المقاصد هي الروح التي تسري في كل فقه حي، فالفقه هو الجسم والوعاء الذي تسري فيه المقاصد وتفعل من خلاله فعلها (ص85)، فالمقاصد لا غنى عنها للفقيه ولا للأصولي، بل إن الفقيه لا يمكن أن يترشح لمرتبة الاجتهاد حتى يكون مقاصديًا، ثم استعرض آراء بعض العلماء، في القديم والحديث، في علاقة المقاصد بالاجتهاد، ليخلص إلى أن استحضار المقاصد على الدوام، هي القضية الأساس في العملية الفقهية، وأنه:

ويلزم الفقيه والمجتهد والمستنبط، أن يكون مستحضرًا على الدوام، أن كل شيء في الشريعة له مقصوده، مرتبط بمقصوده وتابع له، وعلى قدر النقص في ذلك يكون الخلل والزلل في الاجتهادات والاستنباطات، فالمقاصد دليل دائم في كل مسألة أو هي دليل مع كل دليل (ص87-91).

الأبعاد الثلاث للمقاصد

1- دائرة المقاصد الكلية العامة: وهي لا تخرج عن جلب مصالح العباد الفردية والجماعية، المادية والمعنوية، الحالية والمآلية، الظاهرة والخفية، الدنيوية والأخروية.

2- دائرة المقاصد الخاصة: أي المقاصد الخاصة المرعية في مجال معين من المجالات التشريعية، فتكون الأحكام الشرعية في هذا المجال مبنية على مراعاة تلك المقاصد وحائمة حول تحقيقها وخدمتها.

3- دائرة المقاصد الجزئية: وهي المقاصد الخاصة بكل حكم من أحكام المسائل الجزئية على حدة.

اعتبار المقاصد في الاجتهاد الفقهي: وجوهه ومراحله

يؤكد المؤلف أن اعتبار المقاصد في الاجتهاد والاستنباط لا ينحصر في مراعاة الضروريات الخمس ونحوها من المصالح والمقاصد الشرعية العامة ذات الصلة بالحكم المراد تقريره، بل يتمثل ويتجلى في وجوه وحلقات عديدة أهمها:

1التحقق من مقصود النص الشرعي، أي تحري المعنى المقصود بالنص، وهل هو ما يلوح من ظاهر ألفاظه، أو غير ذلك.

2- تحري معرفة الحكمة والمصلحة المقصودة من وراء الحكم المنصوص، لمرعاتها في الاستنباط والقياس والتنزيل.

3- النظر في ما يظن مقصدًا وليس بمقصد، لنفيه وإسقاط اعتباره وتأثيره.

4- التمييز بين ما هو مقصود لذاته وما هو مقصود لغيره، لوضع كل منهما في موضعه.

5- مراعاة "المقاصد العامة" للشريعة عند كل تطبيق جزئي حتى يكون موافقًا لها، غير متناف معها.

6- مراعاة "المقاصد المختصة" بالمجال التشريعي الذي تنتمي إليه مسألة البحث.

7- مراعاة مطلق المصالح المرسلة، التي جاء الشرع بحفظ أجناسها وأصولها.

8- ترتيب الحكم ودرجته على قدر المصلحة والمفسدة.

9- مراعاة المقاصد عند إجراء الأقيسة.

10- اعتبار المآلات والعواقب.

السياسة الشرعية ومقاصد الشريعة

السياسة الشرعية هي كل اجتهاد أو عمل يتعلق بتدبير الشؤون العامة للناس، ويرمي إلى جلب المصالح لهم أو تكثيرها، ودرء المفاسد عنهم أو تقليلها (ص133)، فهي التدبير الأمثل للمصالح العامة، بما يحقق مقاصد الشريعة، وما يتلاءم معها وهي تشمل وضع الضوابط المنظمة لتولي الحكم وممارسته بناء على قاعدة (وأمرهم شورى بينهم)، واختيار ولاة الأمور وبناء المؤسسات العامة، وفق ما تتطلبه المصلحة وتقتضيه القواعد المعتمدة لذلك، واعتماد الأنظمة والتدابير والصيغ التنفيذية لأحكام الشريعة، واعتماد التشريعات الاجتهادية اللازمة في مختلف مجالات الحياة، وإقامة فروض الكفايات وما تتطلبه، كالتعليم والصحة والقضاء والحسبة والجهاد، وإقامة النظام القضائي، وحفظ الأمن الداخلي، وإقامة المصالح الاقتصادية والخدمات الاجتماعية، وتدبير السياسات والعلاقات الخارجية (ص135-136).

