ترجمة وتحرير: نون بوست
قتل بعضهم أبرياءً ووقف آخرون يتفرجون من بعيد. لقد شهدوا على انتهاكات وتستر عليها باسم الانتقام. الآن، بعد خلع الزي العسكري، يضطر الجنود الذين قاتلوا في قطاع غزة إلى مواجهة “جروحهم الأخلاقية”. ويؤكد خبراء لصحيفة “هآرتس” أن حجم هذه الظاهرة في تزايد مستمر.
يجلس يوفال منزويًا على نفسه يقضم أظافره بينما رجلاه ترتعدان. علامات التوتر واضحة على وجهه، وبين الحين والآخر يلتفت يمينًا وشمالًا. إنها ساعة الظهيرة في وسط تل أبيب والشارع يعج بالناس. ينظر يوفال إلى المارة ويتفحصهم بقلق وذعر؛ أحيانًا يتأكد بسرعة من عدم وجود خطر يهدده، وفي أحيان أخرى تطول نظرات الفحص. يقول معتذرًا: “آسف، أكبر مخاوفي هي ثأر الدم”.
يوفال (اسم مستعار، كبقية الأسماء في التقرير) لم يولد لعائلة إجرامية وليس بمجرم. هو شاب يبلغ من العمر 34 عامًا، نشأ في رمات هشارون ويعمل مبرمجًا. حتى وقت قريب، كان يعمل في إحدى أكبر شركات التكنولوجيا في العالم، لكنه غاب عنها لشهور. يصرح قائلًا: “كنتُ في الجحيم، لكنني لم أكن أدرك ذلك حينها”.
الجحيم الذي يتحدث عنه وقع في خان يونس في كانون الأول/ ديسمبر 2023. حينها كانت ملامح “نهاية العالم” في بدايتها فقط. يتذكر قائلًا: “كانت الغارات الجوية مستمرة طوال الوقت. قنابل تزن طنًا تسقط في مكان غير بعيد عنك، وتجعل قلبك يقفز من مكانه”. تقدموا غربًا نحو وسط المدينة حيث “كان القتال ضاريًا، اشتباكات في كل زاوية. تصبح حينها أفعالك آلية وتتوقف عن طرح الأسئلة”. فقط بعد مرور أشهر، بدأت تلك الأسئلة تظهر وتطارده: “ليس لدي إجابات مقنعة، ليس لدي إجابات على الإطلاق. ما فعلته لا يمكن غفرانه ولا كفارة له”.
حدث ذلك بالقرب من طريق صلاح الدين. رصدت إحدى الفصائل عناصر مشبوهة بواسطة طائرة مسيرة، فانقضت قوة يوفال للهجوم. “أطلقتُ النار كالمجنون، تمامًا كما يعلمونك في تدريبات المشاة. وعندما وصلنا إلى الهدف، رأيتُ أنهم ليسوا مخربين. كان رجلًا مسنًا ومعه ثلاثة أطفال، ربما صبية. لم يكن أي منهم مسلحًا. لكن أجسادهم كانت مخرمة بالرصاص، وأحشاؤهم الداخلية تتدلى للخارج. لم أرَ شيئًا كهذا من قبل عن قرب. أتذكر أنه خيّم سكون تام، لم ينطق أحد بكلمة. بعد ذلك جاء قائد الكتيبة مع رجاله، فقام أحدهم بالبصق على الجثث وصرخ: ‘هذا ما يحدث لمن يعبث مع إسرائيل، يا أبناء الـ….’. كنت في حالة صدمة، لكنني التزمت الصمت لأنني نكرة، مجرد جبان حقير”.
بعد ثلاثة أشهر، تم تسريح يوفال. أخذ إجازة لمدة أسبوعين، ثم عاد لعمله. “أقاموا لي حفلة عند عودتي، صفقوا لي ونادوني بالبطل. لكنني شعرتُ أنني وحش، لم أطق الكلمات التي قالوها لي. شعرتُ أنهم لا يفهمون أنني لستُ شخصًا جيدًا، بل العكس تمامًا”. حاول لبضعة أشهر التمسك بعمله والهروب من الثقل الذي يربض على قلبه، لكنه استسلم في النهاية. ومنذ ذلك الحين، تفاقم شعور الخزي الذي يرافقه.
