الإعلام الأمريكي والإسلاموفوبيا

تؤدي وسائل الإعلام والاتصال الحديثة دورًا بالغ الخطورة والأهمية في التأثير على الرأي العام المحلي والعالمي وتوجيهه نحو قضايا معينة يُرى من ورائها دعم توجهات دول وجهات متنفذة وطمس وجهات أخرى حتى لو كانت أكثر واقعية وصوابية.

وتعدى دور الإعلام من كونه وسيلة لنقل الأخبار وتحليل الوقائع وتفسير الأحداث إلى أن أصبح عاملًا مؤثرًا على رسم سياسات الدول وصياغة قراراتها، وأضحت وسائل الإعلام أداة ليست بالهينة يمكن من خلالها تشويه وتدمير قيم وثقافات والترويج لقيم وثقافات أخرى، مما يؤثر وبشكل عميق على أفكار الأفراد وسلوكهم وعواطفهم وتوجهاتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

المؤسسات الإعلامية الأمريكية صعدت بعد هجمات 11 سبتمبر2001 وما تلاها من أحداث وحروب من حملاتها ضد الإسلام والعرب وأوغلت في تقديم صورة مشوهة ومصطنعة عنهم وجعلت من العادات والتقاليد العربية مدخلًا لازدراء العرب وتحقيرهم والاستخفاف بحضارتهم، وتجاهلت المساهمات العربية والإسلامية في شتى نواحي الحياة، وتعمدت تكوين تصور مفبرك عن تعاليم الدين الإسلامي ومنهاجه حتى باتت النظرة إلى العالم العربي والمجتمع الإسلامي في مخيلة المواطن الأمريكي مرتهنة بالإرهاب والعنف والتطرف، وأمست المنطقة العربية في تصوره الذهني مصدرًا للاضطرابات العالمية.

لم تكن الصور السلبية للعرب والمسلمين في الإعلام الأمريكي وليدة تدمير برجي التجارة العالمية، إنما هي قديمة بدأت في التفشي والانتشار كظاهرة إعلامية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة وبلغت ذروتها لدى الأمريكان بسقوط البرجين، وليس أدل على ذلك ما قاله المفكر إدوارد سعيد في كتابه "تغطية الإسلام: كيف تحدد وسائل الإعلام والخبراء الطريقة التي نرى فيها العالم قبل أكثر من ثلاثين عامًا": "إن تغطية المسلمين والعرب ومناقشة أمورهم وفهمهم لا تخرج عن صورتي مُورِّدي نفط أو إرهابيين محتملين، ولم يصل سوى القليل جدًا من التفاصيل وكثافة البعد الإنساني وشغف الحياة العربية والإسلامية إلى وعي أولئك الأفراد الذين تقوم وظيفتهم على تغطية العالم الإسلامي". 

الكثير من الأفلام الأمريكية السينمائية تصور العربي والمسلم ما بين ذلك الانتحاري الأصولي المتعصب والمتعطش للدماء الذي ينفذ عمليات قتل إرهابية بشعة وغير إنسانية لا تمس ولا تصيب إلا المواطنين المدنيين الصالحين الأبرياء

لا يقتصر ذلك على وسائل الإعلام الأمريكية الرسمية والجادة فقط، بل وظِفت شركات الإنتاج السنيمائي وعلى رأسها هوليوود التي هي بالأساس وسيلة للترفيه والتسلية من خلال أفلامها وإنتاجها السنيمائي لتمرير معلومات ومفاهيم وقناعات مكذوبة وعنصرية عن الإسلام يشرف على معالجتها خبراء ومختصون في أساليب الدعاية والحرب النفسية.

وقد أشار كاتب السينما الأمريكي نورمان كازينير إلى أن "الأفلام الأمريكية المرسلة إلى الخارج تخدم احتياجات الدعاية الأمريكية"، فهي تحمل مضامين تساعد على تشويه الدين الإسلامي وتختزله في ديانة تتبنى العنف وتحرض على التطرف وتعارض الحداثة، وتساهم في غرس وتعميق مفاهيم الإسلاموفوبيا والربط بين الإسلام والإرهاب والشعائر الإسلامية والتطرف. 

