"حلال على الشاطر، ولا عزاء لدور العجزة المنتشرة في طول العالم العربي وعرضه تحت مسميات دول"، هكذا علّق الاعلامي فيصل القاسم على نجاح اتفاقية ايران مع الدول الغربية في جنيف والتي لم يعلن الكثير من تفاصيلها بعد، الا أن السعادة كان واضحة على جميع الأطراف المشاركة في الحوار حال اعلان الوصول الى اتفاق فجر الرابع والعشرين من الشهر الجاري.

بدأت القصة منذ خطاب روحاني المسالم أثناء تنصيبه رئيساً للجمهورية والذي وصفته الدايلي تلغراف بالتلويح الايراني بغصن الزيتون للعالم بعد العزلة الدولية التي كانت تعيشها ايران، والذي قابله رد أمريكيّ بأن الولايات المتحدة مستعدة لأن تكون شريكاً ذا إرادة حاسمة في الملف النووي الإيراني في حال التزام الحكومة الإيرانية الجديدة بشكل جوهري وجاد باحترام واجباتها الدولية، ثم رحبّت عدة دول منها ألمانيا التي علقت: "الطريقة الوحيدة للتعامل مع إيران هي الحوار على قدم المساواة وفي إطار الاحترام المتبادل لخفض مستوى العداء، إذا أردتم ردا مناسبا لا تستخدموا لغة العقوبات بل الاحترام".

تلى ذلك مشاركة روحاني في اجتماعات الجمعية العمومية للامم المتحدة في نيويورك والتي لم يحدث فيها أي لقاء مباشر بين روحاني وأوباما الا أن كلمات كل منهما كانت متقاربة في الود الحذر الذي غاب عنه الاتهامات المعتادة بين البلدين، حيث رحب بانتخاب الشعب الايراني لروحاني ليسلك طريقاً أكثر اعتدالاً من سلفه نجادي، وطالباً من وزارة خارجيته كيري التعاون للوصول الى اتفاق مع ايران بالطرق الدبلوماسية، قابله روحاني بخطاب آخر معتدل عبر فيه على أن دولته لا تشكل تهديداً للعالم وأن البرنامج النووي مخصص للأغراض السلمية وحسب، داعياً العالم وفي مقدمته أمريكا ورئيسها باراك أوباما إلى عدم الإصغاء إلى "مجموعات الضغط المؤيدة للحرب".

تبع ذلك كله الاتصال التاريخي بين اوباما و روحاني والذي بدأه الطرف الأمريكي بمكالمة من البيت الأبيض الى ممثل الوفد الايراني أثناء حركة الوفد الى المطار في طريق مغادرته الولايات المتحدة معبرة عن رغبة اوباما بمهاتفة روحاني، ليجري أول اتصال هاتفي معلن بين رئيس أمريكي وآخر ايراني منهياً 30 عاماً من القطيعة، والذي قال عنه روحاني أنه كان يتمحور حول الملف النووي الايراني.

وفي الوقت الذي توجه في الرئيس الايراني حسن روحاني و وزير خارجيته جواد ظريف الى ايران للتفاوض حول الملف الايراني والعلاقات الايرانية مع الدول الغربية وينجحان في ذلك، كان المرشد الأعلى للثورة الاسلامية علي خامئني يخطب في الناس ويحذر من  العدو الاسرائيلي مذكراً اياهم مرة اخرى الى زوال هذا الكيان ومعلنا بدء المناورات العسكرية التي أطلق عليها " الى القدس"، حتى وصل في كلامه الى عدم تنازله عن أي من حقوق ايران النووية في ذات الوقت الذي يفاوض رئيس الدولة على هذه الحقوق، فضلاً على قوات سليماني التي تعيث في سوريا وتأمر وتنهى وتقصف، كل ذلك يحدث في وقت واحد.

وعلى شبكات التواصل الاجتماعي على الانترنت لم يكن مفاوضو ايران بمنأى عن شعوبهم بل كانوا متواصلين معهم أول بأول مدافعين عن حقوقهم في النووي ومبررين كل خطواتهم، ظريف بث رسالة على موقع يوتيوب بعنوان: "رسالة إيران: هناك طريق للمضي قدماً " قال فيها: "ما هو الشرف؟ ما هو الاحترام؟ هل هناك حاجة لمناقشة هذه المفاهيم؟ يريدون منكم ألا تفعلوا ما يفعله الآخرون، هل تصرون على فعل شيء يسمح فعله للآخرين؟ كلنا نمتلك الإرادة الحرة، هذا لا يعني العناد أو عدم قبول آراء وأفكار الطرف الآخر، الشعب الإيراني تكاتف من أجل الوقوف أمام الظلم والطغيان".

