الملك سلمان بن عبد العزيز

خلفية

شكلت حادثة مِنى ضغطًا سياسيًا هائلًا على المملكة العربية السعودية بوصفها المتحكمة في إدارة شؤون الحج، المناسبة المهمة جدًا للمسلمين بتصنيفاتهم المختلفة؛ حيث أدى تدافع الحجاج إلى وفاة المئات من جنسيات مختلفة، على الرغم من مزاعم للسلطات السعودية تؤكد فيها أن جميع الاحتياطات والتحضيرات قد تم تهيئتها إلا أنه لم يكن كافيًا لمنع وقوع هذه الكارثة.

تتحكم السعودية في أعداد الحجيج وأماكن سكناهم وغير ذلك، وتمنع في أحيان متفرقة ممارسة شعائر الحج والعمرة بناءً على خلافات سياسية وفكرية ومذهبية لا توافق عليها السلطات السعودية، مخالفة في ذلك نصوصًا صحيحة ومواثيق ملزمة لها بوصفها طرفًا فيها تضمن فيها حرية ممارسة الشعائر الدينية في الأماكن المقدسة سواء للحج أو للعمرة.

في سنوات سابقة منعت السلطات الرسمية السعودية العديد من الشخصيات والحجاج من ممارسة الشعائر المقدسة فعلى سبيل المثال لا الحصر: في تاريخ 29 سبتمبر 2013 منعت السعودية الدكتور طارق السويدان من دخول المملكة لأداء شعيرة العمرة بالإضافة إلى أداء فريضة الحج، حيث تم المنع بسبب آرائه الداعمة للديمقراطية في مصر، في الوقت نفسه الذي كانت السلطات السعودية تدعم الانقلاب الحاصل هناك، وكذلك وفي الشهر السابع من عام 2012 تم منع رجل الدين البحريني "علي المتغوي".

تستخدم أطراف عديدة ورقة تدويل الحرمين للضغط على المملكة والعمل على تحجيمها، لأسباب عديدة قد تكون لأجل الحصول على مكاسب سياسية وأخرى لدوافع حقوقية، وبين هذا وذاك، يبقى الأمر مرهونًا بمدى جدية وإصرار كلا الطرفين "المؤيد" لبقائها ضمن سلطة الدولة السعودية و"الرافض" لاستمرار بقاءها تحت وصايتهم وتدويلها ووضعها في إدارة مشتركة.

ماذا يعني مصطلح "التدويل"؟

طبقًا لمعجم المصطلحات القانونية (كورنو، جيرار) فإن مفهوم التدويل مشتق من الفعل (internationalize) والذي يعني: نظام يطبقه فريق من الدول أو منظمة دولية على مدى معين، مدينة، إقليم، مناطق من المدى القطبي، أو البحري أو أعماق البحار أو مدى خارج الجو، يحدده القانون الدولي دائمًا ولا يتضمن محتوى خاص محدد سلفًا، يمكن أن يعني إما استخدام الدول الحر المدى موضوع البحث وإما الاستثمار المشترك لبعض الثروات أو لبعض الخدمات، وإما تخصيص بعض الصلاحيات في المنطقة المدولة بجهاز دولي، ويمكن ذهاب التخصيص حتى ممارسة السيادة بدلًا من الدولة الإقليمية.

في حين أن قاموس المصطلحات القانونية الدولية يوضحه بمعنى: الاشتراك بين طرفين دوليين في تنظيم شأن قانوني معين، أو نقل أمر قانوني داخلي إلى أمر دولي، ويعني أن المنطقة المدولة تخرج من السلطة والنطاق الوطني إلى النطاق الدولي بما يشمله ذلك من مشاركة دولية في إدارة المنطقة المدولة خارج نطاق القضاء الوطني الذي كانت تخضع له المنطقة قبل التدويل، مما يقيد سيادة الدولة التي يقع فيها الإقليم وينتقص منها بخضوعه إلى إدارة مشتركة بين دول تجمعهم اتفاقية إدارة وتوزيع المسؤوليات عن الإقليم الدولي المستحدث.

وقد تطور مفهوم التدويل خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، حيث أصبح الاتجاه إلى المؤسسات الدولية كوسيلة لحل الأزمات وتجنب الحروب والمواجهات العسكرية بين الدول لحل المشاكل والتقليل والتخفيف من النزاعات.

حقوق الإنسان والمملكة العربية السعودية

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وقيام منظمة الأمم المتحدة، أضحت المسألة الخاصة بالحماية الدولية لحقوق الإنسان - بصرف النظر عن الانتماءات الوطنية أو العرقية أو الدينية أو السياسية - تمثل إحدى المبادئ الأساسية للتنظيم الدولي المعاصر، (مشروعية الجزاءات الدولية والتدخل الدولي ضد: ليبيا والسودان والصومال - جمال ضمور) وهو ما يعني إمكانية التدخل الدولي لحماية وتطبيق حقوق الإنسان تجاه دولة ما.

ويكون التدخل ضد دولة متهمة بانتهاك حقوق الإنسان ضد مواطنيها أو غيرهم ممن يتواجدون على إقليمها بطريقة فيها إنكار لحقوق الإنسانية الأساسية وبشكل يصدم الضمير الإنساني (كتاب ضمانات العدالة في الإجراءات الجنائية حسب المعايير الدستورية الدولية والإقليمية).

