على عكس نظرائه في العالم العربي، فإن المواطن المصري لم يُبتلَ بالأمراض والأسقام فقط؛ إذ يُعاني من أعراض أخرى لا تقل خطورة وحساسية تنهش ما تبقى من مقومات الحياة، ومن أهمها التفاوت الطبقي وتراجع المقدرة الشرائية وانهيار المرافق الأساسية ولا مبالاة الساسة والمسؤولين بأحوالهم وأوضاعهم الاجتماعية والصحية، والأخيرة تُعد هاجسًا يقض مضجعهم بعد أن بات طلب العلاج طريقًا مظلمًا أو نفقًا لا يُعرف له مخرج آمن.

المصريون ورحلة طلب الشفاء قصة تُعاد فصولها ومشاهدها مع كل حكومة معينة ورئيس جديد، باعتباره المطلب الرئيسي والعاجل لشعب عانى الويلات بسبب انهيار قطاع الصحة ويتوق إلى تحسين ظروف عيشه وتحصيل خدمة طبية ونظام تأمين شامل يُلبي حاجاته وتطلعاته.

ويعيش قطاع الصحة في مصر واقعًا مأساويًا تتعدد فيه الإشكالات ويتنوع فيه القصور، وصل إلى حد تذيل بلد النيل، وفق مؤشر "إنديغو ويلنس" لعام 2019، قائمة أسوأ 20 دولة في مجال الصحة (المرتبة الـ18).

ورغم أن المادة 18 من الدستور المصري لعام 2014 تنص على أن الدولة تكفل الحفاظ على مرافق الصحية العامة التي تقدم خدماتها للشعب ودعمها والعمل على رفع كفاءتها وانتشارها الجغرافي العادل، فإن هذا الحق ما زال بعيد المنال في ظل تقهقر خدمات الرعاية وتردي البنى التحتية للمؤسسات الصحية، ومرد ذلك كله غياب الإرادة السياسية في معالجة جذور الأزمة.

فقر المستشفيات

في "أم الدنيا" تُكافح الطبقة الوسطى والمرضى "الغلابة" كما يقول المصريون للحصول على الخدمات الطبية الطارئة المجانية أو على سرير في غرف العناية المركزة بأحد المستشفيات الحكومية في انتظار تدخل جراحي عاجل، وهو أمر يُوصف بالمستحيل حدوثه دون "تميمة فتح الأبواب المغلقة" وهي ثلاثية "الوساطة والرشوة والدلع"، كما يؤكد رأفت مجدي في تواصله مع "نون بوست".

ويُتابع المواطن قوله "في مصر إذا رغبت يومًا في التداوي بمستشفيات الحكومة عليك ولوجها في الساعات الأولى لتتقدم الطابور، واحرص على جلب ما يلزم لافتراشه أرضًا، فالانتظار قد يطول لساعات حتى يحين دورك، وإن حان فاسأل الحظ أن تقضي حاجتك".

في العيادات الخارجية للمستشفيات كما في أقسام الطوارئ، ذات الزحام وذات الشكاوى، مرضى يتذمرون من بطء الخدمات وغياب الأسرة والأدوية والمستلزمات، وكوادر طبية مستاءة من الاكتظاظ وتقادم البنى التحتية للمرافق وانعدام حسن التسيير والتنظيم (المواعيد).

وعادة ما يؤدي الزحام في المرافق الصحية إلى حالة من الاحتقان تُسفر بدورها عن اعتداءات تطال الأطباء والممرضين والأجهزة، ووفق عضو مجلس نقابة الأطباء، أحمد السيد، فإن الاعتداءات على الأطباء في 2019 قاربت 100 واقعة شهدتها بعض المستشفيات كمعهد القلب بإمبابة وقسم النساء والتوليد بمستشفى الساحل التعليمي.

وعلى طريقة الكوميديا السوداء، يسخر الشعب المصري كعادته التي لا تنقطع، من همومه وأوجاعه ويتندر بمآسيه وآلامه على شبكات السوشيال ميديا، مخترقًا حواجز الصمت التي أرسى بنيانها النظام الجديد، فكتبت رند على تويتر: " كل مستشفيات العالم الإسلامي مكتوب عند المدخل وإذا مرضت فهو يشفين إلا مستشفيات مصر مكتوب عند المدخل كل نفس ذائقة الموت".

ويُطلق آخرون على مواقع التواصل الاجتماعي بين الفينة والأخرى عددًا من "الهاشتاغات" بخصوص قضايا تهم الصحة، ينتقدون من خلالها ما آلت إليه مستشفيات البلاد والإهمال الذي أودى بحياة عدد من المرضى، إضافة إلى عدم أهلية المسؤولين والمطالبة بإقالتهم.

نقص التجهيزات والمستلزمات

علاوة على الاكتظاظ وسوء الإدارة، تفتقد أغلب المؤسسات الصحية الحكومية إلى التجهيزات والمعدات المتطورة كآلات التصوير الإشعاعي، إضافة إلى تهالك الأجهزة الطبية المستخدمة وضعف الصيانة الدورية، وعدم توافر طواقم مختصة، لذلك ترتفع نسبة المرضى المحولين إلى مستشفيات أخرى بحجة عدم توافر الإمكانات.

وتُعاني المستشفيات المصرية أيضًا، من نقص فادح في حضانات الأطفال المولودين قبل أوانهم (المبتسرين) وهم بحاجة إلى عناية فائقة نظرًا لمناعتهم الضعيفة، فيما يلجأ بعض المواطنين إلى المصحات الخاصة رغم ارتفاع تكاليفها المقدرة بنحو (55 دولارًا) لليوم الواحد.

ولم يسلم مرضى الكلى (60 ألف شخص) من عدم توافر المعدات اللازمة لعملية الغسيل، حيث أوضحت الجمعية المصرية لأمراض وزراعة الكلى أن 30% من الأجهزة بكامل البلاد تعمل بربع كفاءتها.

وفي السياق ذاته، فإن نقص الإمكانات طال أيضًا المستلزمات الطبية باختلاف استعمالاتها كالأدوات الجراحية ومنها الخيوط والقساطر الطبية والصمامات والوصلات الشُريانية، وكذلك المواد اللازمة لتخدير المرضى عند دخولهم إلى غرف العمليات، إضافة إلى الفلاتر ومُرشحات الغسيل الكلوي.

الأدوية.. لمن استطاع إليها سبيلًا

لا تنتهي معاناة المرضى عند الطوابير والسعي بين الأقسام والمصالح بفعل البيروقراطية المقيتة والمعاملة غير الآدمية، فالدواء عقبة ثانية في رحلة العلاج بعد الكشف يعسر تجاوزها، وكثيرًا ما تنتهي بـ"آسف مرة ثانية".

وتشكو المرافق الحكومية من أزمة نقص أدوية حيوية تشمل الأمراض المزمنة والخطيرة كالقلب والكبد وحقن الأنسولين، وهو ما تسبب في زيادة معاناة المرضى، فيما تؤكد مصادر محلية، أن الفقد يعود أساسًا لانسحاب عدد كبير من شركات الأدوية المتعاقدة مع المصالح المشرفة، نظرًا لعدم تسلم الأولى مستحقاتها المادية.

وفي وقت سابق، أورد تقرير صادر عن المركز المصري للحق في الدواء، أن هناك نقصًا في أصناف متعددة من الأدوية تجاوز عددها 1420 صنفًا من تعداد المسجل الرسمي (يبلغ 14 ألف صنف).

وكما في القطاعات الأخرى، فإن نقص مادة أو شُحها في السوق يُنشط التجارة الموازية ويشجع المحتكرين على بيعها بأسعار مرتفعة، ما يُثقل كاهل المواطن المصري، وتتوافر في السوق السوداء أدوية بديلة مهربة من تركيا والهند، يلجأ إليها المواطن المصري رغم خطورتها.

أزمة حكم؟

يُعد ضعف الإنفاق أم المشاكل التي يُعاني منها القطاع، فميزانية الصحة في الموازنة العامة لمصر عام 2019 -2020، بلغت 73 مليار جنيه، وهي تقل عن النسبة التي حددتها المادة 18 من الدستور، البالغة 3% من الإنتاج القومي.

وانخفض الإنفاق على الصحة نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي من 1.53% عام 2014-2015، إلى 1.19% في العام المالي الحاليّ 2019-2020، فيما تمثل نسبة أجور وتعويضات العاملين 49.1%.

وأثر التدني في موازنة الصحة بصورة كبيرة على مرافق الرعاية التي تسيرها الدولة وينقصها إضافة إلى التطوير والتحديث والإمداد بالتجهيزات الطبية، إعادة الهيكلة والتخطيط، وعجزت الحكومات المصرية المتعاقبة على إرساء منظومة طبية شاملة وعادلة من حيث توزيع الخدمة ونوعيتها ينهل منها مواطنو النجوع والأقاليم البعيدة (مراكز رعاية أساسية بسيطة) كما المحافظات الكبرى.

وفي الإطار ذاته، خلق انعدام التخطيط الجغرافي لقطاع الصحة الذي يقوم على احتياجات السكان وليس على خريطة توزع المرافق، مشاكل هيكلية من بينها تكدس المرضى في المستشفيات الحكومية ببعض المحافظات، إضافة إشكال آخر لا يقل أهمية على مستوى ونوعية تكليف الكادر الطبي، حيث يعجز الأطباء الجدد (انعدام الخبرة) ودون إمكاناات لوجيستية في مناطق شبه منعزلة، عن تقديم خدمة طبية مثالية.

وفي غياب أي مؤشرات عن تحسن الوضع الاجتماعي للأطباء نظرًا للمنوال الاقتصادي الذي ينتهجه النظام، اختار أكثر من 5 آلاف طبيب الاستقالة والهجرة لتحسين مستوى معيشته، الأمر الذي فاقم أزمة الصحة وخلق عجزًا على مستوى البشري (الكفاءات).

الفساد وعسكرة الحل

يُرجع المصريون في الغالب أسباب أزمة الصحة في البلاد إلى الانتشار الواسع لآفة الفساد التي تنخر القطاع وطالت جميع القائمين عليه من الكادر الطبي والممرضين صعودًا إلى المسؤولين الكبار في الدولة، ويرى قسم منهم أن انهيار منظومة الرعاية في "أم الدنيا" يعود أساسًا إلى ظاهرة "البيزنس" والاتجار بصحة المواطنين من خلال الإهمال المتعمد لمستشفيات القطاع العام والتشجيع على ارتياد المصحات الخاصة التي يمتلكها كبار الشخصيات والأطباء وبعض المتنفذين في الدولة.

ويُفسر أصحاب هذا الطرح بأن الحكومة تخلصت من دورها (الرعاية والكفالة) عبر دفع المواطنين إلى تغطية كلفة علاجهم بداية من التحاليل والأشعة وصولًا إلى الحجز والعلاج، وبالتالي فإن السلطة أسقطت أسطورة الصحة المجانية لحساب منظومة أخرى تقوم على ثقافة "العلاج لمن يدفع والصبر لمن تعذر عليه".

ويتهم المرضى في مناسبات الكادر الطبي باستغلال حاجتهم للعلاج العاجل لمداواتهم خارج مرافق القطاع الحكومي، دون مراعاة ظروفهم، كما أبدى السواد الأعظم من المواطنين تخوفهم من قانون التأمين الجديد الذي يُخول للشركات الخاصة تسلم القطاع الصحة، ووصفوه بأنه أداة لإثقال كاهل الطبقة الوسطى وتحميل الفقراء مزيدًا من الأعباء.

من جهة أخرى، تُعاني مصر من نسبة عالية للغاية في نسبة الهدر في القطاع الصحي تصل إلى 20- 40%، وفق تقدير منظمة الصحة العالمية.

وكان البرلمان المصري قد استدعى في مطلع العام الجديد وزيرة الصحة هالة زايد للمساءلة بشأن وضع أحد المستشفيات (بولاق دكرور)، فيما اتهم النائب محمود بدر، الوزيرة بإهدار مليار و54 مليون جنيه، لافتًا إلى أنه تم الانتهاء من إنشاء 48 مركزًا أنفق عليهم من الموازنة العامة للدولة وقرض البنك الدولي، منذ عام ونصف لكنها لا تزال مغلقة في وجه المرضى، بدوره استنكر النائب إيهاب منصور غياب الرقابة وحالة التسيب مطالبًا بإقالة الوزيرة.

وفي ذات السياق، يرى مراقبون أن غياب آليات الحوكمة الرشيدة والشفافية والمراقبة قد تُعمق أزمة الصحة خاصة بعد دخول المؤسسة العسكرية على الخط وأصبحت لاعبًا أساسيًا في القطاع من خلال التعاقدات والمشاريع التي أُسندت إليها.

ويؤكد متابعون للشأن المصري، أن تكفل الجيش بتوريد المستلزمات الطبية كالحقن "سرنجات" ولبن الأطفال، إضافة إلى شراء أجهزة طبية من ألمانيا بنحو 4 مليارات يورو (4.25 مليار دولار)، سيمكن العسكر من التحكم في قطاع الصحة وضمه لقائمة المجالات الاقتصادية التي ينشط فيها، وبالتالي سلب المواطنين حقهم في الخدمة الصحية المجانية بالحكومة.

 وبما أن التأمين الصحي المصري يُغطي 60% فقط من حاجات المواطنين، فإن التعاقد مع الجيش سيحرم المرافق الصحية من موارد كانت تساهم في توفير بعض الاحتياجات، وفي المقابل ستنتفع القوات المسلحة من سداد التكلفة المرتفعة من موازنة الصحة المنخفضة.

من المعلوم أن سياسات جميع الحكومات المتعاقبة أوصلت مستوى الرعاية الصحية في مصر إلى القاع، من خلال تقليص ميزانيات الصحة وتوجيه ما سحبته منها إلى مجالات أخرى أقل أهمية، ومن البديهي أيضًا أن لا تكون معالجة الأزمة بجمع التبرعات والصدقات من أمام أبواب المساجد وفي الشوارع والحافلات، وبلافتات وشحت بوعود انتخابية أو بحقن تسكن أوجاع من صدت أمامهم أبواب دولة "الرعاية".

إلى ذلك، فات عبقري مصر الراحل صبري الدمرداش حين قال:" كان الطب معدومًا فأوجده أبقراط، وميتًا فأحياه جالينوس، ومشتتًا فجمعه الرازي وناقصًا فأكمله ابن سينا"، أن يذكر أن الطب يدنو مجددًا من العدم على يد الحكام العرب.