يوضح يوفال وضعه قائلًا: “أحاول ألا أخرج من البيت، وإذا خرجتُ أرتدي سترة بقلنسوة لكي لا يعرفني أحد. حتى المرايا أزلتها من البيت، لا أستطيع النظر إلى وجهي. ينتابني خوف عميق من أن ينتقم مني شخص ما على ما فعلته، رغم إدراكي أن هذا غير ممكن. مَن في غزة يمكنه العثور عليّ؟ مَن يعرف أصلًا أنني أنا الفاعل؟ ربما في مكان ما بداخلي أريد الموت، أريد إنهاء هذا الأمر. لم أنتحر فقط لأنني وعدتُ أمي، لكنني أعترف أنني لا أعرف كم سأستطيع الصمود”. بعد يومين من حديثه مع “هآرتس”، تم إدخال يوفال إلى قسم الطب النفسي.
خلال العام الأخير، نُشرت في “هآرتس” عدة شهادات لجنود شاركوا في القتال بالقطاع يعانون من “جروح أخلاقية”. قناص أطلق النار على طالبي مساعدات روى أنه يعاني من كوابيس شديدة، ومُشغلو طائرات مسيرة مسؤولون عن قتل أبرياء شهدوا على ندوب ترفض أن تندمل. لكن ما بدأ كقطرات من الشهادات تحول في الأشهر الأخيرة إلى “تسونامي” حقيقي. يصف خبراء الصحة النفسية الذين تحدثوا لـ”هآرتس” ظاهرة مقلقة وواسعة النطاق تحدث بعيدًا عن أعين الجمهور.
يقول البروفيسور غيل زالتسمان، رئيس المجلس الوطني للوقاية من الانتحار: “نحن نرى إصابات أخلاقية بنطاق أكبر بكثير مما رأيناه في أي وقت مضى. نرى ذلك في عيادات الصدمات النفسية التابعة لنا، وكذلك في العيادات الخاصة. نرى ذلك حتى بين أطفال جنود الاحتياط الذين سمعوا قصة ما، وهم منزعجون مما فعله آباؤهم. الأمر يصل إلى الدائرة الثانية”، كما يوضح زالتسمان، الذي يرأس أيضًا قسم الأطفال والشباب في مستشفى “جيهة” للطب النفسي.
على الرغم من أن الجيش الإسرائيلي والحكومة لا يقدمان أرقامًا رسمية بهذا الشأن، إلا أنه وفقًا لزالتسمان، طرأ ارتفاع في عدد المتوجهين للعلاج بسبب الإصابات الأخلاقية منذ وقف إطلاق النار في غزة في تشرين الأول/ أكتوبر. بعض الذين يتعاملون مع هذه الإصابات يتم تشخيصهم باضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، ولكن حتى لو كان هناك تداخل أحيانًا بين الظاهرتين النفسيتين، إلا أنهما مختلفتان جوهريًا.
يشرح البروفيسور يوسي ليفي بيلز، رئيس مركز أبحاث الانتحار والألم النفسي في جامعة حيفا، قائلًا: “اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) هو استجابة قائمة على الخوف تنجم عن التعرض لحدث صادم ينطوي على خطر حقيقي على الشخص أو المحيطين به، وتتميز بأعراض مثل الاستثارة المفرطة، التجنب، والاقتحام الذهني للحدث”. في المقابل، فإن “الإصابة الأخلاقية تنبع من التعرض لأحداث تُفسر على أنها انتهاك عميق للقيم الأخلاقية الأساسية – سواء للنفس أو للآخرين – وترافقها بشكل أساسي تجارب من الذنب، الخزي، الغضب، الاشمئزاز، الاغتراب الذاتي، فقدان الثقة، وكسر في الهوية والمعنى وفي الشعور بالإنسانية”.
وهناك أيضًا مسألة التوقيت، كما يقول ليفي بيلز، “بعد انتهاء الحرب، يعود الجندي إلى بيته، وفجأة يبدو له العالم أكثر تعقيدًا بكثير. الجدار بين الأبيض والأسود يتحطم، العالم لم يعد ثنائيًا، ويمكنه النظر إلى الوراء إلى الأحداث التي مر بها وحضرها، ليدرك أن أشياءً حدثت هناك تتعارض مع ما يؤمن به”.