ولا يخلو ملف المملكة السعودية من انتهاكات وتشريعات تبرر الانتهاكات، فهي الدولة الأكثر تنفيذًا لأحكام الإعدام، حيث تجاوزت حالات الإعدام للنصف الأول من العام الحالي 2015 أكثر من 102 حالة حسب منظمة العفو الدولية، كما أنها تمارس نوعًا من الإقصاء والتمييز ضد الأقليات المتواجدين على أراضيها، ولا يوجد في السعودية سلطة مقيدة للملك، فسلطته مطلقة وقراره نافذ، وهو أعلى سلطة في البلد، متجاوزًا جميع السلطات الأخرى التشريعية والتنفيذية والقضائية، وهي دولة لا تسمح بوجود أي أصوات إصلاحية وجهود حقوقية فيها لا تتناسب مع الرؤية السياسية للملك، وهي تقابل هذه الأصوات بالتضييق والسجن لفترات طويلة والمنع من السفر لفترات مماثلة.

تضفي بعض التشريعات المحلية السعودية نوعًا من الشرعية القانونية ضد منتهكي الحقوق والحريات بزعمها وجود أسباب تتعلق بالأمن القومي والإرهاب؛ ففي فترة حكم الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز، توجهت إرادته إلى إصدار أمرًا بتاريخ 3 فبراير 2014 يقضي بالسجن لمدة أقصاها 20 سنة وأقلها 3 سنوات لأي أشخاص ينتمون لتيارات أو جهات أو الجماعات وما في حكمها الدينية أو الفكرية المتطرفة أو المصنفة كمنظمات إرهابية داخليًا أو إقليميًا أو دوليًا، أو تأييدها أو تبني فكرها أو منهجها بأي صورة كانت، أو الإفصاح عن التعاطف معها بأي وسيلة كانت، أو تقديم أي من أشكال الدعم المادي أو المعنوي لها، أو التحريض على شيء من ذلك أو التشجيع عليه أو الترويج له بالقول أو الكتابة بأي طريقة.

وبهذا النص العام الفضفاض غير المنضبط، والذي يمكن تفسيره على عدة أوجه، فإن أي شخص (لايشترط أن يكون حاملًا للجنسية السعودية) يتواجد على الأراضي السعودية ويحمل آراءً فكرية أو مشاعر تخالف الرؤية السياسية للدولة تجاه قضية ما، تجعله معرضًا للتغييب في السجون لمدد طويلة دون وجود أي ضمانات له داعمة بذلك سياسية التجريم المفتوح، فـ "التعاطف" مصطلح لا يُبنى عليه عقوبات ولا تُحدد عليه جريمة بسبب عامية المصطلح مما يجعل للقاضي سلطة واسعة ترتكز على ضميره وهواه في تحديد عقوبة يمكن توجيهها تجاه أي أشخاص يتواجدون في المملكة.

وتخالف السعودية بذلك عددًا من المواثيق الملزمة لها، فعلى سبيل المثال لا الحصر، يؤكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته الثانية على "أن لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة في هذا الإعلان، دونما تمييز من أي نوع، ولا سيما التمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي وغير السياسي أو الأصل الوطني أو الاجتماعي"، كما أنها تخالف بذلك الميثاق العربي لحقوق الإنسان والذي ينص في إحدى مواده على "أن كل دولة طرف في هذا الميثاق تكفل لكل شخص خاضع لولايتها حق التمتع بالحقوق والحريات المنصوص عليها في هذا الميثاق من دون تمييز بسبب العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو المعتقد الديني أو الرأي أو الفكر".

طموح إيراني في تدويل الحرمين

منذ سنوات تسعى الجمهورية الإيرانية إلى رفع يد المملكة عن الحرمين، ساعية بذلك إلى تجريدها من صفة القدسية والرمزية والتأثير على العالم الإسلامي، مستغلة بذلك تقصيرًا سعوديًا في إجراء إصلاحات حقوقية حقيقة وأحيانًا أخطاءً إدارية كارثية.

ففي عهد الخميني، وبعد مساندة السعودية لحرب العراق ضد إيران، انطلقت دعوات عنيفة لإخراج إدارة الحرمين عن المملكة، وفي نظرية "أم القرى" يؤكد محمد جواد لاريجاني بضرورة إخراج إدارة الحرمين من يد المملكة لتصبح تحت إدارة لجنة دولية يكون لإيران النصيب الأكبر فيها، في حين طالب نائب رئيس مجلس خبراء القيادة محمود الشاهوردي بضرورة دخول الحرمين الشريفين تحت إدارة إسلامية غير السعودية.

سيناريوهات مطروحة لإدارة الحرمين

ثمة بعض المقترحات التي طرحت لمعالجة هذه القضية، فإما بقاءها ضمن سلطة المملكة مع إجرائها لإصلاحات حقوقية وتشريعية واسعة تتناسب مع الاتفاق العالمي لحقوق الإنسان بضمان حرية الاعتقاد والعبادة وممارسة الشعائر من قِبل الجميع دون تمييز بناءً على الدين أو المذهب أو المعتقد الفكري أو المذهبي، وإبعاد الشعائر عن الإقصاء السياسي وهو ما سيزيد من قوة المملكة وحضورها الإسلامي والدولي، أو جعل إدارة الحرمين تخضع لسلطة إدارية مستقلة مهتمها إدارة شؤون الحج والعمرة وضمان خدمة الحجيج، أو جعلها تحت سلطة دول إسلامية بالتناوب أو تحت إشراف مجلس دولي أو منظمة إسلامية مهمتها القيام بشؤون الحج.