مع انتهاء أكتوبر يكون الرقم الكلي للحالات الموثقة من قِبل حملة " الإهمال الطبي في السجون" ممن ماتوا نتيجة الإهمال في السجون المصرية قد تجاوز المائة، مع رصد 298 حالة إهمال طبي أخرى لا يزال أصحابها يعانون بدون رعاية طبية.

عندما تبحث عن التعريف الدقيق للإهمال الطبي ستجد أن المصطلح مطاط ويحتمل الكثير من السلوكيات والحالات التي يمكن أن تدرج في خانته، فقد يكون سوء ممارسة طبية أو خطأ في تقدير جرعة علاج أو أخطاء جراحية عامة أو تشخيصية، إلا أنك لن تجد مثلاً حالة يترك فيها إنسان يستغيث ويتقيئ دمًا لثلاثة أيام قبل أن يموت، ثم تصنف الحالة على أنها "إهمال"، هذا ما حدث مع "طارق خليل" المختطف قسريًا في مبنى أمن الدولة في لاظوغلي، ولن تجد حالة يعاني فيها أحدهم من مرض في المعدة فيمنع عنه العلاج ويتطور إلى ورم خبيث فتمنع عنه الزيارات ويموت بعد صراع 6 أشهر، وهذا ما حدث مع "عماد حسن" الذي توفي في سجن العقرب، حالات كهذه وغيرها الكثير تتعدى كونها "إهمالاً" وترقى لوصفها "جريمة" ليس بالمعنى الأخلاقي والإنساني فحسب، بل بالمعنى القانوني أيضًا.

يمكن أن تدرج أغلب حالات الإهمال الطبي ضمن جرائم "القتل بالامتناع" والتي تعني التسبب في موت شخص نتيجة الامتناع عن فعل، في حال كون الممتنع خاضع لالتزام قانوني أو عقدي يلزمه بالتدخل، وأن تكون الوفاة ناجمة عن هذا الامتناع، وفي هذه الحالة الامتناع عن تقديم العلاج أو الامتناع عن توفير العناية الصحية اللازمة.

قد تبدو أسباب الإهمال الطبي مبررة - لدى البعض - كون بعض الضحايا من الأفراد المنتمين للجماعة الإسلامية المحظورة، أو المتهمين بذلك، إلا أن الحالة أوسع بكثير من أن يتم حصرها بفئة واحدة من المعتقلين، وإن كانت المعاملة التي يتلقاها المعتقلون السياسيون أسوأها، إلا أن الإهمال يطال الجميع.

نقلت الناشطة سناء سيف في مواقع التواصل الاجتماعي شهادتها عما تعرضت له السيدة "آمال محمد علي" المعتقلة الجنائية المصابة بسرطان الثدي، والتي ماتت نتيجة الإهمال الطبي، بعد أن قصّرت مستشفى سجن القناطر بنقلها لتلقي العلاج الكيميائي وإجراء عملية جراحية، بالإضافة إلى مصادرة المسكنات التي كانت تصرف لها، من قِبل إدارة السجن.

أسباب أخرى لما يحدث من إهمال طبي تعود لكون بعض الحالات الصحية السيئة للمعتقلين ناتجة عن التعذيب؛ لذا فإن نقل المعتقل للمستشفى من شأنه أن يدين الداخلية التي نفت وجود أيّ تعذيب أو انتهاكات في السجون بحسب تصريحات حافظ ابو سعدة، عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان؛ ففي حالة "إسلام خليل" الذي ظهر بعد اختفاء قسري لـ 122 يومًا وآثار التعذيب بادية عليه، يعاني حاليًا من تجمعات دموية بارزة في منطقة البطن، واشتباه كسر بالضلع الأخير في القفص الصدري، وتم تقديم أكثر من طلب للنيابة بعرضه على الطب الشرعي أو المستشفى لتلقي العلاج لكنها أُهملت جميعًا.

يهمل آخرون ممن اختطفوا قسريًا وأخفوا في السجون بدون أن تعترف السلطات بوجودهم، لذا فمن المؤكد أنهم لن ينقلوا لمستشفى خارجية أو داخلية، فهم غير موجودين من الأساس، وهذا ما حدث مع "سهيل عادل" الذي كان معتقلاً في لاظوغلي، حيث تدهورت الحالة الصحية لسهيل وبقي ينزف لمدة أسبوعين ويتعرض لحالات إغماء قبل أن يظهر بعد مدة وقد فقد جزءًا كبيرًا من وزنه، وهو معتقل على ذمة إحدى القضايا.

تهمل الكثير من الحالات الطبية الأخرى التي يكون سببها انتشار الأمراض المعدية بين السجناء من بينها الأمراض التنفسية والجلدية وبعض الأمراض الفيروسية التي تكثر في السجون نتيجة تكدس المسجونين بأعداد كبيرة في مساحات ضيقة، وانعدام التهوية، بالإضافة لضيق دورات المياه، مما يساعد على تفشي هذه الأمراض وإصابة أعداد كبيرة من السجناء بالعدوى.