ويؤكد ليفي بيلز أن الإصابة الأخلاقية قد لا تنشأ فقط عندما يقوم الشخص بأفعال تنتهك بفظاظة عالمه الأخلاقي والقيمي، بل أيضًا نتيجة لأفعال قام بها آخرون وكان هو شاهدًا عليها وتناقضت مع معاييره الأخلاقية. ويضيف أن حدة الإصابة قد تكون أشد في الحالات التي لم يتحرك فيها الشخص في الوقت الحقيقي لمنع الفعل. وعندما يكون من يقوم بهذه الأفعال شخصًا يُعتبر صاحب سلطة ومسؤولًا، فإن الاستجابات قد تكون أكثر خطورة. “نحن نتوقع من الشخصيات الأبوية، مثل القادة، أن يحمونا، ولذلك في مثل هذه الحالات قد تسبب الإصابة شرخًا عميقًا وصعوبات نفسية قاسية بشكل خاص”.
عالمان منفصلان
تقطن مايا في وسط تل أبيب، تدرس الفلسفة وتهتم بشكل أساسي بكتابات ميشيل فوكو. لكن في الحرب فعلت شيئًا مختلفًا تمامًا – خدمة لمئات الأيام كضابط شؤون أفراد في إحدى كتائب المدرعات التابعة للاحتياط. تصرح قائلة: “لا توجد أي صلة بين حياتي اليومية وبين الخدمة التي أديتها في الاحتياط. إنهما عالمان مختلفان، فيهما أشخاص مختلفون. والحقيقة هي أنني أنا أيضًا أتصرف بشكل مختلف، أتحدث بشكل مختلف، الأمر يشبه قليلًا شخصيتي دكتور جيكل ومستر هايد. طوال الحرب تعرضتُ لمشاهد قتل أبرياء. أشياء فظيعة، من النوع الذي لو قرأتُه في ‘هآرتس’ لانتفضتُ غضبًا، لكن في الاحتياط كانت تمر بجانبي وكأنها لا شيء”.
مع ذلك، تركت إحدى الحالات ندبة بداخلها. حدث ذلك في موقع أقامه الجيش بين محور نتساريم وطريق صلاح الدين. تسترجع ما حدث قائلة: “كنتُ جالسة هناك في غرفة العمليات، وفجأة رصدت المراقبات خمسة فلسطينيين اجتازوا الخط الذي يُحظر عليهم اجتيازه باتجاه شمال القطاع. كان الجميع في حالة هياج وفوضى عارمة. أعطى قائد الكتيبة أمرًا بتفجيرهم بالنيران، رغم أنه لم يتم رصد أنهم مسلحون أو شيء من هذا القبيل. خرجت إحدى الدبابات، وبدأوا بإطلاق النار نحوهم بالرشاش الثقيل بمئات الرصاصات”.
وفقًا لحديثها، قُتل أربعة منهم ونجا واحد. “بعد عدة ساعات وصل بلدوزر D9 ودفنهم في الرمل. عندما سألتُ لماذا، أجابوا بأن ذلك كي لا تأكلهم الكلاب وتنشر الأمراض. أما ذلك الذي بقي على قيد الحياة، فقد أدخلوه إلى قفص داخل الموقع العسكري، وقالوا إن علينا انتظار محقق من ‘الشاباك’ لاستجوابه”. ومع ذلك، لم يصل أي محقق من الجهاز في ذلك اليوم. “بقيتُ ليلًا في الموقع، لكنني لم أستطع النوم، كنتُ الفتاة الوحيدة هناك. فجأة ناداني بعض الجنود، فذهبتُ معهم نحو القفص. كان ذلك الفلسطيني جالسًا هناك، مكبلًا ومعصوب العينين، وكان يتجمد بردًا. فجأة، بدأ أحد الجنود يتبول عليه. قال له: ‘هذا من أجل بئيري يا نذل، هذا من أجل النوفا’، والجميع لم يتوقفوا عن الضحك. من المحتمل أنني ضحكتُ أيضًا”.