سمتان بارزتان للسياسة الشرعية

1- اعتمادها الواسع على الرأي والتجربة والملاءمة المرنة للظروف المتغيرة.

2- قيامها على جلب المصالح ودرء المفاسد.

أي أن مرجعيتها - كما يبين المؤلف - هي مقاصد الشريعة وموازينها، فالزاد الأكبر، والعمدة الأساس للسياسي المسلم - سواء كان ممارسًا للسياسة الشرعية، أو منظرًا لقضاياها، أو مشتغلاً بفتاواها، إنما هي مقاصد الشريعة، فعلى قدر معرفته بها ومراعاته لها وتحكيمه لموازينها، تكون اجتهاداته وقراراته وترجيحاته أقوى دليلا وأهدى سبيلاً (ص136).

السياسة الشرعية في زماننا

يقول المؤلف، محقًا، إن الناظر فيما يصدر اليوم باسم السياسة الشرعية من آراء وفتاوى ومن مواقف وتصرفات، يقف على وجوه عديدة من الخلل والقصور، ترجع إلى ضحالة العلم بمقاصد الشريعة وعدم اعتبارها في هذا الباب، مما يؤكد حاجة الفكر السياسي والممارسة السياسية الإسلامية، إلى مزيد من الوعي المقاصدي (ص137).

قضيتان شائكتان

تناول المؤلف قضيتين شائكتين تقابلان ولاة الأمور، القضية الأولى: متعلقة بالترجيح بين التمسك الحرفي بالنصوص أو التنازل الشكلي أو الخفيف، وتحمل بعض الأضرار لصالح نتائج كبيرة إيجابية في المستقبل القريب أو البعيد، مستدلاً بقاعدة الأمور بمقاصدها وتطبيقها على صلح الحديبية، مؤكدًا أنه لا بأس أحيانًا، أو لا بد، من تقديم تنازلات شكلية أو خفيفة، ومن تحمل أضرار قريبة ومؤقتة، إذا علم أو ترجح في تلك الحالة، أن العواقب البعيدة والنتائج الكبيرة، ستكون مريحة ومربحة، معتبرًا هذا من أهم قواعد السياسة الشرعية (ص138-142).

والقضية الثانية هي: تولي المناصب الحرجة في ميزان المصالح والمفاسد، حين يكون الداعي لتولي هذه المناصب والوظائف، هو داعي الإصلاح والمصلحة العامة، حيث يشدد المؤلف على أن النظر الكلي المآلي، يحتم اعتبار الغرض الإصلاحي، وتقدير ما يرجى تحقيقه - أو ما هو متحقق - من جلب للمصالح والفوائد ودرء للمظالم والمفاسد.

لأن اجتناب الصالحين والمصلحين، لتولي المناصب العامة والافتاء لهم بذلك، يجعل إصلاحها ميئوسًا منه، ولا تزداد على مر الأيام إلا فسادًا، والمؤسسات والمرافق العامة إذا فسدت لا يقف فسادها في ذاتها بل تصبح مصدر فساد في ذاتها، بل تصبح مصدر إفساد لعموم المجتمع والعكس بالعكس، مؤكدًا على أن من يتولى هذا يعتبر مصلحًا، ومحسنًا مأجورًا على ما يحققه، معذورًا فيما يقع تحت يده، أو يسكت عنه، واستشهد بكلام نفيس لابن تيمية في الموضوع (ص142-146).

كفانا إلجامًا للعوام، يكفيهم لجم الحكام

يشدد المؤلف، على أن مقاصد الشريعة إنما تطلب لتسديد العلم وترشيد العمل معًا، أي أنها لخاصة العلماء ولعامة المكلفين، مؤكدًا على أن الشريعة مهما قيل عن مقاصدها وأسرارها وفلسفتها، إنما جاءت لمخاطبة لعموم الناس، ومعالجة لهموم الناس، فلا جرم أن معرفة أحكامها ومقاصدها ستكون في متناول الناس، ويستفيد منها ويعمل بها عامة الناس (ص148)، مشددًا على أن فهم المقاصد والإلمام بها، هو الأسهل أو الأقل صعوبة، ضمن بقية العلوم والمعارف الإسلامية.

