زيارتان للعاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز إلى تركيا منذ توليه سدة الحكم، وُصفتا بالنوعيتين، كونهما أتيتا بعد التوتر الشديد الذي شهدته العلاقات بين البلدين خلال فترة حكم الراحل عبد الله بن عبد العزيز، كما عكستا حرص الجانبين على تعزيز التعاون وتنسيق الجهود لتأسيس مجلس تعاون استراتيجي يتبلور في ظلاله الترابط السياسي والاقتصادي.

إنَّ التقاربَ الملحوظ الذي طرأ على العلاقات التركية السعودية أثار اهتمام المتابعين بشكل كبير، ورآه مراقبون أنه اضطراري منبثق عن تطابق مصالح الطرفين في أكثر من مسألة، وبالأخص الملف السوري الذي توقع خبراء بشأنه مشاركة السعودية لتركيا بالتدخل في سوريا، لا سيما بعد وصول طائرات سعودية إلى قاعدة إنجرليك التركية في فبراير الماضي.

لكن رياح الواقع جاءت عكس ما توقعه بعض المحللين والخبراء، إذ أجرت تركيا تدخلها العسكري في شمال سوريا بمفردها بدون أي دعم لوجستي أو عسكري من السعودية، فدخول تركيا غمار الحسم العسكري في بعض المناطق السورية بمعزل عن أي دعم سعودي لفت الأنظار لبحث الأسباب التي جعلت السعودية تنأى بنفسها عن مشاركة تركيا.

العوامل التي حالت دون مشاركة السعودية لتركيا في عمليتها العسكرية شمال سوريا تنقسم إلى عوامل داخلية تتعلق بالسعودية وأخرى خارجية.

العوامل الداخلية

• الوضع الاقتصادي المتدهور في السعودية: شهدت المملكة العربية السعودية في الآونة الأخيرة تدهورًا ملحوظًا في وضعها الاقتصادي، حيث برز عجز شديد في الميزانية العامة للمملكة العام الماضي قُدر بـ 78 مليار دولار، وأُرجع ذلك العجز إلى تدني أسعار النفط في السوق العالمية منذ ما يقارب العامين، هذا التراجع اضطر السعودية لفرض ضريبة القيمة المضافة بالإضافة إلى رفع المستوى العام لضريبة الدخل والضرائب المباشرة وغير المباشرة، ولم تقف على ذلك بل اضطرت لعرض أسهم شركة أرامكو، للرغبة في تحقيق الشفافية والجودة في إداراتها، وبالتالي إحراز دخل مادي أكبر.

وقد نتج عن تراجع الدخل الاقتصادي للسعودية التحرُّك بروّية إزاء القضايا العالقة في المنطقة، لا سيما بعد طول المدة الزمنية لمعركة "عاصفة الحزم" التي توقعت السعودية حسمها في أقل من عام.

• الانشغال في حرب اليمن: تسببت حرب اليمن في إهدار المصادر الاقتصادية للسعودية، ولا شك في أن تكون إحدى نتائج الحرب في اليمن هي إهدار المصادر الاقتصادية، فلم تتوقع السعودية أن تدوم الحرب في اليمن طويلًا، إذ كان يدور في خلدها التخطيط لفرض قوتها على الساحة الإقليمية، وذلك لإجبار الحوثيين سريعًا على قبول التفاوض مع قوتها، ولكن لم يتحقق ما ترنو إليه، فما زالت حتى اليوم تحاول إحراز أهدافها في اليمن دون جدوى، وفضلًا عن ذلك فقد ترتب عن حرب السعودية في اليمن أكثر 10000 قتيل وجريح من الجيش والمدنيين في عسير ونجران، وكما أن تزعزع القرار الإماراتي ما بين الاستمرار في الحرب أو الانسحاب منها سبب توترًا شديدًا للقيادة السعودية، وعلى غرار ذلك فإن الخطر الإيراني ما زال يدك مضاجع السعودية بشكل أكبر في اليمن المحاذية لها على طول الحدود، ويلوح في الأفق أن انشغالها في حرب اليمن سيطول، لذا فتح جبهة جديدة في سوريا كان من شأنه أن يؤدي إلى تشتت قواها وتمزق جذورها ضعفًا في أعماق الأرض.

عدم وجود الإرادة الفعلية السعودية لمشاركة تركيا في أي تحرك: تغيّر الملك في السعودية، ولكن المؤسسات والرؤية الحاكمة لها لم تتغيّر بذلك الوجه الجذري

• عدم وجود الإرادة الفعلية السعودية لمشاركة تركيا في أي تحرك: تغيّر الملك في السعودية، ولكن المؤسسات والرؤية الحاكمة لها لم تتغيّر بذلك الوجه الجذري الذي يدفع الطرفين للتحرك المشترك، فالعلاقات التركية السعودية كانت محتدمة بشكل غير مسبوق قبيل تولي الملك سلمان لمقاليد الحكم، ومع اعتلاء سلمان لسدة الحكم انتهج سياسة التقارب مع تركيا، إلا أن هذه السياسة التي لم يمض عليها سوى عام، لم ترق إلى مستوى التحرك العسكري المشترك، فالسعودية ما زالت تخشى أن تحصل تركيا على فرصة لإثبات رؤيتها حول ضرورة دعم ثوار الربيع العربي.