في اليوم التالي، كما تروي، جاء محقق من “الشاباك”. “بقي معه عشر دقائق ثم قال إنه مجرد شاب حاول العودة إلى منزله في شمال القطاع، وأنه لا علاقة له بحماس، فقاموا بإطلاق سراحه وسمحوا له بالعودة جنوبًا”. بعد عدة أسابيع تم تسريحها، لكن ما رأته ظل يرافقها. “شعرتُ أنني منافقة، قذرة، كنتُ أستحم ثلاث مرات يوميًا. مظهر عجزه ذاك لم يبارح مخيلتي للحظة. الأفكار تهاجمني طوال الوقت – كيف وقفتُ هناك هكذا فحسب ولم أفعل شيئًا؟ كيف وافقتُ أنا، التي تدعي الأخلاق وتتطوع مع اللاجئين وتشارك في التظاهرات، على التسليم بهذا؟ كيف لم أقل لهم شيئًا، وماذا يقول ذلك عني؟ ليس لدي إجابات”.
مايا ليست الوحيدة التي تحمل إصابة أخلاقية من ذلك الموقع؛ فقد خدم يهودا هناك أيضًا في وقت آخر ضمن خدمة الاحتياط. “كانت فصيلتي تستخدم سيارات الهامر وتعمل كقوة احتياط للقطاع. بالإضافة إلينا، كان هناك هامر آخر يقوده ضابط له اسم أمريكي. خدم هناك لأشهر طويلة، وفي كل مرة كانت تغادر فيها فرقة عسكرية، كان ينضم ببساطة إلى الفرقة التي تليها. كان شخصية غريبة ومريبة. كلما سُئل عن خلفيته كان يجيب بشيء مختلف، وإذا شككتَ في كلامه كان يغضب. لم يكن واضحًا تمامًا ما إذا كان قد فقد عقله في الحرب أم أنه كان هكذا من قبل، لكنه كان يؤدي العمل، لذا لم يطرح أحد أي أسئلة”.
يروي يهودا أنه في أحد المساءات، تمكن فلسطيني من الاقتراب من محيط الموقع. “خرجنا بسيارتي هامر، كنت أقود إحداهما، والضابط الأمريكي يقود الأخرى. وصلنا إلى الفلسطيني، فرفع يديه على الفور. كان من الواضح أنه غير مسلح. اقترب الضابط منه، انتظر عدة ثوانٍ وأطلق النار ببساطة. دون أن يطرح أسئلة، ودون أن يفعل المشتبه به أي شيء. كنتُ في حالة صدمة. بعد ذلك عدنا إلى الموقع، دخلتُ غرفة العمليات وشاهدتُ مع بعض الضباط ما التقطته المسيرة التي كانت في الجو. ‘هذا قتل، قتل محض’، قال أحد الضباط الكبار هناك، لكنهم قرروا عدم فعل شيء، أبلغوا الفرقة بأن ‘مخربًا’ قد قُتل. لم يتم فتح أي تحقيق حتى. استمر ذلك الضابط في الخدمة هناك وكأن شيئًا لم يكن، وأنا لم أقل له أي شيء، حتى في جلسات الدعم النفسي التي أجروها لنا في نهاية الخدمة لم يذكر أحد ذلك، وكأن شيئًا لم يحدث”.
بعد شهرين، سافر يهودا مع زوجته إلى مدريد. في أحد الأيام ذهبا إلى متحف برادو. هي تحضر للدكتوراه في تاريخ الفن، وهو كما يقول “لا يفهم شيئًا في ذلك”. يتذكر قائلًا: “دخلنا إلى غرفة بها لوحات لرسام إسباني يدعى غويا. لم يكن الأمر يهمني كثيرًا، لكنني وقفتُ فجأة أمام لوحة له تظهر شخصًا عاجزًا يرفع يديه، وأمامه بعض الجنود ببنادقهم. اقتربتُ منها، وذكرتني حرفيًا بما حدث. النظرة في العينين، الخوف، الرعب. شعرتُ أنني لا أستطيع التوقف عن النظر، بدأتُ أتصبب عرقًا. كان الأمر فظيعًا، وفجأة وبدون مقدمات بدأتُ بالبكاء. أنا لا أبكي أبدًا، ولم أفهم ما الذي يحدث لي. نظرت زوجتي إليّ وذعرت، سألتني: ‘ماذا حدث؟ ماذا جرى؟’ ولم أعرف بماذا أجيب، كنتُ محطمًا. لم يتوقف الناس عن النظر إليّ، اذهب واشرح لهم لماذا تنفجر بالبكاء وسط متحف؟”. في ذلك المساء، وعد يهودا زوجته بأنه سيتوجه للعلاج فور عودتهم إلى البلاد. “أحاول أن أتعلم كيف أتعايش مع الأمر، لكنه صعب. الخزي لا يتركني. كيف تحولتُ إلى شخص يقف متفرجًا ولا يفعل الصواب؟”.
