حي المعادي الراقي على اليمين وحي دار السلام الشعبي على اليسار

أعلنت الغرفة التجارية المصرية مؤخرًا عن بوادر حالة من الكساد في تجارة مواد البناء، وأوضحت أن أسعار كلًا من الحديد والأسمنت قد سجلت استقرارًا غير متوقع، خصيصًا مع ارتفاع سعر الدولار الجنوني في مصر، وبينما تسجل كافة السلع في مصر ارتفاعًا حادًا في الأسعار، كما أن استيراد الأسمنت قد توقف تمامًا منذ شهرين نتيجة عدم توافر الدولار اللازم.

من الممكن فهم قلق الغرفة التجارية من ثبات أسعار هذه المواد لسببين؛ الأول أن هذا الثبات يمثل نوعًا من الخلل بينما يستمر الاقتصاد ككل في التضخم لعدم توافر العملة الأجنبية، والثاني هو أن مواد البناء تمثل مؤشرًا مهمًا عن النشاط الاقتصادي في قطاع الاستثمار العقاري، وهو أحد أهم القطاعات في الاقتصاد المصري منذ بداية سياسات الانفتاح الاقتصادي في سبعينات القرن الماضي.

يحاول هذا المقال إلقاء الضوء على هذا القطاع (الاقتصاد العقاري) تحديدًا وأهميته الاقتصادية والاجتماعية داخل مصر، خصوصًا مع استمرار ما يعرفه المصريون بأزمة الإسكان بلا انقطاع حتى يومنا هذا.

عادة وإذا استخدمنا المفاهيم الاقتصادية الكلاسيكية؛ لا يمكن اعتبار الاستثمار في شراء الأراضي والعقار عملية إنتاجية حقيقية، إذ إن مقدار القيمة المضافة الناتج عن شراء أرض أو شقة وإبقائها مغلقة حتى يرتفع سعرها يساوي صفر، تعتمد العملية المعروفة في مصر بـ "التسقيع" على انتظار زيادة الطلب على مناطق معينة وإخراج هامش ربح لا يأتي من أي قيمة تمت إضافتها على السلعة محل الطلب، إذ لا يقوم صاحب الشقة السكنية مثلًا بإضافة مساحة جديدة للشقة أو جعلها أكثر مناسبة للمعيشة في مقابل ما يحصل عليه من مال، وإنما هو يتركها فقط على هذا الشكل حتى يرتفع سعرها.

أما في حالة أراضي البناء فالوضع تقريبًا مشابه، إما تترك الأرض على حالها أو يتم بناؤها، إلا أنها لا يطرأ عليها أي تغير حقيقي، فهي لا تزيد في المساحة مثلًا، أو لا تصبح مع الوقت أكثر قابلية للبناء بشكل يبرر ارتفاع سعرها.

كما أن المتاجرة في الأرض تمثل نوعًا من بيع أكثر الموارد أولية على الإطلاق، أمر يشبه كثيرًا بيع الموارد الطبيعية وهي في باطن الأرض، إذ إنها ليست عملية استثمار حقيقية تنتج منتجات جديدة أكثر اقتصادية، فكل قطعة أرض محدد سلفًا مقدار الفائدة التي قد تنتج عن بنائها واستخدامها نتيجة لثبات مساحتها.

بدأ الاعتماد على الأرض والعقار كمجالات للاستثمار في مصر مع فتح الاقتصاد المصري عالميًا وهو يفتقد لأي نوع من أنواع الإنتاج الحقيقي، إذ يفتقد الإنتاج الصناعي مصدرًا للتنوع والجودة، ويفتقد الإنتاج الزراعي للوفرة التي تسمح بتصديره أو فتح مجال للاستثمار فيه، وبالتالي يصبح الاستثمار في أي مجال إنتاجي حقيقي داخل مصر عملية مكلفة جدًا وغير مبشرة بالنجاح.

بالتوازي مع هذا بدأ عدم توافر السكن المناسب بشكل كافٍ لمختلف القطاعات السكانية في مصر في الظهور كفرصة جيدة للاستثمار، إذ تظل الحاجة إلى السكن حاجة إنسانية لا تنتهي، وبالتالي سيظل الطلب على السكن متواجدًا، خصيصًا في بلد ذات نمو سكاني جارف كمصر.