الكثير من الأفلام الأمريكية السينمائية تصور العربي والمسلم ما بين ذلك الانتحاري الأصولي المتعصب والمتعطش للدماء الذي ينفذ عمليات قتل إرهابية بشعة وغير إنسانية لا تمس ولا تصيب إلا المواطنين المدنيين الصالحين الأبرياء، أو ذلك الثري المغفل الذي ينفق أمواله الطائلة التي حصل عليها مقابل النفط في التمتع مع الحسناوات اللواتي حُرم منهن في بلاده المنغلقة والرجعية.

وقد استنكر الصحفي جاكستون هذه الصورة متسائلاً: هل يمكن أن تخرج صورة العربي أو المسلم في السينما عن تصويره على أنه واحد من ثلاثة: مليونير أو إرهابي أو عربيد، فأين العرب والمسلمون العاديون في السينما الأمريكية؟! وهل آن الأوان لكي تتوقف هيوليوود عن هذه الحرب؟!

الكاتبة والإعلامية سمر جراح التي تعيش في أمريكا عقبت في مقالها "القناص الأمريكي والإسلاموفوبيا" على فيلم "القناص" الذي يروي قصة جندي أمريكي قَتل عددًا هائلًا من العراقيين الذين لو لم يقتلهم لقتلوا الجنود الأمريكيين بحسب الأحداث والحوارات في الفيلم، قائلة: "النشطاء على تويتر بدأوا بمراقبة ما يكتبه الناس عن الفيلم بعد مشاهدته، حيث لم يكتف البعض بالتعبير عن إعجابهم بالفيلم بل ذهبوا إلى أبعد من هذا ليعربوا عن رغبتهم بقتل العرب".

سيطرت جماعات الضغط واللوبي الموالي لـ"إسرائيل" على أهم وسائل الإعلام الأمريكية وما تملكه من إمبراطوريات إعلامية ضخمة لها نفوذ واسع وقوة في صناعة الصحافة والنشر والسينما والفيديو وشبكة الإنترنت، تمثل المعضلة الأكبر فيما يتناوله الإعلام الأمريكي من القضايا العربية والإسلامية.

ضعف الإعلام العربي وقصوره وضحالة محتواه ساهم هو الآخر في تمادي وتجرؤ وسائل الإعلام الأمريكية على العرب والمسلمين

فهي تسعى دائمًا إلى طمس الحقائق وخلط المفاهيم وبث الأكاذيب عن الإسلام والعرب والتركيز على نقاط الاختلاف والتمايز بين الثقافة الإسلامية والثقافة الغربية وتضخيم الفروقات وتعميقها، وتعمل على تأكيد مصداقيتها من خلال إبراز ما تعانيه المجتمعات العربية من قمع للحريات وتطاول على حقوق الإنسان، وأيضًا من خلال إثارة قضايا المرأة في المجتمعات العربية، مما يؤدي إلى تضليل الرأي العام العالمي وتأليبه ضد الدّين الإسلامي والمجتمع العربي.

وقد ذكر الباحث الدكتور فواز جرجس في كتابه "السياسة الأمريكية تجاه العرب كيف تصنع؟ ومن يصنعها؟" أن "التغطية الإخبارية السلبية للمنطقة العربية من وسائل الإعلام التي يسيطر على أغلبها اليهود تؤثر في تصورات الجمهور والرأي العام وصناع السياسة ومواقفهم عن المجتمعات العربية والإسلامية".

ضعف الإعلام العربي وقصوره وضحالة محتواه وعدم اهتمام الجمهور العربي بوسائل التواصل الاجتماعي وقلة استخدامه للإنترنت والوسائل التقنية الحديثة في التحرك لتغيير هذه الصورة السوداء، والعمل بشكل فعلي وناجع لتسويق الثقافة والقيم العربية والإسلامية في المجتمعات الغربية ساهم هو الآخر في تمادي وتجرؤ وسائل الإعلام الأمريكية على العرب والمسلمين وتشويه صورتهم دون أن يكون هناك ما يكبحه أو يقلل من فرص نجاحه وتأثيره.