فالمقاصد، أسهل من الفقه ومسائله وأحكامه الدقيقة، ومن علم أصول الفقه، وعلم الكلام ومباحثهما الموغلة في التجريد، ومن علم مصطلح الحديث بشروطه وعلله وجرحه وتعديله، وعلوم العربية كلها - خاصة علم النحو -، بل إن إدراك مقاصد الشريعة، وأخذها مباشرة من نصوصها وأحكامها، ليس متوقفًا على العلماء واجتهادهم واستنباطهم، بل هناك مقاصد وحكم لا تكاد تخفى على أحد، ومنها ما لا يحتاج إلا لقليل اهتمام وانتباه، ويمكن دراستها وتدريسها بأعلى المستويات، وبمستوى متوسط، بل وعرضها على مستوى عامة الناس.

ويؤكد المؤلف، على أن العمل على تقريب المقاصد ونشر ثقافتها بين عامة الناس، يجد أسوته في عدد من علمائنا ألفوا كتبًا بغرض التقريب والتيسير للعلوم المختلفة، فهذا يمكن أن يكون شأن المقاصد أيضًا، وسوء الفهم ووضع الأمور في غير مواضعها ترد وتقع في كل المجالات العلمية، فكفانا إلجامًا للعوام، يكفيهم لجم الحكام (ص149-154).

استثناء

يستثني المؤلف معرفة المقاصد، بمعنى استنباطها وتقريرها وإثباتها والغوص في مباحثها من خلال أدلتها ومسالكها، من أن تترك لغير المتخصصين، فهذا النوع من المعرفة، هو شأن العلماء المتخصصين الراسخين.

فوائد المقاصد لعموم المكلفين

1درجة أقوى من الإيمان بالله وحكمته ودرجة أعلى من التفقه بشريعته.

2- زيادة الإقبال على العمل والتحصيل فكل تكليف وكل عمل عرف صاحبه مقاصده وفوائده، كان قيامه به متسمًا بالرغبة فيه والإقبال عليه والصبر عليه والسعادة به والعكس بالعكس.

3- التسديد والترشيد للأعمال (ص154-162).

خاتمة

حاول المؤلف، في هذا الكتاب، أن يبسط الكلام في علم مقاصد مقاصد الشريعة، مؤكدًا أهميته لضبط الاجتهاد في مجال استخدام مقاصد الشريعة الإسلامية، مؤكدًا على أن اتباع المقاصد والتعليل بها، سيسهم في تجديد فهمنا لتفسير النصوص والأحكام الشرعية، دون تجاوز هذه النصوص الشرعية، أو التفلت من سلطانها، كما أن الدعوة للاجتهاد المقاصدي لا تعني إلغاء اجتهادات العلماء السابقين، لكنها تعين المعاصرين على البناء عليها والتجديد فيها.

كما أوضح المؤلف قضية في غاية الأهمية، وهي المتعلقة بتعريف عامة الناس بالمقاصد الشرعية، مؤكدًا على ضرورة ذلك وأهميته، وعدم صعوبته على الإطلاق، فعامة الناس قادرون على استيعابها والتعامل السهل معها، فليس في الإسلام أسرار، مؤكدًا أن معرفة عامة الناس بها، هو سبيل لتقوية إيمانهم، وإقبالهم على التكاليف والواجبات الشرعية.

وأخيرًا أوضح المؤلف، أن علم مقاصد المقاصد لا يغير من أحكام الشريعة شيئًا، لكنه يسهم في فهمها الفهم الأفضل، كما أنه آلية فهم وتفسير، وأداة ترجيح عند تعارض الأحكام، وعند تعدد أوجه الدلالات، فالمقاصد، عبر منظومتها المتكاملة وضوابطها ومسالك كشفها هي فلسفة التشريع وروح الأعمال، ومن هنا وجه الحاجة إليها وأهميتها.