الثورة التونسية

لعل الحديث عن الثورة اليوم، في نظر بعضهم، أضحى أمرًا متعبًا أو لم يعد ذا معنى في زمن أصيبت فيه الشعوب العربية بالخيبة، فالثورة لم تكن إلا حلمًا ورديًا لا يتناسب وواقعها، لكن، ليس لأحد أن ينكر أن شرارة الثورة قد شقت دجى سرمديًا لتربك موازين لا يستهان بها في نظام العالم أجمع.

ثار الشعب التونسي على واقع ضاق به و اشتد عليه وطؤه، كان ذلك إثر حادثة "البوعزيزي" رحمه الله التي كانت بمثابة القطرة التي أفاضت كأس العلقم الذي يتجرعه الشعب، لم يكن الشعب التونسي وحده من يذوق الأمرين، بل الظلم تعاني منه جل الشعوب العربية التي التقطت صرخة التونسين سراجًا يضئ درب تحركها نحو التحرر من الصمت المميت.

ثارت "الخضراء" على ذبول أنهكها عقدين من الزمن أو أكثر، فتداعت لها "أم الدنيا" بالانتفاض لافظةً دنيا الظلم والظلمات، وصدح "اليمن السعيد" بصرخة دوت في العالم ألحانًا حزينة لطالما ضجت في صدره.

بعد الانبهار والإعجاب والصدمة الأولى أمام لحظة الثورة التاريخية المفصلية، انهالت التحاليل والتعاليق بأن ما حدث لم يكن إرادة شعبية بل محض أحداث برمجها الغرب لرسم شرق أوسط بملامح جديدة تنسجم وخططه المستقبلية، هكذا أراد العربي أن يعيش دور الضحية مستندًا على نظرية المؤامرة في تحليل كل ما يحدث له ومن حوله، قد يغفل هذا العربي عن كون نظرية المؤامرة التي تقتات عليها تحليلاته لكل ما يحصل هي المؤامرة بأم عينها على عقله المسجون داخلها.

إن صح حديث المؤامرة أو بدا سفيهًا، فإن الملاحظ للواقع التونسي لا ينكر مشهدًا جديدًا يبحث عن طريقه بخطى ثابتة وسط غبار التشكيك والتفتين والتقزيم، إنها الحركة الشبابية التي تحررت لتنشئ الجمعيات والمنظمات بشتى أنواعها ثقافية وسياسية وتنموية ودينية و ... إنه وعي شبابي يكابد الطريق ويحاول أن يتفتح لينتج واقعًا يستجيب لآماله المنشودة.

لعل ما يروج له اليوم وتحشد له العديد من الوسائل والأدوات الإعلامية في كون الثورة السبب المباشر والرئيس في إنتاج واقع مرير، يبدو ساذجًا لأن الثورة لم تكن إلا يدًا أماطت اللثام عما كان مخبوءًا من مرارة يتجرعها الشعب في صمت في حين كان النظام يلمع صورته بنعاق الدجالين وشاشات الأباطيل.

اليقظة فعل ملئ بالحيوية يحمل معه الانتعاش والفرح بملاقاة النور بعد الظلام، لكن فعل الصحوة هو المشحون بالمسؤولية والتعب وهو الذي يستحق جهدًا وفيرًا وتحملاً وصبرًا لأنه يفرز تحررًا من الأغلال وبناء وعي والنشأة في التأسيس.

لهذا كان صدام الشعب بالواقع موجعًا إثر الاستيقاظ من نشوة لحظة الثورة، لأن الطريق تجلى طويلاً وشاقًا بعد أن ذهبت "سكرة" العناق الأول للصباح والذي لم يكن وصولاً! لم تكن اليقظة فعلاً كافيًا كي يبدو كل أمر على ما يرام كأن ينتهي الظلم وينقرض الارتشاء للانتفاع بحقوق المواطن في دولته وتوفير العيش الكريم لعامة الشعب وبناء قرار وطني قوي مستقل، لم تكن لحظة قيام للثورة كفيلة بأن تقيم الآمال المعلقة واقعًا فالثورة درب وليست لحظة! إعلان الثورة كان مخاضًا عسيرًا سبقته سنون من التوجع، أما الثورة فهي المولود الذي وجب أن يجاهد حتى يحيى ويكبر ويقوى عوده فتسْطع شمسه على كل ركن في البلاد.

إن نقاط الارتداد التي عرفتها الثورة في أكثر من قطر عربي ولعل أهمهم مصر لا يعني البتة أن الثورة ماتت، فالفعل الثوري الذي لم يخمد لهيبه رغم تجبر العسكر خير دليل أن الثورة لم تمت بل هي فقط تشكو من مرض قد يكون بليغًا خبثه، فالمعركة متواصلة إذن، وسنة التغير تقضي بأن عجلة التاريخ لا تدور أبدًا إلى الوراء بل تسير إلى الأمام حيث الفعل يتأسس من وحي الزمن الحاضر، أما تونس فإنها رغم كل ما تعيش من محاولات إرباك مسار الثورة تقوم بها عمليات إجرامية تستهدف بالأساس الأمن، فإنها تشق خطواتها بنفس شاق نحو ترسيخ وعي العيش المشترك بين أبناء الشعب الواحد وترك الاختلافات والخلافات جانبًا لأن اللحظة التاريخية لا تتحمل هذا بل تتطلب النظر إلى أفق بناء نقي من المشاحنات والترصد بخطى الآخر المتعثرة وتخوينه في كل حركة يأتي بها، إن الغيرة على الوطن تقضي تجاوز لغة التنديد والإفراط في التنبيه إلى فعل الإنجاز الذي وإن يبدو مكبلاً اليوم بواقع مثقل بالهزائم تنخره ضعفًا فإنه خطوة نحو طريق النهضة التي تصنع للأجيال القادمة.

يدعي البعض اليوم أن مرونة اللعبة السياسية في تونس تبطن شرًا لهذا البلد، حيث يعتبر الفعل السياسي فعل نفاق وأنانية مقيتة، إن هذا الادعاء ناجم عما تسوق له شاشات "وطنية" عرفها الشعب التونسي بمناصرة طرف عن آخر وبتلميع إنجازات النظام المخلوع زمن حكمه، فهذه الشاشات تصر على تقديم صورة بائسة للسياسيين من خلال منابر تتبنى مسائل الفرقة التي تولد المشاحانات والمشادات الكلامية بين الفرقاء السياسيين دون التركيز على تلك الأمور التي تهم الأمور التي تلامس واقع الشعب، كما تقوم هذه الشاشات وغيرها من وسائل الإعلامية، على تخريج تصريحات القادة السياسيين المؤثرين في واقع البلاد من سياقاتها ببتر جملة عن نصها المتكامل، يأتي هذا ضمن لعبة ترمي إلى ازدراء الفعل السياسي وتنفير الشباب خاصة والشعب عامة منه، بين أن المنطق ينص أن السياسة أمر واقعٌ لا بد من ممارسته فالذي لا يكون فاعلاً فيها يكون بالضرورة مفعولاً به، وأبواب الدولة لا تأتي إلا من باب السياسة، وإن كان الفعْل المدني أقدر على الرقي بالواقع فهو لا يزدهر إلا في دولة تصلح سياستها.

تأتي الذكرى الخامسة للثورة التونسية فتتباين الآراء حولها وحول ما خلفته هذه الثورة من نتائج تجاوزت الرقعة الجغرافية المحدودة لتونس، هذه الثورة التي أسقطت الأقنعة عن العديد من القوى الدولية والحركات الوطنية والقطرية والشخصيات العامة التي طالما أبهرت الجماهير العربية، ليظهر جليًا من يناصر الحرية لذاتها متحررًا من الانتماءات الضيقة والمصالح الشخصية القذرة، هذه الثورة كشفت عن لؤم إنسان هذا الزمان وعجلت بتمحيص قاسٍ تدفع الشعوب العربية ثمنه لعلها يومًا ما تجد طريقا لحريتها والحياة الكريمة.