ذكريات من غرفة التحقيق
أفاد عدد من الجنود الذين تحدثوا لـ”هآرتس” بأن إصابتهم الأخلاقية كانت نتيجة التعرض المباشر لأساليب أقل ما يقال عنها أنها مثيرة للجدل اتخذها الجيش في القطاع؛ وقد كُشف عن العديد منها في تحقيقات الصحيفة. فعلى سبيل المثال، روى قناصة من لواء “ناحال”، شاركوا في إطلاق النار على طالبي مساعدات تجاوزوا الخط العشوائي الذي حدده الجيش، عن آثار نفسية شديدة القسوة بشكل خاص. “عندما تطلق النار عبر منظار القنص، يبدو كل شيء قريبًا، مثل لعبة كمبيوتر”، يوضح أحدهم الآن، “أنت لا تنسى وجوه أولئك الذين قتلتهم، يبقى ذلك معك. لا يغادرك. منذ التسريح، لا أتوقف عن التبول على نفسي ليلًا، أشعر أنني بقيت وحيدًا، وأنه لا يمكن لأحد مساعدتي. قضيتُ شهرًا في المستشفى، حاولوا أن يشرحوا لي أنه يجب عليّ التعايش مع الأمر، وأنه لا يمكن إعادة الرصاصة إلى الوراء. لكن من السهل عليهم قول ذلك، فهم ليسوا من يرى في كل مرة أغمض فيها عيني شخصًا يتلقى رصاصة في جبهته ويسقط”.
روى جنود آخرون عن إصابات أخلاقية نشأت في أعقاب استخدام الفلسطينيين كدروع بشرية، وهي ممارسة نالت تسميات مثل “إجراء البعوضة” أو “إجراء المنصة”. وأفاد آخرون بأنهم تعرضوا مرات عديدة لمشاهد نهب وتخريب للممتلكات. “كنا ندخل بيوت الفلسطينيين، وكان الناس يستمتعون ببساطة بالتدمير”، يروي أحدهم. “رأيت أشخاصًا يأخذون أجهزة كهربائية، سلاسل ذهبية، مبالغ نقدية، كل شيء. كان هناك من يقول إن كل العرب نازيون، والسرقة من النازيين بركة. لقد أصابني ذلك بالاشمئزاز، لكنني لم أقل شيئًا. آلمني بشكل خاص الحالات التي كان يتم فيها حرق صور الفلسطينيين أو التبول عليها. ما الفائدة من ذلك؟ ذات مرة لاحظ أحد الجنود أنني غير مرتاح للأمر، فقال: ‘ما بك، إنهم لن يعودوا إلى هنا على أي حال، قصتهم انتهت’. لم أجبه، فقط أومأتُ برأسي”.
كانت هناك أيضًا شهادات أخرى، قيلت بهمس، حول نشاط “الوحدة 504” في القطاع، وهي الوحدة المسؤولة، من بين أمور أخرى، عن تحقيقات الأسرى. إن التعرض للتحقيقات التي كان يجريها أحيانًا “محققو الميدان” – كما يُطلق عليهم في الوحدة – ترك رواسب كثيرة. يقول إيتان: “كنا في نشاط شمال القطاع، وأمسكنا بعنصر من حماس في أحد المنازل. تلقينا أمرًا بحراسته حتى وصول محقق من الوحدة 504. هم يتحركون دائمًا في ثنائيات– محقق وجندي. عندما وصلوا، قمنا بتأمينهم عند مدخل البيت، وكان بإمكاني سماع ورؤية التحقيق بأكمله”.
