عماد العلمي القيادي في حركة حماس الذي توفي يوم أمس بغزة في ظروف غامضة

طلقة بالخطأ أو متعمدة، في ظل اضطرابات طبيعية يعيشها رجال الأمن، مات عماد العلمي أحد أهم قيادات حماس، في ظروف غامضة، وضغوطات نفسية كان يعاني منها في الفترة الأخيرة لحياته، بعد إصابته الخطيرة في حرب 2014 التي بترت على إثرها إحدى ساقيه، وفقد وعيه لساعات طويلة بعد تلقيه ضربة في رأسه جراء قصف أحد البيوت التي كان يختبئ فيها، وفترات طويلة أيضًا من العلاج.

ولعل الوضع الصحي للرجل أدى لتراجعه الكبير في الانتخابات الداخلية لحركة حماس، فقد كان نائب رئيس مكتبها السياسي في قطاع غزة عام 2012، إلا أنه لم يحصل سوى على منصب "عضو شورى عام" في انتخابات 2017 التي سيطر عليها العسكر.

نجح العلمي في هندسة علاقة حميمة بين إيران وحركة حماس لاعتبارات عدة، أحدها وكما يشاع في القطاع، دينية؛ فهو من عائلة العَلَمي التي يرجع نسبهم للإمام علي بن أبي طالب، فحظي بمكانة رفيعة لدى الإيرانيين، وأيضًا لاعتبارات أمنية؛ فالرجل حذر جدًا ودقيق في التوصيف والتوثيق، مما أهله ليكون ضابط الاتصال بين إيران وحركة حماس وأول ممثل لها في إيران.

يعتبر العلمي أول ممثل لحركة حماس في إيران

أنهى العلمي دراسة الهندسة في جامعة الإسكندرية، وعاد إلى قطاع غزة، ثم اعتقل في الانتفاضة الأولى التي اندلعت أواخر عام 1987 بتهمة "التنظيم والتحريض من خلال اللجنة الإعلامية التابعة لحركة حماس، ليفرج عنه عام 1990، ويعاد اعتقاله 1991 ومكث حتى العام 1994 في سجون الاحتلال قبل أن يتم إبعاده مع القياديين في الحركة مصطفى القانوع ومصطفى اللدواي.

زميله اللدواي عمل كأول ممثل لحركة حماس في لبنان، وأما القانوع فقد عمل ممثلاً للحركة في سوريا، وكان العلمي ممثلاً لها في إيران قبل أن يستلم المهمة مصطفى القانوع، لينتقل العلمي إلى سوريا مقيمًا فيها حتى انطلاق الثورة السورية عام 2011.

كان ملف اغتيال محمود المبحوح بدبي في يناير 2010 أهم الملفات العالقة التي لم تحل حتى الساعة، وتصدر العلمي لجان التحقيق التي شكلت في حينها لكشف الخلل في اغتيال الموساد لأهم قادة حركة حماس العسكريين في الخارج والمسؤول عن توريد الصواريخ الإيرانية لغزة، وكان العلمي يتميز بعلاقة قوية وحميمة مع المبحوح، فهو أحد أهم ضوابط الاتصال بين الحركة في غزة وفي الخارج في الملف العسكري والأمني، وبين إيران وحركة حماس.

يعتبر العلمي أحد أهم أعمدة حماس الأمنية والعسكرية، وقد انتبه الاحتلال مبكرًا لقدرته الكبيرة في التجميع بين فواصل الشقاق الداخلية والخارجية لحماس من ناحية وعلاقة الحركة بالفصائل الفلسطينية من ناحية ثانية

عاد العلمي لغزة بعد خروج حركة حماس من سوريا، وموقفها المساند للثورة، وأسند إليه ملف العلاقات الوطنية، لما يتمتع به من رضى واحترام من الفصائل الفلسطينية كافة، خصوصًا حركة فتح، فهو رجل أمني من الطراز الأول، مستمع دائم، ويركز على مواقفه الوحدوية.