كما أن تشييد العلاقات الاستراتيجية لا يقف على وجود خطر مشترك فقط بل يستدعي أواصر سياسية واقتصادية وإعلامية وثقافية عميقة تأخذ بطرفين أو أكثر صوب التعاون العسكري المشترك، وفي ضوء ذلك لا يمكن الحديث عن وجود تعاون تركي سعودي استراتيجي، فالدولتان اللتان كانتا على خصومة سياسية وفكرية بارزة قبيل تولي الملك سلمان مقاليد الحكم، لا يقدرا على تشييد علاقات استراتيجية تشمل التحرك المشترك في غضون عام أو عامين، بل الأمر يحتاج إلى فترة زمنية أطول يتسنى خلالها للطرفين استيعاب مدى الحاجة المشتركة كي يتمكنا من تأسيس تحالف استراتيجي.

• الشبهات حول ضلوع السعودية في محاولة الانقلاب على أردوغان: لم يتهم الطرف التركي السعودية بالضلوع في محاولة الانقلاب، بل شكرها جزيل الشكر، مثمنًا دورها في دعمه دبلوماسيًا واقتصاديًا عقب محاول الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا في 15 من يوليو/ تموز الماضي.

وعلى صعيد آخر، استنكرت الكثير من الدول، كروسيا والصين وإسرائيل المعروفة بتشاحن مواقفها السياسية مع تركيا محاولة الانقلاب، سابقة السعودية في ذلك، إضافة إلى ذلك، دعمت قناة العربية الممثلة للسعودية محاولة الانقلاب بشكل مكثف، عوضًا عن ادعاء موقع مجتهد المُدعي قربه للأسرة السعودية الحاكمة أنَّ محمد بن سلمان تعاون مع عبد الله بن زايد في التنسيق للانقلاب، وقد تمادت قناة العربية في دعم محاولة الانقلاب إعلاميًا عبر تخصيص لقاء حصري لزعيم جماعة الخدمة "فتح الله غولن" المتهم الأول في التخطيط للانقلاب وتنفيذه، هذه المواقف والمؤشرات أوقعت الشبهة في قلوب الكثير من القادة السياسيين الأتراك الذين رأوا أن السعودية ما زالت على موقفها المُعادي للديمقراطية الحقيقية.

لا يمكن وصف هذا العامل على أنه صائب مائة بالمائة، بل هو عامل متوقع نتيجة المواقف السابقة للملكة حيال الأنظمة الديمقراطية، لا سيما في ظل تنافسها الشديد مع تركيا التي عارضت موقفها الداعم لثورات الربيع العربي.

العوامل الخارجية

• عدم رغبة تركيا بتصوير الأمر على أنه جبهة سنية مضادة لجبهة شيعية فاعلة في سوريا: قد تعرضت تركيا للكثير من الاتهامات التي وسمتها على أنها تسعى لتكون على رأس الحربة في القطب السني المضاد للقطب الشيعي الرامي للتمدد على ساحة الشرق الأوسط، ودحضت تركيا هذه الاتهامات عبر تأكيدها على أنها تتبع سياسة واقعية براغماتية تسعى لحماية مصالحها في المنطقة وتتحرك بهدف كسر التمدد الجيوبوليتيكي المذهبي الإيراني الذي تسبب في تفتيت أواصر عدد من دول المنطقة ناشرًا للعداء.

وهذا ما يوافق رؤية الخبير الاستراتيجي التركي خورشيد دالي الذي يُشير عبر مقاله "عاصفة الحزم والعلاقات التركية الإيرانية" المنشورة عبر موقع الجزيرة ترك، إلى أن برهان المسار العلماني الواقعي العقلاني للسياسة التركية اتحادها مع المملكة العربية السعودية إلى جانب استمرارها في علاقتها الدبلوماسية والاقتصادية المتينة مع إيران، موضحًا أن ذلك يؤكد على أن تركيا دولة علمانية تلعب لعبتها السياسية على أساس واقعي علماني يخدم مصالحها بشكل عقلاني بعيدًا عن العواطف الدينية والمذهبية كما تفعل بعض الدول.

في قوله بعض الدول، يقصد دالي المملكة العربية السعودية التي تربطها مع إيران علاقات مذهبية جلّية يشوبها الاحتدام المذهبي والقطيعة الدبلوماسية الواضحة على العكس من تركيا التي توازن علاقاتها على أساس علماني براغماتي، وقد بدا واضحًا من التراشق الإعلامي الذي نشب بين الطرفين "السعودي والإيراني" الأسبوع الماضي حجم تأثير المسار المذهبي على العلاقات بينهما.

