يُدرك الفلسطينيون في الداخل والخارج وفي مخيمات اللاجئين في عدد من الدول العربية أن أرضهم التي احتلتها العصابات الصهيونية عام 1948 أي قبل ستة عقود لن تعود إلا بخيار واحد هو "المقاومة" وطرد من سرق أرضهم وسفك دمهم وأزهق أرواح الأطفال والنساء والشيوخ وارتكب المجازر المروعة على مدار سنوات الاحتلال والاغتصاب للأرض المقدسة.

ومنذ احتلال إسرائيل لأرض فلسطين بمساعدة بريطانيا وبتواطئ عربي وإسلامي واضح – نتيجة الأسلحة الفاسدة التي استخدمتها ستة جيوش عربية- فلم تُفلح في تكبيد العصابات الإسرائيلية الخسائر.

اليوم في غزة التي واجهت على مدار ستة أعوام متتالية أكثر من ثلاثة حروب قاسية وضارية كان أشدها العدوان الغاشم الهمجي الذي تشنه إسرائيل على القطاع الساحلي المحاصر لليوم الـ49 على التوالي وقد أسفر حتى اللحظة عن استشهاد أكثر من 2100 فلسطيني وجرح أكثر من 11 ألف آخرين وهدم آلاف المنازل والمنشئات والمساجد والمصانع ..

في الأراضي الفلسطينية منذ بدء الصراع العربي الإسرائيلي تشكلت عشرات الأجنحة العسكرية التابعة لفصائل وقوى العمل الوطني والإسلامي والتي ينتمي إليها عشرات الآلاف من المقاتلين وتمتلك من العتاد والسلاح البسيط الذي تواجه فيه آلة الحرب الإسرائيلية.

إنها حرب غير متكافئة لكن قوى وأجنحة المقاومة الفلسطينية المسلحة حققت فيها توازناً للرعب دفع إسرائيل للتفكير ألف مرة قبل شن أي هجوم بري على غزة خصوصاً والتي باتت تربة خصبة للمقاومة بأذرعها العسكرية المختلفة.

في الضفة الواقع يختلف كثيرا عن غزة فالاحتلال لا زال يسيطر على كافة أنحاء الضفة الغربية من الشمال إلى الجنوب والتنسيق الأمني بين أجهزة سلطة أوسلو وأجهزة أمن الاحتلال وجيشه أنهك قوى المقاومة هناك.

أما غزة فقد شكلت شوكة في حلق إسرائيل منذ زمن بعيد .. فغزة كانت ولا زالت مقبرة للغزاة فهي في الانتفاضة الأولى وانتفاضة الأقصى الثانية وعلى مدار معاركها مع إسرائيل عقب تحريرها صيف عام 2005 كبدت الاحتلال خسائر فادحة في الأرواح والاقتصاد وجعلته يتخذ قرارات سياسية حاسمة ومصيرية كان أبرزها الانسحاب أحادي الجانب الذي اتخذه المجرم أرئيل شارون الذي كان رئيسا للوزراء آنذاك.

اليوم وبعد قرابة شهرين من الحرب الواسعة على غزة التي شنتها إسرائيل منذ فجر السابع من تموز (يوليو) الماضي، دافعت قوى المقاومة الوطنية والإسلامية في غزة بمختلف أجنحتها العسكرية عن القطاع وسكانه وتمكنت من دحر الجيش الإسرائيلي الذي يعتبر نفسه "جيشا لا يُقهر" ومرغت أنف جنوده وقادة نخبته من ألوية "جولاني وجفعاتي وناحال والمظليين" في ترابها الطاهر.

والمقاومة الفلسطينية بدأت مشوار التحرير ومواجهة إسرائيل من الحجر مروراً بالأسلحة الرشاشة والقذائف والقنابل اليدوية والصواريخ متوسطة وبعيدة المدى – ذات الصناعة المحلية – بالإضافة إلى العمليات الاستشهادية التي نفذتها في العمق الإسرائيلي وعمليات المواجهة خلف خطوط العدو، فهي تمتلك في جعبتها عشرات الوسائل التي مكنتها من ضرب إسرائيل وجيشها في مقتل.