رجل الوحدة الوطنية الصامت

يعتبر العلمي أحد أهم أعمدة حماس الأمنية والعسكرية، وقد انتبه الاحتلال مبكرًا لقدرته الكبيرة في التجميع بين فواصل الشقاق الداخلية والخارجية لحماس من ناحية وعلاقة الحركة بالفصائل الفلسطينية من ناحية ثانية، وهو الدافع الأهم لاستلامه ملف العلاقات الوطنية في المكتب السياسي للحركة في الفترة الماضية قبل الانتخابات الأخيرة عام 2016، لكنه أدار قبلها ملف حركة حماس الإعلامي لفترات قصيرة، كانت شائكة بالنسبة له، في فترة تمخض عنها وثيقة حركة حماس السياسية وانفتاحها الإعلامي على العالم بسياسة توسعية جديدة، كان الرجل أحد مزودي الوثيقة الجديدة بالأفكار الجديدة.

فايز أبو عيطة الناطق باسم حركة فتح وأحد رموزها في قطاع غزة قال في تشييع جنازته العلمي أمس، إنه "كان رجل وحدوي سعى للمصالحة، وقد بذل جهودًا كبيرة لتحقيق المصالحة الفلسطينية الداخلية، وكان حريصًا عليها، فلم يكن ليوم جزءًا من الانقسام الفلسطيني".

أما أحمد يوسف المستشار السياسي لرئيس الوزراء السابق إسماعيل هنيه، وأحد الرعيل الذي شارك العلمي في العمل التنظيمي والسياسي لحركة حماس يقول عنه: "كانت لقاءاتنا الكثيرة في مكتبه بعد عودته من سوريا لغزة، حيث كنت أسعد في اصطحاب الكثير من السياسيين والدبلوماسيين الأجانب الراغبين في اللقاء به، والتعرف على شخصيته وفكره السياسي، وكان يترك من خلال منطق الحوار والحسِّ الوطني والمرونة السياسية انطباعات إيجابية لدى كل من التقاه".

ملفات كثيرة عالقة وسرية أدار دفتها العلمي، ورحل وبقيت أسراره طي الكتمان ومع الشهود الأحياء

صمت الرجل وقوة قراراته وجرأته جعلت أنظار الاحتلال الإسرائيلي تتجه إليه بقوة، فقد أبعده في البداية لسنوات طويلة، وحاول اغتياله في حرب 2014، فهو يشبه تمامًا الشهيد الراحل إسماعيل أبو شنب الذي اغتالته طائرات الاحتلال الإسرائيلي في أغسطس 2003، كأحد أهم القيادات الوطنية المتفق عليها داخليًا وخارجيًا، وقد أراد الاحتلال من قتله تمزيق الوحدة الوطنية.

http://twitter.com/IsmailHaniyyeh/status/958367808601182208

 

ملفات كثيرة عالقة وسرية أدار دفتها العلمي، ورحل وبقيت أسراره طي الكتمان ومع الشهود الأحياء، فقد وصفه رفيق دربه مصطفى اللدواي في مقال له قائلاً: "الصمت والهدوء من طبيعته، فهو صامتٌ لا يتحدث إلا قليلاً، ولكنه إن تحدث فالدر كلامه، والفيصل حكمه، والحكمة قوله، كلماته معدودة، يعدها السامعون، ويحفظها المتلقون، وصوته خافتٌ لا يكاد يدركه المحيطون، لكنه عميق الفكرة، صائب الرأي، صادق القول، جاد المسعى، حاسم الحكم، لا يرائي فيه ولا يداهن، ولا ينافق ولا يساوم، ولا يقوله رضى لفريقٍ أو حرصًا على مكانة، بل يقول كلمته بحقٍ ولو أغضبت، ويصدرها كطلقةٍ ولو أصابت، ويقطع بها كسيفٍ ولو أوجعت".