عناصر من جبهة النصرة

في لحظة تاريخية في سوريا عام 2012، شكلت "جبهة النصرة في بلاد الشام" حدثًا مفصليًا فارقًا لا بسبب كينونته المتفردة أو المفاجئة، بل بسبب آلية بقاء واستمرار متناقضة مفرطة في كوميديتها، لقد ارتبط ظهورها بجهود غير ذاتية لتسويقها من ألد أعدائها جميعًا في وقت واحد: النظام السوري والإدارة الأمريكية وتنظيم الإخوان المسلمين وعدد من التيارات اليسارية والعلمانية في آن.

هذه القوة الغريبة التي لم تكن تزيد عن 300 مقاتل في أولى بوادر نشأتها أصبحت قوة ضاربة لا تجارى في عام واحد، والأهم من ذلك أنها لم تقم بأي جهد في تسويق نفسها في هذا الشأن، لم تكن "جبهة النصرة" صيرورة منفصلة بقدر ما كانت امتدادًا لصيرورة تاريخية أهملت بين إدراتين أمريكيتين جمهورية فديمقراطية، بشكل أو بآخر، اعتمد تنظيم القاعدة على قصر ذاكرة الشرق الأوسط وعلى آلة إعلامية جبارة قدمت نفسها بالمجان لترويجه.

تسويق النصرة

كشفت النواة الأولى للخلية عن نفسها تحت اسم "جماعة النصرة والجهاد في بلاد الشام" في شباط/ فبراير من العام 2005 إذ أعلنت مسؤوليتها عن اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، في ذلك الوقت شكل الظهور الإعلامي حدثًا فارقًا لا بسبب فداحة الجريمة أو أبعادها السياسية وحسب، بل كذلك كان هذا الظهور إحدى المناسبات القليلة التي أمكن لنا فيها أن نضع للقاعدة وجهًا وصوتًا محليين واضحين، لو كانت موضة "الترندات" في تويتر سائدة في ذلك العام، لكان اسم "أحمد أبو عدس" الاسم الأكثر ظهورًا على الشاشات.

رغم ذلك كله سرت حملة إعلامية ضخمة من جميع الجهات محاولة تبييض صفحة جبهة النصرة وإنكار انتمائها إلى تنظيم القاعدة واعتبار هذا الربط مجرد مؤامرة أمريكية وادعاءات كاذبة، تناوب المحللون والناطقون من محللين سياسيين ونشطاء يساريين ويمينيين وإسلاميين تكذيب تلك الادعاءات في كل مرة وأينما سنحت الفرصة، إلا جهة وحيدة التزمت صمتها في هذا الشأن هي جبهة النصرة ذاتها.

لم يحل هذا السجال العقيم حتى العاشر من نيسان/ أبريل 2013 حيث أصدرت جبهة النصرة أول بيان تكشف فيه مبايعتها تنظيم القاعدة على خلفية النزاع مع المجموعة الوليدة الأخرى (دولة الإسلام في العراق والشام) وبدايات انشقاقها عن التنظيم الأب وقائده أيمن الظواهري، ساهم التوقيت الذكي لهذا الإعلان في إيجاد مبررًا جديدًا لتسويق جبهة النصرة في مقابل تنظيم الدولة الإسلامية عبر تسويق "وهم" العداء بين التنظيمين وتناقض المصالح، وهو الأمر الذي تنفيه الأيديولوجيا والديموغرافيا معًا.

النصرة وداعش في الميزان

أيديولوجيًا ثمة اتفاق شبه كامل بين التنظيمين الأخوين للقاعدة يشوبه خلاف "تكنيكي" بحت يتعلق بتوقيت تطبيق الحدود، تؤمن جبهة النصرة بضرورة تأجيل تطبيق الحدود الإسلامية بحذافيرها ريثما يتم إرساء قواعد الدولة الإسلامية في أرض الشام، دون أن يمنع ذلك من تطبيق بعض الإجراءات التعزيرية بين حين وآخر.

يعتبر تنظيم داعش من ناحية أخرى أنه ما من قائمة تقوم للدولة الإسلامية على الأرض وما من توفيق إلهي في هذا المسعى ما لم تطبق الحدود الشرعية الحرفية أولًا بأول في أي بقعة تطؤها أقدام جنود الدولة الإسلامية، وقد انعكس هذا التوافق الأيديولوجي جغرافيًا وديموغرافيًا، إذ لطالما انسحبت جبهة النصرة من أكثر المواقع استراتيجية تاركة إمارات النصرة تتحول إلى أقاليم داعشية، كما في حلب (معبر بستان القصر والمدينة الشرقية والريف الشمالي والشرقي) مرورًا بمدينة الرقة التي قامت النصرة بالسيطرة عليها كاملة ثم تسليمها بالكامل إلى داعش.

من يسوق للنصرة؟

فعليًا ساهمت جميع الجهات المعادية للقاعدة وفي تسويق النصرة وداعش انطلاقًا من الأسباب ذاتها، يحتاج كل يمين إلى يمين آخر يضعه في موضع اليسار النسبي، من هنا ساهمت كثير من الحركات الإسلامية في تسويق النصرة كفصيل إسلامي قوي لا يجارى، في محاولة للعب دور "الإسلام المعتدل" الذي يملك مفاتيح الحل.