وفقًا لكلامه، قام أحد المحققين بإنزال سروال الأسير وملابسه الداخلية. “أخذ قيدين بلاستيكيين وربط واحدًا بعضوه الذكري والآخر بخصيتيه. كان يطرح عليه سؤالًا، وفي اللحظة التي لا يجيب فيها، يبدأ بشد القيود. كرروا ذلك مرارًا وتكرارًا، كانت هناك صرخات جنونية. لم يتوقف عن الصراخ، وكأن روحه تخرج من جسده. في النهاية تحدث وأدلى بكل شيء، فقام المحقق بفك القيود ونقله إلى شاحنة ما، أغلب الظن أنهم أخذوه لمعتقل”. ومنذ ذلك الحين، كما يروي إيتان، لم تفارقه تلك الصرخات. “لقد كسر ذلك كل ما كنت أعتقده عن الجيش، كل ما كنت أعتقده عنا، وعن نفسي. إذا كنا قادرين على فعل شيء فظيع كهذا دون أن يعلم المدنيون، فماذا يحدث أيضًا في الأقبية؟ وأي أسرار أخرى نخفيها؟”.
يوضح الخبراء أن إصابات من هذا النوع يمكن أن تحدث ليس فقط بين المقاتلين، بل أيضًا بين أولئك الذين يتعرضون للقتال عن بُعد. رن على سبيل المثال لم يخدم ولو ليوم واحد داخل القطاع؛ فقد كان ضابط احتياط في “الحفرة” (غرفة العمليات الحصينة) التابعة لسلاح الجو في الكرياه، في وحدة مسؤولة عن تخطيط الهجمات. يقول: “بعد أحداث السابع من تشرين الأول/ أكتوبر تغير كل شيء، كل ما كنت أعرفه عن الأضرار الجانبية أُلقي به في القمامة. كنا نخطط ونحصل على موافقات لهجمات نعلم أنه سيموت فيها عشرات المدنيين، وأحيانًا أكثر من ذلك. ولم يكن ذلك يحرك ساكنًا. لقد قُتل ابن عمي في مهرجان ‘نوفا’، فكان الانتقام والغضب قد أعمياني وسيطرا عليّ. ما حدث كان غير متناسب، ومع مرور الأيام بدأ الأمر يثقل كاهلي. في لحظة نخطط لهجوم يموت فيه أطفال، وفي اللحظة التالية نجلس لنأكل الهامبرغر في شارع ‘إيفن جبيرول’. هذا تناقض لا يمكن احتواؤه، شعرتُ ببدء تشكل وصمة على جبهتي، وأن الناس يرونها أيضًا”.
يقول إن لحظة الانكسار كانت في 18 آذار/مارس من العام الماضي، عندما خرقت إسرائيل اتفاق وقف إطلاق النار السابق مع حماس وشنت ليلة من الهجمات. قُتل فيها مئات الأشخاص، معظمهم من المدنيين. يوضح قائلًا: “لم أعد أحتمل المشاركة في هذا، شعرتُ أنني إذا استمررتُ في الخدمة، فسوف أخون كل ما تبقى من خير بداخلي، وكل من أريد أن أكونه”. ولم يكن هو الوحيد؛ فقد طلب عدد من الطيارين وقف خدمتهم في أعقاب العدد الكبير من الأبرياء الذين قُتلوا في تلك الليلة. استجاب سلاح الجو لطلبهم، لكنه سعى للتعتيم على هذه الظاهرة.
عاد رن إلى بيته، لكنه لم يستطع العودة لعمله. “طورتُ نوعًا من الهوس بالنظر إلى أقسى صور القتلى والجرحى الفلسطينيين. أحاول طوال الوقت استرجاع ما إذا كان لي صلة بذلك، وما إذا كنت مسؤولًا عن المشاهد التي أراها. أخبرني المعالج النفسي أنني أبدو وكأنني أختار تعذيب نفسي. طلب مني التوقف، لكنني لا أستطيع، أشعر أن هذا ما أستحقه”.
