استخدام قطع الليغو في البناء يعزّز من تطوّر المرونة الإدراكية عند الطف

وُجدت لعبة الليجو منذ أربعينات القرن الماضي على أقلّ تقدير، ومن ذلك الوقت أصبحت جزءًا ضروريًا في صندوق ألعاب معظم الأطفال. فربما نكون جميعنا قد امتلكنا يومًا ما في طفولتنا صندوقًا أو أكثر من مكّعبات الليجو، التي قد ننظر إليها الآن على أنها لعبة بسيطة لا تعدو أنْ تكون مملّة. لكن لو كنت أبًا أو أمًّا، فيجدر بك تغيير رأيك كليًّا، فبينما يكتشف طفلك متعة التجميع والبناء من خلال هذه المكعّبات، فإنّه في الوقت نفسه أيضًا يتعلّم الكثير من المهارات المعرفية والعقلية، بالإضافة إلى تحسين مهاراته الحركية.

فبعد أن يكتشف طفلك خصائص الكتل، كالحجم والوزن والشكل ومستوى الاستقرار، لن يمر وقت طويل قبل أن يقوم ببناء مدن كاملة بطرقها وشوارعها وجسورها. عوضًا عن أنّ أبسط المكّعبات تستطيع تنمية بذور الخيال والإبداع عند طفلك، بدءًا من بناء برجٍ عالٍ ومن ثمّ تدميره أو بناء مدينة كاملة من المباني والبيوت والشوارع والسيارات. فهذه طريقة جيدة لتطوير المهارات الحركية الدقيقة واستكشاف مفاهيم رياضية وهندسيّة في وقتٍ مبكر، إضافةً إلى امتلاك القدرة على حلّ المشكلات وتحديد أسبابها وآثارها.

يعدّ العلاج الذي يستخدم ألعاب الليغو واحدًا من العلاجات الناجعة في مساعدة الأطفال المصابين بالتوحّد، ويهدف إلى تشجيع الأطفال على مبادلة الأدوار والمهام والانخراط في حل المشكلات بمساعدة المختصين

ومن جهةٍ أخرى، وجنبًا إلى جنب مع تنمية الخيال، يمكن لمكعّبات الليغو أنْ تعزّز من تطوّر اللغة عند طفلك، فيكفي أنْ تسأله عن ما يريد بناءه وماذا يرى فيه وكيف يخطّط لذلك، حتى تقوّي لديه استخدامه للغة والكلمات، وتعزيز مهاراته الحوارية والكلامية مع غيره، لا سيّما وإنْ كانت اللعبة جماعية، الأمر الذي يعمل أيضًا على تعزيز مهارات اتصاله وتواصله مع الآخرين من حوله، ومهارات العمل الجماعي والتحكّم بالذات.

الليغو يحفّز الوعي المكانيّ بالأشياء عند طفلك

تعالج اللعبة المهارات الإدراكية ومناطق الدماغ المرتبطة بما يسميه علماء النفس بالوعي المكاني "spatial awareness"، أي قدرة الطفل على إدراك واستيعاب علاقته المكانية بالمحيط من حوله، كأنْ يعي موضع جسمه بالفراغ وكيفية تنظيم الأشياء الواقعة في نفس المساحة. كما ينطوي الوعي المكاني أيضًا على فهم العلاقة بين تلك الأشياء عندما يكون هناك تغيير في مواضعها. ويحدث الوعي المكاني بشكلٍ طبيعي عند معظم الأطفال، إلا أنّ بعضهم يواجهون صعوبات في هذه المهارة وبالتالي يحتاجون لبعض الدعم للمساعدة في تحسين تطوّره وامتلاكه.

فقد وجدت دراسة أنّ اللعب بقطع الليغو وغيرها من ألعاب التركيب تساعد الأطفال على استيعاب المفاهيم المكانية مثل فوق وتحت وخلال وعَبْرَ وغيرها. ووجد الباحثون أنّ الفتيان يطوّرون مهارات ومزايا مكانية من خلال هذه الألعاب أكثر من الإناث. قد يكون هذا لأن الأولاد، عمومًا، يميلون إلى الاستمتاع باللعب مع الألغاز والليغو وألعاب الطاولة أكثر من البنات، كما تشير الدراسة.

