تواصل المشاكل الاقتصادية في مصر النمو بشكل مخيف، بل إنها باتت تتكاثر يوميًا، في وقت انعدمت فيه الحلول، وأفلست حقيبة الحكومة في تقديم البديل، فالدولار بات ممنوعًا من العرض وجمهوره يزداد، والجنيه أصبح منبوذًا والجميع يتخلص منه.

وفي الواقع لم يعد يستوعب أحد ما يحدث في الاقتصاد المصري، فكل الأرقام تقول إن البلاد تتجه إلى المجهول، والعجيب أن الحكومة تلتزم الصمت في وقت لا يجب أن تغفل فيه لحظه، وحتى نعرف ما يحدث سنعرض 3 مشاكل اقتصادية تمر بها مصر على مستوى الاقتصاد الكلي، و3 حلول قامت بها الحكومة.

الدولار يكتسح الجنيه

لعل تدهور حال الجنيه المصري كل لحظة أهم المشاكل الاقتصادية التي تواجه المصريين، فسعر الجنيه هذه اللحظة مختلف عما قبلها وما بعدها، هذا التدهور لا يخفى على أحد، فقد كسر سعر الدولار في السوق السوداء حاجز الـ 18 جنيهًا وسط توقعات باستمرار الارتفاع.

في الوقت التي تواصل فيه بنوك الاستثمار التأكيد على اتجاه المركزي نحو تعويم العملة، حيث توقع بنك استثمار فاروس، أمس، خفض سعر الصرف الرسمي للجنيه خلال شهر نوفمبر المقبل إلى مستوى يتراوح بين 11 و12 جنيهًا للدولار.

وقال البنك في مذكرة بحثية إن المركزي لم يقم بتعويم كامل للعملة المحلية وإنما تعويم مدارٍ لاعتبارات سياسية، بالرغم من "فاروس" ذكر أن التعويم الكامل للجنيه هو الأفضل من منظور الاقتصاد الكلي، لكن التعويم المدار أكثر ملاءمة من الناحية السياسية.

الديون تواصل القفز

على الجانب الآخر وبعيدًا عن أزمة الدولار تواصل الديون في مصر القفز بصورة مرعبة، حيث كشفت النشرة الشهرية لسبتمبر الصادرة عن البنك المركزي أن إجمالي الدين الخارجي للبلاد زاد إلى 55.764 مليار دولار في الربع الرابع الذي انتهى في 30 يونيو من 48.062 مليار دولار في الربع المقابل من 2014-2015.

وارتفع الدين العام المحلي إلى 2.619 تريليون جنيه بنهاية يونيو من 2.116 تريليون جنيه قبل عام، ومعظم هذه الديون توجهها الحكومة بشكل كامل لسداد عجز الحساب الجاري في الموازنة العامة، الأمر الذي يقضي على آمال الحاضر في النمو ويقتل حلم المستقبل بالرخاء.

التضخم يلتهم قوت المصريين

"كل حاجه غليت يا أستاذ"، هذا هو الرد الطبيعي عندما تسأل عن ارتفاع سعر أي سلعة في مصر، فلم يعد الدولار فقط الذي يرتفع ليل نهار بل إن جميع السلع - إن وجدت - تقفز بدون توقف، فالأرقام الرسمية تقول إن معدل التضخم السنوي وصل إلى 16.4% خلال أغسطس الماضي، مقابل 14.8% في الشهر السابق عليه، ما يعد أعلى معدل ارتفاع منذ عام 2008، بحسب الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.

لكن الواقع لا يقول ذلك بأسعار السلع أقلها ارتفع بنسبة 30% وبعضها تجاوز الـ 50%، والقائمة لا تخلو من الصعود بنسبة 100% في بعض المنتجات، فيما يتوقع صندوق النقد الدولي ارتفاع معدل أسعار المستهلك في مصر إلى 18.2% خلال العام المالي الجاري، مقابل توقعات سابقة بلغت 9.5% في ذات التقرير الصادر في أبريل الماضي.

حلول حكومية في "كي جي 2"

وسط تلك الأزمات الخانقة نجد الحلول في مستوى طالب الحضانة، فكل الحلول محصورة بين الاقتراض من الخارج والداخل، وبيع القطاع العام، وطباعة النقود، ومحاولات جني رسوم قناة السويس مقدمًا، وكل هذه الحلول لا تدل إلا على قصر نظر الحكومة وعدم إدراكها للواقع الذي تعيشه مصر.

