لماذا يهتم الصحفيون بالدراسات الأولية؟

ترجمة حفصة جودة

هناك طرح ما يكرره العلماء كثيرًا، دراسة واحدة نادرًا ما تكون الجواب النهائي، أما الآن مع انتشار الصحافة العلمية، أصبحت الدراسات الجديدة لا تُقاوم والنتائج الجديدة تصنع عناوين عظيمة وجذابة.

هذا ما يفسر وصولنا لهذا الموقف المحير:

لماذا لا يولي الناس أهمية للنصائح الصحية؟ إنه لغز!

المشكلة ليست في أن هذه الدراسات سيئة (رغم أن بعضها كذلك بالفعل)، لكن المشكلة في أن كل عنوان يعطي لمحة ناقصة عن كيفية عمل العلم، فأحد المختبرات يصل إلى نتيجة ما ثم يحاول مختبر آخر أن يكرر التجربة ليصل إلى نفس النتيجة وهكذا يتكرر الأمر، وفي النهاية فلا بد من وجود شخص ما يراجع كل هذه الأدلة والنتائج للوصول إلى نتيجة نهائية، هذه المراجعة تقترب من النتيجة الحقيقية أكثر من أي دراسة منفصلة.

وجد الباحثون في مركز "PLOS One" أن الصحفيين عادة ما يغطون الأبحاث الأولية فقط، ويتجاوزون أوراق المراجعات التجميعية التي تأتي لاحقًا، الأكثر من ذلك أن الصحفيين نادرًا ما ينشرون للعامة أن تلك الدراسات الأولية قد تم دحضها (فأكثر من نصف الدراسات التي كتب عنها الصحفيون تم إثبات خطؤها لاحقًا من خلال دراسات المتابعة).

استغرق الأمر العديد من الدراسات للإجابة على سؤال: هل النظام الغذائي الذي يشمل اللحم البقري يقلل أم يزيد من خطر الإصابة بالسرطان

عادة ما يغطي الصحفيون الدراسات الأولية أكثر من المراجعات والدراسات المتابعة، لذا جمع الباحثون في "PLOS One" قاعدة بيانات ضخمة من الدراسات ومتابعات تلك الدراسة ومراجعة تلك المتابعات، بعدها قاموا بالبحث في قاعدة بيانات جريدة "Dow Jones Factiva" للبحث في كيفية تغطية كل نوع من هذه الدراسات.

أظهرت النتائح أن الدراسات الأولية يتم الكتابة عنها 5 مرات أكثر من الدراسات المتابعة، أما المراجعات التجميعية فنادرًا ما يتم تغطيتها، الأكثر من ذلك أن الصحفيين يرغبون في تغطية الدراسات التي تحقق نتائج إيجابية، على الرغم من أن الدراسات ذات النتائج السلبية لها نفس القيمة، فمن بين 1475 تقريرًا صحفيًا في قاعدة بيانات، أشار 75 تقريرًا فقط إلى أن النتائج سلبية.

وأخيرًا يبدو أن الصحفيين يرغبون في الكتابة عن الدراسات التي تهتم بنمط الحياة مثل العادات الغذائية وممارسة الرياضة، أما الدراسات الأخرى مثل تصوير الدماغ أو الوراثة فهي أقل شيوعًا، يقول الباحثون إن هذه التغطية التفضيلية ترجع إلى حقيقة أن القراء يمكنهم القيام بإجراءات مباشرة في الخيارات المتعلقة بنمط الحياة.

أكثر من نصف الدراسات الأولية التي يتم الكتابة عنها يتضح خطؤها بعد ذلك

هذه مشكلة كبيرة، فقد وجدت الورقة التحليلية لمركز "PLOS One" أن 48.7% من بين 156 دراسة تم الكتابة عنها، تم التأكيد على صحتها بدراسات تجميعية لاحقة، هذه النسبة تناقصت إلى 34% عندما ركز الباحثون على الدراسات الأولية فقط، (المراجعات التجميعية ليست مثالية دائمًا أيضًا، لأن الصحفيين يميلون إلى نشر النتائج الإيجابية، مما يؤدي إلى حرق المراجعات التجميعية في بعض الأحيان، لكن بشكل عام هذه المراجعات توفر نتائج أكثر شمولاً من الدراسات الفردية).

وعلى الرغم من أن الصحفيين يميلون إلى تغطية الدراسات الأولية التي تهتم بنمط الحياة مثل النظام الغذائي وممارسة الرياضة، فهذا النوع من الدراسات أقل عرضة للتأكيد عليها من خلال مراجعات تجميعية.

وهذا ما خلص إليه الباحثون:

أظهرت دراساتنا أن العديد من النتائج الطبية التي كتبت عنها الصحف، تم إلغاؤها من خلال دراسات لاحقة، ويرجع هذا جزئيًا إلى أن الصحف ترغب في تغطية النتائج الأولية الإيجابية بدلاً من الملاحظات اللاحقة، خاصة عندما تكون النتائج سلبية، وتشير الدراسة إلى أن الصحفيين في الصحافة العامة لا يعرفون ولا يفضلون التعامل مع درجة عالية من الشكوك الموجودة في الدراسات الطبية الحيوية الأولية

لما يعطي الصحفيون وزنًا للدراسات الفردية؟

1- يرغب الصحفيون في تغطية عناوين سهلة ودروس مبسطة يفضلها القراء، يتعارض هذا الأمر بشكل أساسي مع آلية عمل العلم الذي يشدد على التراكم البطيء للمعرفة والفوارق الدقيقة والشك.

2- هذا ليس خطأ الصحفيين وحدهم، فمؤسسات الصحافة الجامعية قليلاً ما تنشر نتائج المراجعات التجميعية، بالإضافة إلى أن المراجعات التجميعية غالبًا ما تكون مكثفة وصعبة التحليل.

3- أحيانًا تثير الأبحاث العلمية بنفسها هذا الضجيج عن النتائج الأولية.

يقدم الباحثون في "PLOS One" بعض النصائح للصحفيين الذين يكتبون عن الدراسات الجديدة، وهي: رفع سماعة الهاتف وسؤال الباحث إذا ما كانت هذه النتائج أولية وهل ينبغي أن نخبر الجهور بأن هذا الاكتشاف مؤقت ويحتاج للتأكيد عليه من خلال دراسات لاحقة (هذا ما فعلته مع المؤلف الرئيسي لتلك الدراسة).

الجدير بالذكر أيضًا أن تلك الدراسة لديها القليل من القيود، فهي تبحث في مقالات الصحف، وفي الواقع وسائل الإعلام العلمية كثيرة جدًا، بعضها منافذ إعلامية عامة على الإنترنت مثل "Vox" وبعضها مجلات علمية متخصصة تكتب تقاريرًا علمية فقط مثل "New Scientist" و"Scientific American"، هذه الدراسة أيضًا تتضمن التقارير التي نُشرت خلال شهر فقط من نشر الأوراق العلمية التي تتحدث عنها.

من الممكن أن تقوم الصحف بعمل أفضل عندما تتحدث عن أبحاث لا تتضمن أخبارًا عاجلة، كصحفيين نحن ننحاز إلى كل ما هو جديد ومثير، لكن في العلم تستغرق الحقيقة وقتًا طويلاً.

المصدر: فوكس