تصاعد الحديث خلال الأسابيع الماضية، في ظل حرب تسريب المعلومات من الأطراف كافة، وضد بعضها البعض، عن تجدد رغبة الإمارات في ضم منطقة "أم سندم" العمانية إليها، في خطوة قد تفاجئ السلطنة والمجتمع الدولي، بعد وفاة السلطان قابوس وعودة الحديث عن حجم الاختراق الأمني الإماراتي لعمان الذي أوقفته من قبل شخصية قابوس وخبرته وعلاقاته الإقليمية والدولية الكبيرة. وما يمهد الأرض الخصبة لهذه الشائعات، سيطرة الإمارات على كل الموانئ المحيطة بالمنطقة، ما أدخل "رأس مسندم" العمانية بشكل فعلي، ولو بطريقة درامية، ضمن جيوب خريطة الإمارت بشكلها الحاليّ.

هذا الحصار على رأسم مسندم، جعل الإمارات عام 2018، تعلن خريطة تظهر منطقة رأس مسندم العُمانية ضمن حدودها، ما استفز عمان. وانتشرت العديد من الأنباء التي تزعم إرسال السلطنة رسائل تحذيرية شديدة اللهجة لأبو ظبي، ترفض فيها محاولة التعدي على تراثها وأراضيها وأمنها القومي، في ظل التوترات التاريخية والحساسية البالغة التي تسيطر على البلدين، لا سيما أن الإمارات كانت في إحدى مراحل التاريخ جزءًا من منطقة نفوذ دولة عمان القديمة وتثبت ذلك معظم الخرائط التاريخية للمنطقة.

ضمت الإمارات رؤوس جبال سلطنة عمان إلى الخرائط التي افتتحتها في متحف اللوفر بأبو ظبي العام قبل الماضي، وحدث ذلك في قت سمح للكثيرين بإزكاء نظرية المؤامرة، خاصة أن الخلافات كادت تعصف بدول الخليج، مما يعني أن اقتطاع محافظة كاملة من السلطنة وهي رأس مسندم، وضمها إلى الإمارات ولو افتراضيًا في خريطة اللوفر، يعد مبررًا كافيًا لإغضاب العمانيين، على المستوى الرسمي والشعبي، خاصة أنها لم تكن عملية الاقتطاع الأولى، وترجم هذا الغضب في الصحف وعلى مواقع التواصل الاجتماعي بأشد العبارات، بطريقة ربما أخرجت الدولة الخليجية التي كانت دومًا تتسم بالحياد عن ضبط نفسها المعهود.

تاريخيًا.. لماذا الصراع على منطقة رأس مسندم؟

منطقة رأس مسندم، تحمي الحدود الشمالية لسلطنة عمان، في ظل ارتفاع جبالها لأكثر من ألفي متر عن سطح البحر، وهي حاضنة مضيق هرمز (أحد أهم الممرات المائية الدولية في العالم، الواقع بين سلطنة عمان وإيران، ويربط الخليج العربي بخليج عمان وبحر العرب)، بما له من أهمية إستراتيجية في صناعة الطاقة بالعالم، وتضع منطقة رأس مسندم أحد خيوط إدارة الممر بين أيدي السلطنة، وتملك المنطقة إلى جانب الأهمية الإستراتيجية، مقومات ساحرة من عناصر الجذب السياحي، كما لا تبعد عن مسقط العاصمة بأكثر من 600 كيلومتر.

صورة
 

طوال تاريخ رأس مسندم، وهي شاهدة على حقب طويلة من الصراعات والمطامع، منذ حتى عهود إمبراطوريات التاريخ القديم والحديث، وهو سبب الحديث عنها بسخاء في كتب علماء الجغرافيا والطبيعة المعروفين، فقبل عام 1979، كانت "مسندم" عبارة عن منطقة تضم ثلاث ولايات هي خصب ودبا وبخا، وصدر لها مرسومًا سلطانيًا يقضى برفع درجتها إلى محافظة وأضيف إليها ولاية شناص التي تضم عددًا من الجزر المأهولة وغير المأهولة بالسكان، مثل جزيرة تلجراف.

دخلت المنطقة تعقيدات التاريخ الحديث، وخاصة بين الامارات وسلطنة عمان، حيث بقيت "مسندم" دائمًا محملة بالصراعات الجغرافية بين البلدين، المتصلة بالجغرافيا والسياسة، وإفرازات ما بعد الاحتلال والاستعمار للمنطقة بأكملها، التي ولدّت بحسب العديد من الباحثين عقدًا حدودية بين دول الخليج، وما زالت رأس مسندم تحيي الكثير من الخلافات خاصة بعد توقيع أبو ظبي ومسقط تسوية نهائية للحدود البرية عام 2008، وتبع ذلك خرائط موقعة تقر بالوضع الجديد، ولكن بقيت الحدود البحرية كما هي دون تسوية، لتبقى دائمًا النار تحت الرماد. 

تاريخيًا، ليس من السهل الفصل بين تاريخ البلدين، رغم الفصل بينهما بالفعل بواسطة الخطط الاستعمارية، حيث كانت الدولتان تحت السيادة الإنجليزية، وكانت بريطانيا تتحدث باسمهما سواء في المحافل الدولية أم خلال حل مشكلاتهما مع جيرانهما، لدرجة أنها دخلت في صراع مع السعودية لصالح البلدين في أزمة البريمي الشهيرة، عندما بدأ البحث عن النفط في مناطق شاسعة من شبه الجزيرة العربية.