للأسف تسابق في السنوات الأولى كثيرون من النشاطاء اليساريين والجهات السياسية العلمانية والمعتدلة لإبداء تعاطفهم مع جبهة النصرة في محاولة لنفي تهمة "الإسلاموفوبيا" التي ترشقهم بها الحركات الإسلامية وإعلامها الميسطر، شيئًا فشيء انتقل تبرير الهتافات الإسلامية الخارجة عن إطار الثورة السورية إلى تبرير الرايات السوداء في المظاهرات الثورية، ثم انتقل الأمر إلى تبرير محاربة فصائل للجيش الحر في غير مكان من سوريا بحجة فسادها، مما مهد الطريق نحو محاربة علم الثورة الذي يمثل الجيش الحر، والدفاع عن جبهة النصرة وأشباهها ممن قاموا بتمزيق وإحراق هذه الراية في أكثر من موضع.

النصرة مقابل الثورة

في بداية العام 2014، شكل الإجماع المحلي والدولي حول "داعش" حجر أساس لخلق حل ما للحرب السورية، وما إن اجتمعت جميع الفصائل والدول في وجه تنظيم الدولة حتى بدأت تحالفات جديدة تتشكل ومصالح مشتركة تتبدى، صحيح أن هذا الأمر لم يساهم بشكل كبير في كسر هيمنة تنظيم الدولة أو كسر شوكته، إلا أن هذا كان يعود بشكل أساسي إلى أن جبهة النصرة بقيت علامة استفهام تشوب كل اتفاق وكل نقاش.

رفضت قوى سياسية وعسكرية ومدنية تجريم جبهة النصرة أو اعتبارها خارجة عن إطار الثورة السورية مخالفة كل منطق، واعتبرت أن النصرة جزء من الثورة وحامية للسوريين، وهو أمر لم تقم جبهة النصرة بادعائه يومًا ولم تصنف نفسها فصيلاً ثوريًا أو سوريًا، هذا بالطبع بغض النظر عن كونها ما تزال ترتبط بعلاقات مبهمة مع تنظيم داعش، ولم تعلن يومًا حربه أو مخالفته، ولم يزد الخصام بينهما عن معارك انتقامية من باب عين بعين وسن بسن ردًا على خيانات بحق النصرة، لا من قبيل إعلان حرب مبدئية بين الجبهة والدولة.

اليوم، تعتبر علامة الاستفهام هذه التي تسمى جبهة النصرة هي المسمار الأساس في نعش الثورة السورية، وما تزال القوى الدولية جميعها تتخذ منها حجة لاستعار الحرب ودمار البشر والحجر، يتفق معسكر الممانعة "روسيا مع النظام السوري وإيران" في اتخاذها حجة لضرب أي مواقع مدنية أو عسكرية تهمه، فيما يقف المعسكر المقابل مشككًا في كل نشاط مدني أو فصيل عسكري، مانعًا أي تدخل إنساني أو سياسي بحجة أن هذه الفصائل أو المجموعات أو حتى المدنيين ربما يتعاونون مع جبهة النصرة، لذلك، كان أقصى ما ردت به الإدارة الأمريكية في شأن الهجوم الفاشي على مدينة حلب هو البيان المقتضب على لسان مبعوثها مايكل راتني الذي يطالب فيه الشعب السوري كله "مدنيين وعسكريين" بالابتعاد عن الإرهاب قدر الإمكان.

يبدو أن حل هذه المعضلة ماثل في الأذهان واضح للأعين، ألا وهو الوقوف من النصرة المقف ذاته الذي اتخذ ضد داعش في العام 2014، وهو الأمر الذي لا يريد أحد أن يخوض فيه أو يطرحه على الملأ، يستمر السوريون بتجاهل الفيل الذي يملأ الغرفة متذرعين بأن جبهة النصرة تشكل درع الردع في وجه الهجمات العدائية على السوريين، بينما ما تفعله في الواقع هو العكس.

جبهة النصرة هي العذر الدولي الوحيد اليوم لضرب السوريين مرارًا وتكرارًا، بينما في الواقع ما من إنجاز واحد إيجابي قامت به جبهة النصرة ليحصد منه السوريون اليوم، هي زرعت وهي حصدت والبقية يدفعون الثمن.

يبدو أن الصورة بدأت تتضح للبعض في الداخل السوري، إذ كان "جيش الإسلام" هو السباق في إعلان رفض جبهة النصرة وتوعدها بحرب وشيكة، وهي حركة لا تخلو من سياسة وفهم للمتغيرات الحالية، لكن الخوف - كل الخوف - من أن تؤتي هذه الحركة ثمارًا عكسية عبر تجييش الإعلام مجددًا ضد جيش الإسلام بدلاً من النصرة، وبهذا فإن مرحلة طويلة من الظلام تنتظر البلاد، لا تنفع فيها هدن مؤقتة تضليلية تعد بالساعات.