أخلاقية أم هوية؟
لا تعترف وزارة الدفاع رسميًا بتشخيص “الإصابات الأخلاقية”. والسبب، حسب الخبراء، هو أن هذه الإصابة لم تُدرج بعد كاضطراب رسمي في الدليل الأمريكي للاضطرابات النفسية (DSM). لذا، فإن الجندي الذي يعاني من إصابة أخلاقية سيتوجه إلى قسم التأهيل، ويمثل أمام لجنة طبية، وتُنسب حالته إلى “اضطراب ما بعد الصدمة” (PTSD).
ليست المشكلة في هذا التشخيص مجرد مسألة مصطلحات. فالعلاج، كما يقول زالتسمان، مختلف جوهريًا. “في اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، يكون أسلوب العلاج عبر التعرض المستمر والتدريجي للصدمة، بهدف محاولة الفصل بين الذكرى الصادمة والاستجابة العاطفية. أما في الإصابة الأخلاقية، فيتطلب الأمر عملًا مخصصًا على القبول والتصالح مع الفعل الذي تسبب في الشرخ الأيديولوجي. بكلمات أخرى: يجب على الشخص أن يتعلم كيف يغفر لنفسه”.
لكن تغييرًا قد يطرأ قريبًا؛ فمن المتوقع أن توصي اللجنة العامة لفحص الاستجابة الوطنية لعلاج معاقي الجيش الإسرائيلي وتأهيلهم، التي شُكلت في تشرين الأول/ أكتوبر، قسم التأهيل بالاعتراف بوجود “الإصابة الأخلاقية”. وجاء في إحدى مسودات استنتاجات اللجنة الفرعية لشؤون النفس: “يجب العمل على تطوير بروتوكولات علاجية، وتدريبات مخصصة لكوادر العلاج والتأهيل، وربط مباشر بين الإصابة الأخلاقية والتوظيف والمساهمة والدور في المجتمع”.
قرر الجيش أيضًا، وبمنتهى الهدوء، الاعتراف بالظاهرة – وإن كان ذلك بتأخير ملحوظ (في جيش الولايات المتحدة، على سبيل المثال، وُضعت بروتوكولات لعلاج الإصابات الأخلاقية منذ سنوات). خلال العام الماضي، صاغ كوادر الصحة النفسية بروتوكولًا للتدخل الأولي في حالات الإصابة الأخلاقية، لكن ذلك تم في الظلال تقريبًا؛ فلم يصدر أي بيان عن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي لوسائل الإعلام، وأُحيط الأمر بالتكتم – على خلاف العديد من الخطوات التي اتخذها الجيش في مجال الصحة النفسية خلال الحرب. بل إن الجيش رفض تسمية هذه الظاهرة النفسية “إصابة أخلاقية”، واستخدم مصطلحًا آخر هو “إصابة الهوية”. ورسميًا، نفى الجيش الإسرائيلي وجود أجندات خفية وراء اختيار هذا المسمى.
لكن مصادر تحدثت لـ”هآرتس” قدمت صورة مغايرة. قال ضابط صحة نفسية في الاحتياط: “من الواضح تمامًا أن هناك رسالة اجتماعية سياسية هنا. ففي النهاية، إذا اعترفنا علنًا بأن جنودًا كثيرين يعانون من إصابات أخلاقية، فكيف سيتماشى ذلك مع صورة ‘الجيش الأكثر أخلاقية في العالم’؟ لذا يختارون بدلًا من ذلك استخدام مصطلح ينقل المسؤولية إلى الجندي، وكأن المشكلة تكمن في هويته هو، وليس في الأفعال التي أرسلته القيادة للقيام بها”. وقال ضابط آخر في منظومة الصحة النفسية إن القرار كان “إيجاد حل وسط يسمح بتقديم العلاج لهؤلاء الجنود دون إثارة غضب السياسيين. أنا شخصيًا حضرتُ نقاشًا قال فيه ضابط رفيع: ‘يُحظر تسميتها إصابات أخلاقية. ما حاجتنا لأن تعلقنا القناة 14 على مشنقة؟’.. هذا هو المزاج السائد في الجيش الإسرائيلي”.