وعلى العكس من ذلك نجد كثيرًا من وسائل الإعلام العربية والإسلامية تتنافس في إبراز مناقب أمريكا والغرب وإظهار سماتهم الثقافية وأساليبهم الحياتية بطريقة لا تخلو من إفراط في التعظيم والانبهار.

تنامي هذا السلوك الإعلامي غير المسؤول واللأخلاقي أدى إلى ارتفاع نسبة الكراهية والعنصرية عند الجمهور الأمريكي ضد المسلمين ودفع كثير منهم إلى الإقدام على الاعتداء فعليًا على المسلمين والعرب، وصل بعض منها إلى القتل من ذلك قيام الأمريكي ستانلي فرنون مايجورز بقتل جاره في مدينة تولسا الأمريكية خالد جبارة والمهاجر من لبنان بعد أن هدد عائلة جبارة بالقتل ونعتهم بـ"العرب الوسخين" و"اللبنانيين المسلمين القذرين".

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه شارك وما زال في ترسيخ هذه الصورة المشوهة، فلم يتورع في أثناء حملته الانتخابية الرئاسية عن مهاجمة المسلمين والتهديد بطردهم ومنع دخولهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية

إضافة إلى أن استغلال الإعلام الأمريكي لأحداث تورط فيها بعض الإسلاميين المتشددين من أجل إلصاق وصمة الإرهاب بالمسلمين والعرب وتلفيق التهم لهم بمعاداة الآخر والسعي لتدمير الحضارة الغربية، أدى إلى صعود التيار اليميني المتطرف في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، وأيضًا إلى موافقة ورضى غالبية الشعب الأمريكي عن سياسة الإدارة الأمريكية الخارجية تجاه البلاد العربية والإسلامية وغض النظر عما ترتكبه فيها من أعمال مخالفة للقوانين الدولية أو تنتهك حقوق الإنسان.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه شارك وما زال في ترسيخ هذه الصورة المشوهة، فلم يتورع في أثناء حملته الانتخابية الرئاسية عن مهاجمة المسلمين والتهديد بطردهم ومنع دخولهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

ولم يتوقف ذلك عند حدود الحملة الانتخابية فقد قام بعد توليه منصب الرئاسة الأمريكية بإعادة نشر مقاطع فيديو تحريضية ضد المسلمين على حسابه على تويتر كانت قد نشرتها جماعة بريطانية يمينية متطرفة، ثم رده على رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي التي انتقدت ذلك "لا تركزي علي، ركزي على الإرهاب الإسلامي المتشدد الذي يحدث في المملكة المتحدة"، وليس أغرب من تعليقه على حسابه على تويتر على حادث انحراف القطار السريع جنوب ولاية سياتل الأمريكية قائلًا: "7 تريليونات دولار أنفقت في الشرق الأوسط، بينما لدينا الطرق والجسور والأنفاق، والسكك الحديدية تنهار"! 

وقد يكون هذا ما شجع مرشحه لشؤون الهجرة في الأمم المتحدة كين إيزاك على مهاجمة المسلمين بقوله: "يجب إعطاء الأولية في الهجرة للمسيحيين لأن المسلمين يمارسون العنف والقرآن يُحرض على العنف ولو كان الإسلام ديانة مسالمة فعلًا لِمَ لا نرى ملايين يتظاهرون ضد الجهاد في أمريكا؟".

مركز "برينان للعدالة"، التابع لكلية الحقوق بجامعة نيويورك، ذكر في إحصاء صادر عنه أن جرائم الكراهية ضد المسلمين زادت خلال عام  2016 حتى وصلت نسبتها وحدها إلى 67%، وأضاف المركز أن الخطابات المعادية للمسلمين من المرشحين الجمهوريين للرئاسة الأمريكية وأبرزهم دونالد ترامب الذي فاز في الانتخابات، لعبت دورًا مهمًا في زيادة الكراهية ضد الإسلام، كما لعب أيضًا إرهاب تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" وحملات "الإسلاموفوبيا" التي أشعلها الإعلام الغربي دور كبير في ارتفاع حالات العنف ضد المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية.