تُعاني كتابة التاريخ في عالمنا العربي من عدة معوقات وصعوبات تجعل الإقدام على فتح بعض الملفات القديمة أو محاولة دراسة شخصيات كان لها أثر في الماضي مهمة عسيرة للغاية، فإضافة إلى غلبة السرد والفن الحكاية والرواية على جل الأعمال التاريخية، وغياب الدقة المنهجية والصرامة الموضوعية ونقص المعطيات التجريبية كتحليل الوثائق والخرائط ومقارنة الروايات الشفهية التي تناقلتها الذاكرة الفردية والجماعية، فإن الإشكال الحقيقي يكمن في أن أغلب الكتابات التي توثق لأهم المراحل التي عاشتها أغلب الدول العربية (الحقبة الاستعمارية) كانت بريشة المستشرقين وبذاكرة ضباط وجنرالات المستعمر المتقاعدين.

ومن هذا الجانب، فإن السلطان علي دينار (سودان) تعرض، بحسب مختصين، إلى مظلمة تاريخية كبرى باعتبار أن دراسة سيرته اقتصرت على رؤية أحادية للمستشرقين ورواية المستعمر البريطاني الذي لم يفرج عن الوثائق الرسمية أو مراسلات على علاقة بسياسة الرجل في تلك الفترة، إضافة إلى عدم إقدام المؤرخين السودانيين على نفض الغبار عن حقبة تاريخية مهمة عرفتها البلاد (الحكم الثنائي المصري الإنجليزي).

بداياته

ولد علي دينار بين عامي (1865 - 1870) ولم تشر الكتابات إلى نشأته وسنواته الأولى غير أن أول ظهور له كان في دارفور مع عمه أبو الخيرات في ظروف ما بعد إلغاء الزبير باشا عقب معركة منواشي لسلطنة دارفور وضمها للسودان المصري عام 1874 في عهد الخديوي إسماعيل، وبعد مقتل أبو الخيرات في ثورة أبو جميزة بالقرب من زالنجي، أصبح بعدها الأمير علي دينار الوريث المطالب بعرش دارفور ابتداءً من عام 1890 وكان عمره ما يقارب 25 عامًا.

ودينار في اللهجة المحلية تعني "هذه نار"، وتطلق على المحارب القوي والشجاع في الثقافات السودانية (رجل من نار)، فيما أكدت مصادر محلية أن والدة السلطان هي أول من أطلقت عليه الكنية لما يمتاز به من شدة وغلظة منذ صغره.

من جهة أخرى أرجع أحد أحفاد السلطان، الحسين عبد الرحمان علي دينار، في حديث لـ"نون بوست" أصل علي دينار إلى الهلاليين الذين زحفوا للسودان قادمين من تونس، مشيرًا إلى أن التاريخ المكتوب والمدون فيه الكثير من المغالطات، وأن أبناءه وأحفاده يحفظون سيرته بالتواتر إلى يومنا هذا.  

وبحسب المؤرخين، فإن السلطان علي دينار ظل يحكم إلى أن استشهد في معركة "برنجية" ضد الجيش البريطاني الغازي في الـ6 من نوفمبر/تشرين الثاني 1916، حين تمكنت طائرات الاستعمار من تشتيت قواته وقتله رفقة عدد من قادته ومرافقيه، بعد أن حافظ على استقلال دولته بعد سقوط الدولة المهدية لقرابة 20 عامًا.

دينار الحاكم

كان السودان بعد أن دخله الإسلام مقسمًا إلى ثلاث ممالك هي: الفونج وتقلي والفور (دارفور) واستطاعت مصر عندما دخلت السودان أن توحد هذه الممالك في نظام سياسي واحد، وتضيف إليها بعض الأماكن الأخرى في السودان.

وكان (الفور) الذين ينتمي إليهم علي دينار يقيمون جنوب غرب جبل مُرة بعد سيطرة المهديين على دارفور، وعندما توفي السلطان أبو الخيرات في ظروف غامضة عام 1890 كانت الحركة المهدية تسيطر على دارفور وكردفان، فطلب أمير هاتين المنطقتين من علي دينار المثول بين يديه في مقر رئاسته في الأُبَيْض والخضوع لأمير المهدية عبد القادر دليل في الفاشر عاصمة دارفور، إلا أن علي دينار كان قلقًا من هذا اللقاء وآثر أن يُبدي الخضوع للمهدية دون أن يلتقي بأمرائها، فيما أكدت تقارير أخرى أنه التقى بخليفة المهدي عبد الله التعايشي عام 1892 وبايعه، ثم ما لبث أن نجح في استعادة ملك أجداده بعد معركة كرري، وكان عمره حينها 33 عامًا، ونجح في بسط سيطرته على دارفور على الرغم من مقاومة قبائل الرزيقات وبني هلبة والزيادية والبرتي والمعاليا وغيرهم لحكمه.

منذ وصوله إلى العرش، اهتم علي دينار بتأسيس دولة دينية قوية قائمة على تعاليم الشريعة الإسلامية ونظام العدالة الاجتماعية، فنشر الخلاوي (مدارس قرآنية ظهرت أول مرة إبان حكم الشيخ عجيب المانجلك 1570 - 1611) ومراكز تحفيظ القرآن والمحاكم الشرعية ونظم إدارة الدولة ومؤسساتها.

عمل السلطان على تنويع مرجعيات مسؤوليه وانتماءاتهم بهدف الحفاظ على تماسك دولته واستقرارها، مستفيدًا من التنوع القبلي لتحقيق المصلحة العامة وذلك في جميع أركان وإدارات السلطنة، وتميزت فترة حكمه بالشمولية والتعددية وإشراك الجميع في الحكم.

على امتداد التاريخ القصير لحكم دينار، كان كيان السلطنة متماسكًا وكانت الإدارة في دارفور العمود الفقري لاستقرار السلطنة من خلال اللوائح والترتيبات، كما عمل السلطان علي دينار على تثبيت زعماء القبائل على قبائلهم وتكوين مجلس شورى ودار الافتاء والقضاء ومجلس الوزراء والمستشارين.

من جهة أخرى، كان حريصًا على انفتاح سلطنته على العالم الخارجي وتواصلها مع محيطها الإقليمي أو مع دول تجمعها روابط دينية كالخلافة العثمانية، وذلك رغم حرص حكومة السودان على الوقوف له بالمرصاد في أي خطوة يقوم بها في هذا الاتجاه، إذ رفضت محاولة السلطان نشر كتاب عن حياته بعنوان "العمران" في القاهرة سنة 1912، ولم توافق إلا على طباعة 6 نسخ فقط من الكتاب للاستخدام الشخصي خوفًا من انتشار اسمه أو تأثيره على باقي القبائل، فيما عمل الإنجليز على مراقبة حركاته وسكناته ومحاولة اتصاله بالصحف المصرية وخاصة جريدة "العمران" التي كان يُديرها عبد المسيح الأنطاكي، وكان دينار يدعمها بالمال.

تمكن سلطان دارفور من التواصل مع صحيفة "اللواء" التي كان يُصدرها الزعيم المصري مصطفى كامل ونشر مقالًا في 29 من يوليو/تموز 1900 بعنوان "علي دينار مسالم لا مستسلم"، ثم نشرت مقالًا آخر بعد عامين بعنوان "محاولة التدخل الإنجليزي في شؤون دارفور وفشلهم في ذلك".

رجل المحمل

لم يقتصر اهتمام السلطان علي دينار على تشييد حكم راشد في دارفور وإقامة دولة عادلة تنتشر في مرحلة ثانية في باقي مناطق السودان، بل تجاوزت مشاغله لتشمل أرض الحجاز وخدمة الحرمين الشريفين، فبعد تعطيل الإنجليز القافلة السنوية التي كانت تذهب من مصر إلى مكة المكرمة حاملة كسوة الكعبة، بادر السلطان بتسيير قافلة بديلة (محمل الحج)، وكانت مساعدات أهل دارفور تسمى (صرة الحرم) وتحتوي على المساعدات المادية التي يقدمها سلاطين الفور ومنهم السلطان على دينار، وهذه المساعدات كانت تنقل إما عبر مصر أو مباشرة عبر سواكن، ويتكون محمل (صرة الحرم) السلطان علي دينار في الغالب من منتجات دارفور إضافة إلى الذهب والفضة.

وإضافة إلى ذلك، أوعز السلطان دينار إلى جنوده بحماية وتأمين قوافل الحجيج القادمة من دول غربي إفريقيا نحو مكة، مارة بمدينة الفاشر عاصمة السلطنة، كما حفر السلطان آبارًا في الأراضي المقدسة لترتوي منها قوافل الحجيج، وبحسب المؤرخين، فإن الآبار الشهيرة التي يطلق عليها (أبيار علي) في الأراضي المقدسة تحمل اسم السلطان علي دينار.

مداهنة الإنجليز ودعم الخلافة

يُعتبر السلطان علي دينار من أواخر حكام العالم الإسلامي الذين قاوموا الزحف الاستعماري، مستخدمًا في ذلك مهاراته السياسية والدبلوماسية والعسكرية، حيث نجح في حمل الإدارة البريطانية على تبني أجندتها القائمة على إبعاد فرنسا من دارفور، وتوصل في عام 1910 إلى تهدئة مع فرنسا، ولكن الأخيرة لم تف بتعهداتها وهاجمت دارفور، الأمر الذي دفع بالحكومة البريطانية إلى الاقتراح على نظيرتها الفرنسية التحكيم الدولي لحسم تبعية دار تاما والمساليت والقمر لوداي أو دارفور، ولكن قبل أن تكتمل الإجراءات، انفجرت الحرب العالمية الأولى في أغسطس 1914 بين الحلفاء بريطانيا وفرنسا وإيطاليا والمحور ألمانيا وتركيا.

استغل السلطان علي دينار انشغال الإنجليز في الحرب العالمية الأولى ليمتنع عن إرسال الضريبة المقدرة بخمسمئة جنيه سنويًا، ونجح في تصنيع الذخيرة وضرب عملته الخاصة، كما عزز تواصله مع دولة الخلافة العثمانية، ودعم الحركة السنوسية رغم توجسه منها في بادئ الأمر عند توسعها في إفريقيا (تركيز الزوايا)، في مقاومتها للاستعمار الفرنسي في التشاد والإيطالي في ليبيا.

كما بعث رسالة إلى السلطان في الأستانة واصفًا فيها أوضاع المسلمين في دارفور جاء فيها: "انجبرنا على مواصلة دولة الإنجليز، وصرنا نعاملهم تارة بالمشاحنة معهم، وتارة في حفظ إيماننا وإسلامنا في بلادنا".

 

في مقابل ذلك، كتب وزير الحربية التركي أنور باشا خطابًا طويلًا لعلي دينار، مجده فيه ثم دعاه للثورة على بريطانيا والانضمام للكفاح المسلح ضد الكفار، فيما رد الإنجليز على ما سموه انقلاب السلطان علي دينار وتمرده عليهم بتأليب القبائل عليه لإضعاف سلطته تمهيدًا لحربه، إضافة إلى تسليحهم القبائل المعادية له كـ"الرزيقات"، لتنتقل بعد ذلك إلى المواجهة المباشرة معتمدةً لأول مرة الطيران الحربي في موقعة (برنجيه) التي أسفرت عن مقتل السلطان علي دينار على يد قوات "الرائد هدلستون".

 

وفي السياق ذاته، يقول عبده بدوي: "لقد كان السلطان عازمًا على السير شرقًا لوضع السودان جميعًا تحت سيطرته، وتخليصه من الحكم القائم، ولكن الإنجليزي ما يكادون يحسون بهذا حتى يرسلوا إليه حملة بقيادة (كلي باشا) ويثيرون عليه رجال الدين في الخرطوم، ويطلبون منهم الكتابة إليه في هذا الشأن فيسارعون بطلب دخوله في طاعة الحكومة، ولكنه كان مصممًا على تسوية جميع خلافاته مع الإنجليز".

التاريخ بعيون الغزاة

لم تقتصر سيطرة الاستعمار على حدود الجغرافيا ونهب الثروات الطبيعية واستعباد الشعوب، بل تجاوزته إلى التحكم في الهوية والثقافة عبر مناهج علم التاريخ والمؤرخين خدمةً لأغراضها وإدامة لاستيطانها واستمرارًا لسطوتها، ومن هذا الجانب عمل الإنجليز على تشويه صورة السلطان وإظهاره في شكل الديكتاتور المسلط سيفه على رقاب العباد، فيما قدمت نفسها وهي (الغازي) المخلص، فألصقت به الافتراءات والأراجيف وزيفت سيرته بعد موته.

الباحث في سيرة علي دينار، يلحظ أن أغلب المهتمين بدراسة تاريخه كانوا أجانب وتحديدًا من الإنجليز من أمثال آلن ثيوبولد في كتابه "علي دينار آخر سلاطين دارفور"، ورتشارد هيل في مؤلفاته عن الحكم التركي والمصري، وجورج ساندرسون "الصراع الأوربي على منابع النيل"، إضافة بيتر هولت الذي كتب عن الدولة المهدية ومقدمته في تاريخ السودان الحديث، وكتابيْ ريتشارد قريي وروبرت كولنز عن تاريخ جنوب السودان.

يرى بعض السودانيين أن المستشرقين اقتصروا في كتاباتهم على نشر شذرات من تاريخه التي ركزت على زوايا معينة أهملت فيها الجوانب المضيئة من مسيرة حكمه، في مقابل ذلك رموه بكل ما هو مشين، فهو في نظرهم متسلط وديكتاتور، فيما اقتصر اهتمام السودانيين على الاحتفال بالذكرى السنوية للسلطان، دون فهم المراحل الدقيقة التي مرت بها بلادهم إبان الاستعمار الإنجليزي والحكم الثنائي، وبات النشء في قطيعة مع ماضيه لا يعرفون عن رواد الحركة الوطنية والمقاومين إلا الاسم، وهو ما يُضعف انتماءهم ويباعد بينهم وبين تاريخهم.

وفي سياقٍ ذي صلة، أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال زيارته إلى السودان، حرص بلاده على ترميم قصر السلطان علي دينار الذي وقف مع الدولة العثمانية في حربها ضد الإنجليز، وكان المستعمر قد اتخذ من قصر السلطان مقرًا له، وتم الحفاظ عليه بعد استقلال البلاد كإرث وطني، ليتحول عام 1977 إلى متحف يؤرخ للسلطنة وحضارات السودان النوبية القديمة.

بالمحصلة، فإن السودانيين بحاجة إلى إعادة قراءة سيرة علي دينار وتجربته السياسية والدينية والثقافية والإدارية، والأهم من ذلك الوطنية، فالسلطان كان مستميتًا في الدفاع عن انتمائه إلى دينه في المقام الأول، ومبادئه حيث لم يرضخ لابتزاز الإنجليز لاستمالته واستعماله في نهب خيرات بلاده، واختار مقابل ذلك أن يكون العدو الأول للمستعمر والتضحية بسلطانه وحياته، كما يُمكن اعتبار تاريخ علي دينار منطلق لفهم ما يدور في الوقت الراهن في إقليم دارفور الذي يقبع تحت وطأة الانقسام والفوضى، ومن ثم حل مشاكله في إطار إقليمي بعيدًا عن التدخل الأجنبي.