بعد وفاة "أنور العزومي" في سجن برج العرب، أثيرت ضجة من قِبل الناشطين حول موضوع الإهمال الطبي، وأطلق في 17 أكتوبر مؤتمرًا أعلن فيه بدء حملة "الإهمال الطبي في السجون جريمة" من قِبل مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف، بالإضافة للكلمة الافتتاحية والكلمات التي ألقاها الناشطون، جاءت شهادات ذوي المعتلين بحسب ما نقلها الناشط طارق تيتو في حسابه الشخصي على تويتر بالشكل التالي:

- "صلاح نصر" شاب اختفى قسريًا لمدة شهر، عثر الأهل على اسمه في إحدى المستشفيات وعندما استعلموا عن مكانه حُولوا للتحقيق عند أمن الدولة، ثم أخبروهم أنه مات، ليعلموا بعد مدة أنه حي لكنه فاقدًا للذاكرة وقد بترت قدمه وأصابع يده وتبدو آثار التعذيب واضحة في أماكن متفرقة من جسده، جاءت هذه الشهادة نقلاً عن شقيق المعتقل.

- ذكرت زوجة المعتقل "مختار حسن" أن زوجها اُعتقل منذ 3 سنوات على خلفية الاعتداء عليه من قِبل بعض البلطجية ونقل معهم للمستشفى ليحاكم معهم في نفس القضية ويحكم بالمؤبد، يعاني مختار من مرض التهاب الكبد الفيروسي والكلى وقد منع عنه العلاج وهو معرض للموت في أيّ لحظة.

- ذكر المحامي محمود حسن أن موكله "أحمد عبد الرحمن" مهدد بالإصابة بالشلل نتيجة لإصابته بطلق عيار ناري وتوقفه عن العلاج الطبيعي بالإضافة إلى أنه مصاب بالتهاب الكبد الفيروسي.

في 27 أكتوبر 2015، وكمحاولة للتهدئة ربما؛ نُقل عدد من المعتقلين إلى المستشفيات، من أجل المعاينة الطبية أبرزهم: يوسف شعبان، محمود شوكان، وإسراء الطويل.

"محمود شوكان" مصور صحفي معتقل احتياطيًا منذ 14 أغسطس 2013 يعاني من التهاب الكبد الفيروسي والأنيميا الحادة، نقل للمعاينة الطبية لأول مرة في 27 أكتوبر2015، أجريت له عملية تحليل دم وتصوير بالأشعة وأعيد إلى طرة بدون أيّ إجراءات إضافية، حالته الصحية متدهورة وبات يتعرض لحالات إغماء بشكل متكرر؛ مما أهله أخيرًا لنيل شرف الكشف الطبي، ولايزال العلاج مطلبًا بعيدًا صعب المنال عليه.

"يوسف شعبان" هو صحفي معتقل منذ 11 مايو 2015 على ذمة قضية قسم الرمل، مصاب بالتهاب الكبد الفيروسي من الدرجة الأولى وتم نقله لإجراء التحاليل مرتين لم يعرض خلالهما على طبيب نتيجة وصوله المستشفى متأخرًا! يذكر أن يوسف مصاب بالتهاب الكبد الفيروسي من الدرجة الأولى، وبعد بقائه بلا علاج لستة أشهر، لا يُعرف اليوم مدى تراجع حالته الصحية.

"إسراء الطويل" معتقلة احتياطيًا منذ 1 يونيو 2015، تعاني من إصابة قديمة بإطلاق ناري، أفقدتها القدرة على المشي لعام كامل، وكانت قد بدأت مؤخرًا بالتماثل للشفاء والقدرة على المشي دون عكاز، اليوم وبعد ابتعادها عن العلاج الطبيعي لأشهر فقد تدهورت حالتها الصحية وهي مهددة بالشلل ثانية، نقلت للمستشفى في 27 أكتوبر 2015 وقد أقر التقرير الطبي حاجتها للعلاج، إلا أنها لم تتلق أيّ منه إلى يومنا هذا.

يذكر أن التقارير الطبية عن الحالات الثلاث قد قُدمت من قِبل ذويهم للسلطات منذ الأيام الأولى من اعتقالهم، وأنهم في حاجة ماسة للعلاج لا للمزيد من التحاليل والإجراءات الروتينية المعقدة التي ما هي إلا تباطؤ ومماطلة من قِبل السلطات، شأنهم شأن مئات المعتقلين الآخرين في السجون المصرية.

أن تعذب أحدهم وتتركه ليتألم ويموت ببطء ليس إهمالاً، أن تمنع العلاج والزيارات والطعام عن معتقل رأي أو سجين سياسي ليس إهمالاً، أن تصادر العلاج من المريض وأن تزور شهادات طبية وأن تماطل في إجراءات روتينية بينما يموت إنسان، كلها جرائم بعيدة كل البعد عن الإهمال.

ما يحدث من إجرام طبي في السجون المصرية ما هو إلا مثال لما يحدث في المنطقة بأكملها، لطالما كانت السجون العربية والشرق أوسطية سيئة السمعة؛ فما يحدث في السجون العراقية وسجون الأسد والسجون الإيرانية، كله أوجه مختلفة لعملة واحدة.