تساعد ألعاب التركيب والليغو الأطفال على استيعاب المفاهيم المكانية مثل فوق وتحت وخلال وعَبْرَ وغيرها

تخبرنا الدراسة أنّ اللعب المكانيّ يرتبط على وجه التحديد بمهارات التفكير المنطقيّ عند الأطفال. كما تؤكّد على أنّ القدرة على التفكير في المساحات وكيفية التحكّم بالأشياء فيها هو جزء مهم من الحياة اليومية، فهي المهارة التي تساعدنا على التنقل في شارع مزدحم أو وضع قطع الأثاث في مكانها المطلوب. وتكتسب هذه المهارات أهمية خاصة للنجاح في مجالات أكاديمية ومهنية معينة، بما في ذلك العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.

الليغو قد يعزز المرونة الإدراكية عند طفلك

تعرّف المرونة المعرفية أو الإدراكية " Cognitive flexibility" بأنها القدرة العقلية على تبديل التفكير بين مفهومين مختلفين والتفكير في مفاهيم متعددة في آن واحد. وبكلماتٍ أخرى، هي القدرة على تحويل تركيزك بسرعة من حافز ذي صلة إلى آخر. تختلف هذه المرونة باختلاف عمر الفرد، وبما أنّها عنصر حيوي في التعلم، فإن العجز في هذا المجال قد يكون له آثار أخرى على تطوّر الطفل العقلي.

كيف يساعد الليغو في ذلك؟ تشير دراسة تجريبية حديثة صدرت هذا العام، إلى أنّ استخدام قطع الليغو في البناء يعزّز من تطوّر المرونة الإدراكية عند الطفل، فهو يبدأ دومًا بالمهام البسيطة نسبيًا، إنشاء برج على سبيل المثال، وعندما يصبح أكثر دراية بالقطع وكيفية عملها، يبدأ بالمهام الأكثر تعقيدًا. وهذا ما نعنيه بالمرونة المعرفية، فالطفل بانتقاله من البناء البسيط إلى المعقّد يكون قد امتلك القدرة على تحويل تركيزه وتفكيره بين المفاهيم المختلفة.

لعبة جيّدة للأطفال المصابين بالتوحّد

يرى الكثير من الخبراء أنّ الأطفال الذين يعانون من التوحّد يمكنهم الاستمتاع بالتواصل الاجتماعي مع غيرهم حينما يكونون جزءًا من مجموعة صغيرة ويتفاعلون مع أنشطة واقعية وعملية مثل الليغو، ما يساعد الطفل على المشاركة واتخاذ القرارات وتعزيز الاتصال بالعين وإشارات الوجه واتباع القواعد الاجتماعية. كما يعدّ العلاج الذي يستخدم ألعاب الليغو واحدًا من العلاجات الناجعة في مساعدة مرضى التوحّد، ويهدف إلى تشجيع الأطفال على مبادلة الأدوار والمهام والانخراط في حل المشكلات بمساعدة المختصين والمعالِجين.

لا تعمل ألعاب الليغو الحديثة على تعزيز مخيلة الأطفال وقدراتهم الإبداعية مثل تلك التي اعتدنا عليها في طفولتنا

ومن جهةٍ أخرى، يرى الكثيرون أنّ ألعاب الليغو الحديثة، تعمل على تشجيع الأطفال على بناء نماذج من كتيبات التعليمات المرفقة بها وليس الاعتماد على مخيلاتهم وتعزيز إبداعهم، عوضًا عن بعض الرسائل التي تتهم شركات تصنيع الليغو بالتمييز الجنسي النمطيّ، من خلال تركيزها على تصنيع الألعاب بهيئة الرجل أكثر من المرأة. وبالتالي، يرى البعض أنّ الشركات المصنّعة لليغو باتت تهتمّ بالمال على حساب نموّ وتطوّر الطفل. ولذلك، يجب عليك التفكير مليًّا حين وقوفك في متجر ألعاب الأطفال قبل اختيارك لنوع الليغو الذي ستحمله لطفلك.