يقول حاييم وايزمان الذي تزعم الحركة الصهيونية في الفترة (1921-1946) بأن "الدافع الديني لديه مقدرة فريدة لا يستعاض عنها في إيقاظ طاقات الشعب اليهودي"، كذلك اعتبر تيودورهرتزل أن الدين أداة من أدوات توحيد صفوف اليهود حول فكرته، ورأى في الحاخامات ورجال الدين "ضباط اتصال" بين حركته من جهة وجموع اليهود في كل مكان من جهة أخرى، وبالتالي فقد كان لرجال الدين دور محوري في حشد جموع اليهود إلى "أرض الميعاد" كما أطلقوا عليها، ولم يقتصر دورهم على ذلك بل كان لهم دور آخر منذ إعلان الدولة 1948 وحتي  يومنا هذا في تشكيل سياسات الدولة على المستويين الداخلي والخارجي من خلال جميع المؤسسات وخاصة في الجيش والذي يعد مثالاً لمحاولات المتدينين للإمساك بزمام الأمور في الدولة.

دور رجال الدين في الجيش  

بدأ الدور الفعلي لرجال الدين في الجيش الإسرائيلي مع العام 1948 حيث تم إنشاء وحدة تسمى "وحدة الحاخامية العسكرية" والتي كانت تهدف لرعاية الجنود المتدينين ومراقبة الحفاظ على التعاليم والأحكام الدينية الأساسية الواجب تطبيقها على جميع أفراد الجيش متدينين كانوا أو علمانيين، وقد شغل شلومو جورين منصب الحاخام العسكري الأكبر والذي بدأ عمله بفرض مشاركة جميع الجنود فيما يعرف بـ "فعاليات الإحياء" والتي تقام قبل وأيام رأس السنة اليهودية من قِبل حاخامات الوحدة لتعريف الجنود وتذكيرهم بالتعاليم والأعياد اليهودية والذي من شأنه أحدث أول صدام بين المتدينين والعلمانيين داخل الجيش، حيث اعتبره العلمانيون وسيلة من المتدينين لكسب التأثير الأيديولوجي للجنود.

ومع تولي الحاخام أفيخاي رونتسكي منصب الحاخام العسكري الأكبر والذي كان السبب الرئيسي من تعيينه هو محاولة سد الفجوة التي اتسعت بمرور الوقت بين المتدينين من ناحية وبين باقي أفراد الجيش من ناحية أخرى، ولكنه بدلاً من أن يقوم بتفليص الفجوة قام بزيادة الاستقطاب عن طريق إرسال مساعديه إلى الجبهات الأمامية لتحفيز الجنود ورفع الروح القتالية عندهم وظهر ذلك جليًا في الحرب على غزة في عام 2009، حيث قام مساعدوه بتوزيع كتيبات ذات محتوى ديني وأوشحة صلاة على الجنود مما أدى لموجة من الانتقادات فيما عرف بـ "الحملات التبشيرية داخل الجيش" وعلى إثرها قام رونتسكي بتقديم استقالته عام 2010 ليتولي رافي بيرتس والذي بدأ قراراته بالسماح للجنود المتدينين برفض المشاركة في الحفلات الموسيقية التي تقوم بها فرق عسكرية وتغني فيها مغنيات، حيث إن هذه الحفلات يعتبرها المتدينون خالية من الحشمة ويحرم التواجد فيها (على حد قوله).

على الناحية الأخرى فقد ألزم جميع الجنود برحلات استكشافية تشمل زيارة لأضرحة الحاخامات المشهورين، وفي العام 2012 صدر كتيب برعاية الحاخامية العسكرية مفاداه "القانون الديني فوق الدولة العلمانية" مما جعل الحاخامات يفسرون صلاحياتهم داخل الجيش على الوجه الذي يرونه، وفي الحرب الأخيرة على غزة تم توزيع كتيبات على الجنود تقارن بين العملية التي يقومون بها وبين كفاح الشعب اليهودي في عصور الكتاب المقدس وركزوا بثورة خاصة على الشخصية التوراتية "شمشون" وما فعله مع الفلسطينيين وعلى الجنود اتخاذه قدوة في حربهم المقدسة وأنهم بحربهم هذه يكتبون فصلاً جديدًا من فصول الكتاب المقدس بالإضافة إلى إصدار بعض الحاخامات لفتاوى تستبيح قتل الفلسطينيين.

- أصدر بن تسيون موتسيبي أحد أكبر الحاخامات فتوى تجيز قتل الفلسطيني سواء قام باستهداف إسرائيليين أو لم يقم، بل وصل الأمر لقتل المعتقلين الذين يلقى القبض عليهم حتى وإن لم يشكلوا أي خطر.

- نشرت صحيفة "هآرتس" فتاوى لعدد من حاخامات اليهود يطالبون بتطبيق حكم التوراة الذي نزل على العماليق الذين كانوا يعيشون على أرض فلسطين والذي ينص على قتل الرجال والأطفال والنساء والعجائز ويصل الأمر إلى سحق البهائم.

- أما الحاخام الأكبر لمدينة صفد، شلومو إلياهو، فقال "اقتلوا منهم مائة فإن لم يتوقفوا اقتلوا ألفًا فإن لم يتوقفوا اقتلوا عشرة آلاف حتى يصل العدد إلى مليون قتيل وعليكم أن تستمروا في القتل مهما كان العدد ومهما استغرق من وقت".

- أصدر الحاخام شموئيل إلياهو فتوى بقتل الفلسطيني دون تقديمهم للمحاكمة في حالة تورطهم في أعمال عنف ضد الإسرائيليين قائلاً: "من يترك فلسطينيًا على قيد الحياة فقد أثم لأنهم يسعون إلى قتلنا لذلك وجب قتلهم".

- كما أكد الحاخامان يتسحاق شابيرا ويوسف اليتسور في كتابهما "عقيدة الملك" بأن في الحرب على إسرائيل ينبغي قتل الأغيار (غير اليهود) فهم يطالبون بالأرض لأنفسهم وهي بالأساس إرث لنا من آبائنا.

الغريب في الأمر أن مع كل هذه وخصوصًا منذ الحرب الأخيرة على غزة لم يوجه انتقادات للمتدينين بل على النقيض ذكرت بعض الصحف بأن أعداد الجنود الذين يطلبون دعمًا من حاخامات وحدة الحاخامية العسكرية يزداد يومًا بعد يوم، وتم تأكيد ذلك عن طريق الإحصائية التي قامت بها شعبة القوى البشرية بالجيش الإسرائيلي بأن 60% من الضباط في الوحدات القتالية في الجيش أصبحوا من الموالين للتيار الديني وترتفع النسبة إلى 70% في ألوية المشاة المختارة وتصل النسبة إلى 75% في الوحدات الخاصة، وأن مسؤولي المناطق في الشاباك (جهاز الاستخبارات الداخلية) معظمهم من الموالين للتيار الديني.

كما أكد 95% من الجنود المتدينين أنهم لا يمكنهم الانصياع إلى أوامر عسكرية تصدر لهم دون أن تكون متسقة مع الفتاوي التي يصدرها الحاخامات وهناك تكهنات تشير إلى أن هذا التيار قد يسيطر على هيئة أركان الجيش في غضون العقدين القادمين .