وليست المنظومة العسكرية وحدها من يرفض النظر مباشرة إلى الإصابات الأخلاقية، بل الكثير من الجنود أيضًا؛ فهم يخشون إخبار رفاقهم بمشاعرهم خوفًا من وصمهم بالخيانة أو “اليسارية” أو الضعف. يقول ليفي بيلز: “قديمًا فعلوا ذلك مع اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، واليوم يفعلونه مع الإصابات الأخلاقية. الأمر لا يقتصر على مستوى ضابط صغير أو قائد لواء أو حتى رئيس الأركان، بل هو على مستوى المجتمع ككل. الحكومة اليوم تروي قصة ثنائية – إما أن تكون معنا أو أنك يساري خائن، وهذا يؤثر بشكل خاص على الشباب. قد يخشى الجندي أن يُنظر إليه داخل فريقه كشخص دخيل يجب طرده إذا قال إن لديه شكوكًا بشأن ما فعلوه في غزة. بالنسبة للمقاتل، قد يكون هذا أسوأ شيء، الشعور بالنبذ التام. لذا يفضلون في حالات كثيرة عدم التحدث عن الأمر، وعدم التوجه للعلاج”.
يرفض غاي، على سبيل المثال، حتى اليوم مشاركة مشاعره مع زملائه في الفريق. هو مقاتل في وحدة النخبة “شلداغ”، ومنذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر أدى مئات الأيام في الخدمة الاحتياطية. استُدعي منذ ظهيرة ذلك السبت إلى “بئيري”، وما فشل في منعه هناك بدأ يطارده. يقول: “يربض فوقي ذنب ثقيل، وأعتقد أن هناك الكثيرين مثلي، لكنهم قرروا ببساطة توجيه ذلك إلى مكان آخر – إلى الانتقام. كانت عيونهم تلمع في كل مرة نخرج فيها لمهمة. عندما كانوا يتحدثون عن جميع المخربين الذين يُقتلون بواسطة الوسيلة الخاصة التي تستخدمها الوحدة في الأنفاق، كان الناس يتحمسون، أما أنا فقد ذكرني ذلك بالمحرقة. صُدمتُ، لكنني استمررت في الخدمة، ظننتُ أن الأمر قد يمر”.
يروي أن إحدى العمليات كانت في مستشفى الشفاء. “في المنطقة بأكملها كانت تفوح رائحة الموت، رائحة الجثث. ومنذ ذلك الحين لا أطيق شم رائحة اللحم المشوي، وأصبحتُ نباتيًا. أتذكر اللحظة التي أدركتُ فيها أن الرائحة ذكرتني بما شممته في بئيري. جعلني ذلك أتساءل – ما الذي أصبحنا عليه؟ وما الذي أصبحتُ أنا عليه؟ وحتى اليوم، أخشى الإجابة عن هذا السؤال”.
علّق المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي على ذلك قائلًا: “يؤمن الفيلق الطبي بالمهنية والرسمية. تدير منظومة الصحة النفسية مئات ضباط الصحة النفسية في الخدمة النظامية والاحتياط – وهم مهنيون مؤهلون لمسح وتشخيص وعلاج الصحة النفسية لجنود الجيش الإسرائيلي. وفي إطار الاستجابة المهنية للجنود، تم تحديد الحاجة لتأهيل ضباط الصحة النفسية وتعزيز مهاراتهم في التعامل مع مجموعة متنوعة من الاستجابات المحتملة لأحداث القتال، ومن بينها الإصابة الأخلاقية. وقد تم ذلك علنًا ونُشر عدة مرات في وسائل الإعلام. تحدد منظومة الصحة النفسية احتياجات الجنود وتمنحهم استجابة دقيقة. أما بخصوص ‘إصابة الهوية’، فهو مصطلح واسع يندرج تحته عدد من المصطلحات المهنية، ومن ضمنها الإصابة الأخلاقية إلى جانب مصطلحات أخرى. إن استخدام مصطلح إصابة الهوية لم يأتِ ليحل محل استخدام مصطلح الإصابة الأخلاقية، الذي يُستخدم أيضًا عندما يكون ذلك صحيحًا من الناحية المهنية”.
المصدر: هآرتس