مطلع عام 2012، خلفاً للمدرّب المقال أنتوني كومبوار، وأنهاها بانتداب العديد من كبار النجوم العالميين للعب تحت إمرة أنشيلوتي، يتقدّمهم الهدّاف السويدي الفذّ زلاتان إبراهيموفيتش، ومعه: تياغو سيلفا، خافيير باستوري، إيزكيل لافيزي، تياغو موتا، ماركو فيراتي، بليز ماتويدي، وماكسويل، ليؤتي سعي المالك أكله سريعاً، ويتمكّن أبناء أنشيلوتي من إهداء النادي الباريسي لقبه الثالث في الدوري الفرنسي موسم 2012-2013.

وفي الموسم التالي فاجأ كارليتو الجميع باستقالته من تدريب الفريق مفضّلاً الرحيل صوب مدريد، لتتمّ الاستعانة بخدمات المدافع الفرنسي الشهير لوران بلان بداية موسم 2013-2014، لقيادة دفّة تدريب الفريق، الذي حافظ على أبرز ركائزه، مع إضافة الثلاثي اللاتيني الممتاز: أديسون كافاني، لوكاس مورا، وماركينيوس، ليبصم الباريسي على موسمٍ ممتازٍ، حصدوا في نهايته بطولة الدوري الفرنسي إضافةً إلى كأس الرابطة.

وتابع بلان ورجاله نجاحاتهم الموسم الماضي، فجدّدوا فوزهم بلقبي الدوري وكأس الرابطة، وأضافوا إليه لقب كأس فرنسا، ليدخلوا تاريخ نادي الباريسي من أوسع أبوابه، بتحقيقهم ثلاثيّةً محليّةً ندر مثيلها، أثبتت أنّ عهد الاستكانة والقناعة بالنزر القليل قد ولّى، وباب الأمجاد قد فتح مصراعيه للنادي الباريسي، ليتوّجهم أمراء جدد على عرش الكرة الفرنسية.