بيع بنك القاهرة

بحسب ما نقلت وكالة أنباء "رويترز" فقد قال أحمد كوجك نائب وزير المالية المصري للسياسات المالية إن مصر اختارت المجموعة المالية هيرميس وبنك إتش. إس. بي. سي لتقديم المشورة في طرح حصة من بنك القاهرة ثالث أكبر بنك حكومي في مصر في سوق المال.

وتأسس بنك القاهرة في مايو عام 1952 كشركة مساهمة مصرية ويبلغ رأسماله الحالي 1.6 مليارات جنيه موزع على 400 مليون سهم بقيمة اسمية أربعة جنيهات للسهم الواحد، ويمتلك البنك نحو أربعة ملايين حساب مصرفي للأفراد والشركات والمؤسسات، حيث تسعى الحكومة لبيع البنك في محاولة لتمويل فشلها في إنعاش إيرادات البلاد.

المبالغة في طبع النقود

لم يكن البيع الحل الوحيد لدى الحكومة فقد لجأت إلى وسيلة أخرى قد لا يدركها الكثير، أو لا يتم تسليط الضوء عليها بشكل مستمر، ولكن أثرها الاقتصادي بالغ الخطورة، هذه الوسيلة هي طبع النقود، فقد كشف التقرير الشهري للبنك المركزي المصري، عن تواصل الارتفاع في قيمة النقد المصدر - البنكنوت المطبوع - خلال شهر يوليو الماضي، بنحو 7.6 مليارات جنيه خلال شهر، مقابل زيادة بلغت 16.33 مليار جنيه خلال شهر يونيو السابق له.

وقال التقرير إن النقد المصدر بلغ نحو 376.9 مليارات جنيه بنهاية يوليو الماضي، مقابل 328.2 مليار جنيه في يوليو 2015، بارتفاع قدره 15% تعادل 48.7 مليار جنيه على أساس سنوي.

وتضاعف طبع النقود خلال السنوات الأخيرة، حيث وصل النقد المصدر في مصر في 2011 إلى 179.8 مليار جنيه فقط، أي أن وتيرة طبع النقود في مصر قفزت بأكثر من 100% خلال الأعوام الماضية، وهو ما يكشف حجم الأزمة وتساهل الحكومة باللجوء إلى حلول عواقبها الاقتصادية وخيمة.

رسوم قناة السويس

لم تخل جعبة الحكومة من أفكار الاقتراض المقنن بشكل أو بآخر، فقد طفت على السطح الفكرة التي تروج لها هيئة قناة السويس والبنك المركزى، في دول أوروبية تشمل كلاً من فرنسا وسويسرا والدنمارك، لتحصيل رسوم العبور من قناة السويس من السفن التابعة لهذه الخطوط لمدة ثلاث سنوات مقدمًا.

هذه الخطوة جاءت بهدف تعزيز الاحتياطى النقدى للبنك المركزى من العملات الصعبة، بحسب تصرح مسؤول بهيئة قناة السويس، ولكنها لا تختلف كثيرًا عن الاقتراض وهي السياسة المفضلة لدى الدولة في الآونة الأخيرة.

الخلاصة

بالنظر إلى حجم الأزمات التي تمر بها مصر وحجم التعاطي الحكومي مع هذه الأزمات، نجد أن الإدارة الاقتصادية تبعد سنوات ضوئية عن إدراك الواقع الاقتصاد المر الذي تمر به مصر، فالدولة لا تبحث عن حلول جدية لهذه المشاكل، وذلك لجهلها بالإدارة الاقتصادية من الأصل، والفشل في تقدير حجم هذه المشاكل.

كان من باب أولى أن تبحث عن طرق لإنعاش وحسن إدارة واحد من أهم البنوك - بنك القاهرة - مساهمة في تمويل التجارة الخارجية لمصر ومشروعات السياحة والبنية التحتية، بدلاً من بيعه، هل من الصعب البحث عن أسواق سياحية بديلة أو استحداث أدوات ادخارية أكثر تشجيعًا للعاملين في الخارج علي تحويل مدخراتهم لحل الأزمة، بدلاً من المبالغة في طبع النقود والاقتراض التي تدفع الأزمات للزيادة؟

ألم يخطر ببال هيئة قناة السويس الاهتمام بتنمية محور القناة لزيادة الإيرادات بدلاً عن الاقتراض بتنازلات لا تصب في مصلحة أحد، في الواقع الحلول ليست سهلة ولكنها صعبة وتحتاج إلى إدارة رشيدة تقود هذه المرحلة الحرجة من الاقتصاد، ولكن على ما يبدو أن الحكومة لم تبلغ رشدها بعد.