إلا أن الاستثمار في العقار قد تتعدد صوره؛ إذ إن متطلبات الشرائح الفقيرة من السكان تختلف عن متطلبات الشرائح الوسطى والعليا، كما تختلف القدرات الشرائية وهوامش الربح بين هذه الشرائح أيضًا، ومع الانفتاح الاقتصادي بدأ عدد أهل الشرائح العليا والمتوسطة العليا في التزايد إلى حد كبير، كما بدأ هبوط أهل الشرائح المتوسطة المتدنية إلى مراتب الشرائح الأفقر بشكل متسارع أيضًا.

بدأت الأموال الناتجة عن صفقات الاستيراد والأموال الآتية مع العائدين من العمل في بلدان الخليج العربي في زيادة القدرة الشرائية للوحدات السكانية المخصصة لذوي الدخل العالي نسبيًا، وأصبح هؤلاء تحديدًا يرون في المجال العقاري فرصة استثمارية لا تخيب ولا تحتاج إلى خبرة حقيقية ودراسات جودة.

في يومنا الحالي يمكن أن نقول إن من المعتاد أن نرى بعض الأسر من شرائح معينة وهي تملك منزلًا تقيم به، وإلى جانبه عدد آخر من المنازل المغلقة للأولاد، أو للزمن، أو حتى للمصيف، هذا طبعًا إذا لم ننظر إلى بعض الشرائح التي تحترف المتاجرة بالوحدات السكانية كمصدر للأموال.

بينما يشير الواقع في مصر أن قرابة 16 مليون شخص يعيشون فيما يعرف بالمناطق العشوائية، مناطق تتكون من منازل بنيت بغير تراخيص رسمية وغالبًا على أراضي ليست ملك أحد بعينه، هذه هي الشريحة التي دفعها الانخفاض الشديد في عدد الوحدات السكانية المناسبة للطبقات الأفقر، والذي توازى مع الزيادة في عدد الوحدات الفاخرة في كل أنحاء مصر لما بها من هامش ربح كبير.

الواقع اليوم أن السوق العقاري المصري الحالي هو سوق يعتمد على التملك كالعملية الأساسية على حساب الاستئجار؛ لما في الأول من ربح كبير وسريع، فدائمًا ما سيكون عدد الوحدات المطروحة للبيع أكبر بكثير من المعروضة للإيجار، كما أن طبيعة الاستثمار في الوحدات الأغلى سعرًا لما بها من ربح تجعل المعروض للإيجار من الوحدات المناسبة للشرائح الأفقر قليلًا جدًا.

عملية التملك التي يدفعها الرغبة في اختزان القيمة والاستثمار تتطلب توافرًا لقدر معين من رأس المال من المستحيل أن يتوافر في شعب يعيش أكثر من نصفه تحت خط الفقر القومي (دولار في اليوم للفرد)، وبالتالي تستمر أزمة السكن في التفاقم.

يصل عدد الوحدات السكنية الفارغة في مصر في يومنا هذا إلى ما يزيد عن 10 مليون وحدة؛ 10 مليون وحدة مغلقة ولا تستعمل، وتبقى تحت رحمة المضاربة والمقامرة العقارية.

بحسبة بسيطة لعدد سكان العشوائيات في مصر؛ نجد أن بفرض أن كل أسرة تتكون من 5 أفراد؛ فإن الـ16 مليون مصري المحرومين من الحق في سكن آدمي يحتاجون فقط إلى 3.3 مليون وحدة من الـ10 ملايين السابق ذكرها لحل إشكالية العشوائيات في مصر، بالطبع يبدو هذا حل طفولي وغير واقعي، إلا أنه وبلا شك يوضح لأي مدى من الجنون يصل وجود 10 ملايين وحدة سكنية فارغة في بلد يعاني من مشاكل سكانية بحجم العشوائيات والبناء على الأرض الزراعية الموجود في مصر.

في مقال آتٍ سنتحدث بشكل أكثر تفصيلًا عن دور الدولة المصرية والتي تمثل مالك الأرض الأكبر في مصر في حل هذه الأزمة، أو بشكل أدق إن كان حل هذه الأزمة في مصلحة كيان الدولة المصرية ودوائر المنتفعين منه من الأساس.