القصف الروسي لحلب

عشرات القتلى ومئات الجرحى وإعدامات بالجملة ومجازر يعجز اللسان عن وصفها ينفذها نظام الأسد وحلفاؤه في حلب الشرقية بعد ساعات من انسحاب المعارضة وسيطرة جيشهم النظامي على أجزاء منها، ومن المرجح كالعادة أن تمنع روسيا مجلس الأمن المجتمع الليلة ككل ليلة لدراسة الوضع في حلب المنكوبة من إصدار أي قرار أممي ينقذ حلب ويجرمها وحليفها في مشهد يومي بات متكررًا، وتتواصل المجازر بعده في حلب وتتشابه وتتكرر.

ما تبقى من حلب

حلب تحت القصف اليومي، وسكانها يصبحون على صوت الطائرات والقصف ويمسون على توديع الجثث ودفنها، قصة مأساوية يعيشونها منذ زمن وقد اعتادوا عليها كما اعتادوا على صمت العالم.

روسيا المنسحبة من محكمة الجنايات الدولية تحت عذر أنها فشلت في ملاحقة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية، لا تبالي هي وحليفها المدلل، بأي انتهاكات أو إنسانية، فلا أخلاق عندهم في عرفهم العسكري المتناقض، المهم أن تسقط حلب تحت قبضة اليد وأن تركع كما لم يحدث من قبل، والأهم ألا يشاع أن سلاح الجو الروسي فشل في تحقيق أهدافه، فيعايره خصومه ومنافسوه بذالك.

ظلت حلب ومنذ انطلاق شرارة ثورة آذار/ مارس 2011 عصية على نظام الأسد، يحاول بشتى الطرق دخولها دون فائدة وها هو يدخلها اليوم منتشيًا، فروسيا منذ سبتمبر 2015 جاءت لتستلم المهمة بنفسها وبعد عام من إعلانها بدء عملياتها الجوية في حلب وغيرها من أرض سوريا المباحة والمستباحة دوليًا ها هي تنجح اليوم في هدفها أيما نجاح وترتكب أفظع المجازر بحق الإنسانية.

حلب تحترق، حلب تباد، هوليكوست حلب، هيروشيما سوريا، تختلف الأسماء والموت واحد، لا أحد يبالي، ترتكب المجازر تنتهك الحرمات، تقصف المستشفيات، يحاصر ملايين البشر، تأن الإنسانية ولا أحد يبالي، العالم يشاهد فقط ومجلس الأمن الدولي منذ عام في اجتماع دائم لا يخرج بنتيجة إلا وكانت روسيا وحلفاؤها له بالمرصاد، فكل شيء يصب اليوم في صالح موسكو، أمريكا باتت أقرب من ذي قبل بعد فوز ترامب، ومجلس الأمن لها فيه القول الفصل على ما يبدو، وتحت قبضة اليد، أما أوروبا فيكفيها التنديد والمشاركة في الحملة الدولية ضد تنظيم الدولة ولها من أرض سوريا نصيب، وبين هذا وذاك يموت السوريون وتضيع دمائهم بين الدول.

من يجرؤ أن يحاسب موسكو ويوقف جنونها وحليفها في حلب؟ تستمر الإبادة والمجازر في حلب، والموت القادم من الشرق الأوروبي لا مفر منه، فليست باريس أو شارع إيبدو، أو حريقًا كحريق تل أبيب تتسارع الدنيا لإطفائه.

كم أنت غير محظوظة يا حلب، كم أنت مغدورة ومطعونة من كل اتجاه مثل ثورة شعبك، هي أصبحت لمن يدفع أكثر، بمنطق روسيا والولايات المتحدة زعماء العالم اليوم وأنت يراد لك ألا تصبحي ولا تمسي إلا وأنت منتهية.

يتخذون من أرضك ملعبًا سياسيًا مستباحًا ومباحًا، منطقهم بلغتنا إذا لم تستح فاصنع ما شئت،
هي حلب حين تكشف أسوأ ما في السياسة، هي حلب حين تكشف العالم الذي يكيل بالمكيالين، هي حلب حين يموت الناس دون ذنب أو سبب.

ويتواصل الموت في حلب دون توقف، ولم يبق في حلب سوى قرى مهجورة ومبانٍ مدمرة، ومستشفيات تحت القصف.

آخر ما تبقى من حلب طفل يبحث عن أمه، أم تدور في الشارع تفتش عن أبنائها، أب يبكي شهيدًا، آخر ما تبقى من حلب جثث في الشوارع وقبور لم تعد تتسع للموتى ورائحة الدماء وصلت العالم كله فتغاضى عنه ساسته تحت قوة مفعول التخدير الروسي.

آخر ما تبقى من حلب أطفال يتعلمون كيف يحقدون على عالم اللاإنسانية، وقد يتحولون غدًا إلى براميل متفجرة تنفجر في وجه العالم على الطريقة الداعشية وعذرهم لم يروا غيرها ليتعلموه.

أصبحت حلب مدينة الجنائز وأم الموت ومعشوقة الدم، بسب موسكو وحليفها، بعد ما كانت الشهباء زينة الشام والمدن، فإلى متى سيظل العالم صامتًا لا يحرك ساكنًا؟ لم يبق من حلب إلا القليل.