ولدى قوى وفصائل العمل الوطني والإسلامي الفلسطيني أجنحة عسكرية تتوزع كالتالي:

كتائب الشهيد عز الدين القسام الذراع العسكري لحركة حماس والتي بدأت عملها العسكري ضد الاحتلال الإسرائيلي مع الشرارة الأولى لانتفاضة الأقصى عام 1987 وهو ذات العام الذي انطلقت في حماس، وتضم الكتائب آلاف المقاتلين وتمكنت من صناعة السلاح الذي تواجه فيه إسرائيل بأيادي رجالها وأظافر أبناءها الذين قدمت المئات منهم على مدار سنوات المواجهة.

بعد القسام تحل سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين تتلوها ألوية الناصر صلاح الدين الجناح العسكري للجان المقاومة وكتائب الناصر صلاح الدين الجناح المسلح لحركة المقاومة الشعبية ، إضافة لكتائب الشهيد أبو علي مصطفى الجناح العسكري للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وكتائب المقاومة الوطنية الجناح المسلح للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين.

إلى جانب هذه الأجنحة العسكرية المختلفة تعمل كتائب شهداء الأقصى وكتائب أحمد أبو الريش وكتيبة المجاهدين وهي أجنحة عسكرية مختلفة تتبع لحركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح التي تركت الكفاح المسلح منذ تأسيس السلطة عقب اتفاقية أوسلو بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي عام 1993م.

كما تنشط في الأراضي الفلسطينية وخاصة غزة أجنحة عسكرية صغيرة بالتوازي مع الأذرع المسلحة للقوى والفصائل الوطنية والإسلامية الكبرى، فكتائب الأنصار تتبع لحركة الأحرار الفلسطينية التي تأسست عام 2007م، بالإضافة إلى حماة الأقصى وكتائب عبد القادر الحسيني وغيرها.

إذا عشرات الأجنحة العسكرية المسلحة التابعة لقوى وفصائل المقاومة الفلسطينية الوطنية منها والإسلامية تعمل في ساحة غزة لمواجهة الصلف والإجرام الإسرائيلي.

وتلك الأجنحة العسكرية ترد بما تمتلك من عتاد وسلاح على آلة الحرب الإسرائيلية التي تدعمها القوى الكبرى كالولايات المتحدة الأمريكية وشركائها، لكن الفلسطينيون شكلوا جيشاً قوياً منظماً في عملياته وتخطيطه الاستراتيجي ويبدو أنه سيشكل نواة جيش التحرير القادم.

فغزة إذا هي الساحة الفلسطينية التي سينطلق منها العشرات المقاتلون لتحرير القدس والأراضي المحتلة عام 48 وستدحر بأجنحتها العسكرية وفصائلها المسلحة إسرائيل ومستوطنيها عن الأرض والمقدسات ، ويترقب الفلسطينيون هذه اللحظات بشغف فهم يعُدون العدة ويجهزون أنفسهم للحظة النصر التاريخية.

ولا شك أن الدخول في حرب الاستنزاف سيدفع الطرفين – المقاومة وجيش الاحتلال - في دخول مرحلة عض الأصابع من جديد ليثبت من هو أقوى على تحقيق الانتصار في نهاية المطاف .

تقديرات المقاومة وحربها النفسية وتكتيها الميداني وحرب الاستنزاف الطويلة التي تعهدت بأن تهزم الاحتلال خلالها، وضعت عشرات الأسئلة على طاولة حكومة نتنياهو ومجلسه الأمني المصغر "الكابنيت" وأجهزة مخابراته وجيشه المندحر من غزة كيف سيكون رد المقاومة وأين ومتى ؟ !.

وللتذكير فإن المقاومة الفلسطينية قالت سابقا: أن العدو بدأ المعركة لكنه لن يتحكم في إنهائها وهو ما يحدث حاليا في الميدان، لكن يبدو أن رحى "حرب الاستنزاف" بدأت بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل بعد حرب ضروس ومعارك عنيفة على مدار شهر مضى.

ويأمل الفلسطينيون الذين يواجهون إسرائيل منذ ستة وستون عاما على التوالي أن يحرروا أرضهم ويعودوا لديارهم التي هجرتهم العصابات اليهودية منها على الرغم من الحرب الغير متكافئة في العدة والعتاد لكن الأمل في النصر بات اليوم يقترب أكثر من أي وقت مضى.