ولعل استعانة تركيا بالسعودية في عمليتها كاد أن يكون بمثابة الدليل الدامغ على تحركها في إطار تشكيل جبهة سنية، ولكنها مع الاستغناء عن السعودية درأت عن نفسها هذه التهمة وأثبتت بشكل قاطع تحركها الفردي وفقًا لمصالحها وليس وفقًا لمصالح تكتل مذهبي معين.

من المحال أن تُجري تركيا هذا التدخل دون التنسيق مع أمريكا وروسيا اللتين أظهرتا بوادر التوافق من خلال الابتعاد عن الاستنكار وتقديم الدعمين الاستخباراتي والميدان

• محدودية الصلاحيات التركية: من المحال أن تُجري تركيا هذا التدخل دون التنسيق مع أمريكا وروسيا اللتين أظهرتا بوادر التوافق من خلال الابتعاد عن الاستنكار وتقديم الدعمين الاستخباراتي والميداني؛ فروسيا دعمت التدخل التركي رغبةً في كبح جماح وحدات الحماية الديمقراطية رافضةً مبدأ تقسيم سوريا، أما أمريكا فأبدت دعمها لتركيا في إطار مبدأ توازن القوى الذي سعت من خلاله لإبقاء تركيا إلى جانبها بعد ظهور للسطح التقارب التركي الروسي الوثيق.

وبالإضافة إلى ذلك فالتدخل التركي في سوريا إلى الجانب السعودي أمر مرفوض بشكل قاطع من روسيا وأمريكا؛ لأن ذلك باختصار كان سيزيد من حدة الصراع الدائر رُحاه في سوريا، ذلك الصراع أسأم الدولتين وجعلهم في رغبة شديدة للتعجيل في حل القضية، تعي تركيا حجم الخسائر الدبلوماسية والاقتصادية التي مُنيت بها الدولتين لقاء دعمها لبعض الأطراف في الأزمة، لذا حاولت كسب دعمهما في إطار محدود لا يتعدى ليفتح عليهم منافذ جديدة وفي سياق ذلك عرفت حدود صلاحيتها.

• اهتزاز العلاقات الأمريكية السعودية: ولعل التقارب الأمريكي الإيراني الخاص في إطار تغيّرات السياسة الخارجية الأمريكية وانخفاض أسعار النفط والتقارب الأمريكي الإيراني أديا لبزوغ بعض الشواهد لرغبة أمريكا في التخلي عن دعمها التام للمملكة العربية السعودية، والذي كان يتم بشكل تكاملي، بحيث أمريكا تحصل على النفط والخليج على الأمن.

ومن بوادر هذه الرغبة، نشرت الإدارة الأمريكية تقريرًا يتهم السعودية في ضلوعها بدعم منفذي تفجيرات 11 سبتمبر، ولوحت السعودية بعد إعلان الإدارة الأمريكية عن رغبتها في نشر التقرير بسحب أصولها من البنوك الأمريكية، وأعقب ذلك هبوط ملحوظ في حيوية العلاقات المشتركة بين الطرفين، هذا التدهور الناشب بين الطرفين يكبل السعودية عن إجراء أي تحرك دولي خشية الوقوع في اتهامات أمريكية أخرى هي ليس بصدد تحملها في الوقت الحالي.

• استهداف الإعلام العالمي بشكل سلبي للسعودية مؤخرًا: وقعت السعودية تحت وطأة الكثير من الهجمات الدبلوماسية والإعلامية الإقليمية والعالمية المتهمة لها بارتكاب جرائم حرب في اليمن، الأمر الذي جعلها عُرضة للإحراج الشديد على الساحة الدولية وكلفها ذلك اتهام الأمم المتحدة لها بقتل الأطفال في اليمن.

 تسعى السعودية لبناء نفسها وفقًا للنظام الاقتصادي غير الريعي أي المعتمد على التبادل التجاري النشط مع الدول الأخرى واستقطاب المستثمر الأجنبي لدعم خصخصة بعض المؤسسات الاقتصادية وزيادة بيع الأسهم الورقية، وبناء هذا الاقتصاد يحتاج لبناء هوية أو سمعة إيجابية على الساحة الدولية، وفي ظل تعرض السعودية لهذه الهجمات فإن تدخلها في سوريا يزيد من حدتها ويصوّر هويتها على أنها دولة هجومية عدائية، الأمر الذي لا يصب في صالح الرؤية السعودية السياسية والاقتصادية.

تتعدد العوامل التي لعبت دورًا في الحيلولة دون مشاركة المملكة العربية السعودية في التحرك التركي، ولكن يبقى انشغال السعودية في حربها مع الحوثيين هو العامل الأبرز والأقرب للحقيقة في منعها عن تقديم اقتراح التعاون المشترك مع تركيا.