المناطق الصحراوية التي لم تكن لها من قبل أي قيمة اقتصادية، أصبحت منذ ثلاثينيات القرن الماضي، مثار نزاعات بين الدول الثلاثة بسبب احتمال وجود نفط فيها، وظل الصراع مشتعلًا حتى أواخر الأربعينيات، حيث ادعت ملكية الواحات كل من إمارة أبو ظبي وسلطنة مسقط اللتين كانتا تحت الحماية البريطانية والمملكة العربية السعودية، وظلت قضية البريمي معلقة بين الأطراف الثلاث إلى أن اتفقت كل من السعودية والإمارات على إنهاء خلافاتهما بشأن المنطقة عام 1974، ولكن الخلافات بين الأخيرة وعمان لم تنته، وكان شاهدًا على ذلك رفض السلطان قابوس إرسال سفير لبلاده إلى أبو ظبي قبل تخطيط الحدود البرية والمائية أولًا مع بعض الإمارات التي لم تكن قد توحدت بعد في دولة واحدة.

صورة

الصراع الإماراتي العماني والأزمات النفسية بين البلدين، ظهرت واضحة في المباركة المتأخرة من السلطان الراحل قابوس بن سعيد للشيخ الراحل زايد بن سلطان آل نهيان، حيث قضى "بن سعيد" أسبوعًا في الإمارات عام 1989، متأخرًا نحو 18 عامًا عن إعلان زايد رئيسًا لدولة الإمارات العربية المتحدة التي ولدت فى أوائل السبعينات من سبع مشيخات، كانت فى قديم الزمان تابعة للتاج السلطاني العماني، وهي تهنئة تمت على طريقة "أن تأتي متأخرًا خير من أن لا تأتي أبدً"ا.

كان قابوس يحاول من خلال سياسته الدافئة، التقارب مع زايد، بعد أن وصل إلى نفوذ غير مسبوق، ليس فقط داخل مجلس التعاون الخليجي الذى يجمعهما بل وخارجه أيضًا، لدرجة جعلت كلمة رئيس الإمارات أعلى بكثير من كلمة بن سعيد، حيث كان يملك الأول المال والسلطان، بينما لا يتمتع السلطان قابوس إلا بالسلطان وحده، ولكن هذا لم يمنعه من التعامل باستقلالية عن الخليج، لقناعة راسخة داخله، أن سلطنته هي وحدها فى المنطقة التي تمتلك مواصفات الدولة، وهو ما كان يحمل بعض البلدان الخليجية على العمل بمعزل عن عمان وسياساتها.

لماذا عادت القضية للواجهة من جديد؟

منذ عام 2011، عادت التوترات الشديدة للعلاقات بين البلدين، بسبب اختراق أمني رفيع المستوى استهدف نقل خبر وفاة السلطان قابوس قبل أن يخرج من الدائرة الضيقة الأقرب إليه، خاصة أن وراثة السلطان الذي رحل دون أن يترك ذرية له، كانت تبدو مرشحة لشيء من التنازع والتصعيد بين الفرقاء في العائلة الحاكمة، بجانب اهتمام أبو ظبي بمعرفة أدق تفاصيل نظام الحكم في عمان وآلية العمل الحكومي والعسكري فيها، ولهذا اتهم مقربون من السلطة في مسقط، أبو ظبي تحديدًا بالوقوف وراء أحداث صحار التي شهدت احتجاجات ضد النظام السياسي ووصلت إلى العاصمة مسقط في فبراير 2011.

العلاقات بين سلطنة عُمان والإمارات تمر بمرحلة توتر مكتوم، قد يجدد الصراع القديم ويلقيه على السطح مرة أخرى

صعد أيضًا التوتر بين البلدين، عمل الإمارات في منطقة المهرة اليمنية التي تجمعها بالسلطنة روابط عائلية وقبلية تاريخية، واختراق هذه المحافظة من خلال الهلال الأحمر الإماراتي تحت غطاء العمل الإنساني بالكثير من المهام، لن يخدم إلا مناطق نفوذ الإمارات، وربما يكون ذلك سر تحرك أبو ظبي عسكريًا، وتدشين معسكر قوات النخبة المهرية، ما أدخل المنطقة سريعًا في سباق حملات تجنيس واسعة النطاق من الإمارات وسلطنة عمان على حد سواء.

واكب ذلك ما كشفته صحيفة "الأخبار" اللبنانية عن سقوط شبكة تجسس إماراتية جديدة بيد أجهزة الأمن العُمانية التي استطاعت كشف تفاصيل الشبكة وتحديد أسماء جميع الأفراد والشركات المتعاونة معها وتوقيف أفرادها، ما فتح الباب لتوتر كبير بين الطرفين، واستطاع السلطان قابوس بن سعيد احتواء الأزمة باجتماعات بعيدة عن الأضواء والإعلام، مع بعض الحكام في الإمارات، وخاصة المخالفين لحكام أبو ظبي ودبي.

العلاقات بين سلطنة عُمان والإمارات تمر بمرحلة توتر مكتوم، قد يجدد الصراع القديم ويلقيه على السطح مرة أخرى، لا أدل على ذلك من سرعة انتشار الشائعات ومقاطع الفيديو المنزوعة من سياقها (كفيديو تعمد سلطان عُمان الجديد هيثم بن طارق إهانة ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد) بين العمانيين والخليجيين عمومًا، ما يفضح الحساسية المفرطة بين البلدين وقناعة كثير من العمانيين أن الإمارات تتربص ببلادهم بعد وفاة السلطان قابوس.