وأوضح ظريف خلال رسالته أن الشعب الإيراني له حق امتلاك ما يمتلكه الآخرون على الكرة الأرضية، قائلا: "نحن نطلب أن يحترم الغير إرادتنا وحقوقنا، نحن لا نريد أن نمتلك النووي من أجل تهديد مصالح الآخرين، البرنامج النووي هو نقطة تحول، النووي يجعلنا نمتلك إرادتنا في يدنا لتحديد مصيرنا بدلا من أن يحددها الآخرون"، ثم تطرق ظريف الى  أن التوازن هو سر النجاح في هذه المرحلة قائلا: "إما أن نكسب جميعا أو نخسر جميعا، الحوار الصادق والشروط المتساوية تمثل عزة وكرامة للبلد، نحن وعدنا الشعب الإيراني، وسنظل على وعدنا، الشعب الإيراني مصمم على مواصلة طريقه لاكتشاف هذا العالم الجديد، تعالوا لنتحد من أجل إنهاء هذه الأزمة وفتح آفاق جديدة"، ثم اختتم فقال: "أنا جواد ظريف سأواصل طريقي في هذا المجال، وهذه رسالتي إلى الشعب الإيراني".

لم يتوقف الأمر عند هذه الرسالة، بل حتى على حساب التواصل كان أول اعلان لنجاح المفاوضات هو عبر حساب ظريف على تويتر حين قال :" لقد توصلنا الى اتفاق".

https://twitter.com/JZarif/statuses/404430013488852993

في حين تبعتها تغيردات أخرى للرئيس روحاني قال فيها أن الشعب الإيراني صوت للاعتدال وأن التعاون البناء والجهود المضنية بواسطة فرق التفاوض فتحت آفاقا جديدة، كما قال أن قوى العالم الآن تعترف بحق إيران في الطاقة النووية السلمية والتخصيب.

https://twitter.com/HassanRouhani/statuses/404439330329870336
https://twitter.com/HassanRouhani/statuses/404533365748940800

ومن المبكر الحكم اذا ما كان الاتفاق الغربي الايراني نهائياً، الا أنه من المؤكد أن كلاً من أمريكا مستعدان للمضي قدماً به فكل منهم لديه من المكاسب ما يزيد من رصيده داخلياً أو خارجياً، فالأمر بالنسبة لاوباما متعلق برصيد انجازاته بعد فشل معظم الملفات التي كان يعمل عليها خلال فترة رئاسته الثانية، اضافة الى تأمين انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان والعمل مع ايران على الملف العراقي والسوري، كذلك بالنسبة لايران متعلق بالمشروع النووي وانهاء العزلة الدولية.

وبعيداً عن دور ايران في المنطقة والذي يتناقض مع كثير من المبادئ والأخلاق خصوصاً في الملف السوري والعراقي واليمني والذي جعل من ايران محط كره وعداء لكثير من العرب والمسلمين السنّة خاصة، لكن ليس لأحد أن ينكر جهود ايران الحثيثة الدبلوماسية في الوصول الى اتفاق مع الدول الغربية والخروج من الأزمة الراهنة والعزلة الدولية التي تعيش بأقل الخسائر وأكثر المكاسب الممكنة، ودفع الكرة الى ملعب الغرب.

في الوقت ذاته تعيش السعودية - العدو اللدود التقليدي لايران - في حيرة من أمرها، وتشعر كما لو أنها في تحالف - غير معلن - مع اسرائيل التي قالت أنه أكبر نصر دبلوماسي تحققه ايران بينما وصف رئيس وزرائها الاتفاق الغربي الايراني بالفضيحة، فهل ستعود السعودية لتعيد تشكيل صورة ايران لدى شعوبها مع عقود من مشاعر الكره والعداء المعلن و"الخطر الصفوي" الذي يهدد البلاد؟ ، أم تتجه الى الى تسوية الملفات العربية وتفادي آثار الانقلاب العسكري الذي دعمته سياسياً واعلامياً وماديّاً وقيادة مصر الى رخاء سياسي يتبعه تحالف مع تركيا يقود المنطقة لمواجهة سياسيات ايران الجديدة الغير معلنة في المنطقة ؟

الشارع العربيّ بدا غيّر مهتم بالشكل الكبير بالاتفاق الغربي الايراني في الوقت الذي تبدو فيه ايران الداعم الرسمي للأسد، الا أن كثيرين عبّروا عن براعة ايران في الأداء السياسيّ وليس الخروج من الأزمة بأقل الخسائر وحسب، بل بمظهر الرابح كذلك مع الافراج عن 10 مليار دولار كانت محتجزة لها في الولايات المتحدة الأمريكية، أحدهم قال : "خلال اليومين الماضيين رسمت دولة ايران مستقبلها لعشرات السنين المقبلة، فيما ينشغل عرباننا بالدسائس والمؤامرات التي نغرق وسنبقى نغرق فيها حتى يشاء الله، أي أمة واي دول تلك التي نرثها نحن الجيل الصاعد؟".