نفذت السلطات المصرية حكم الإعدام شنقًا بحق 8 مواطنين، فجر الأربعاء 28 من أبريل/نيسان 2021، كانوا قد أدينوا في القضية المعروفة إعلاميًا باسم "قضية أحداث كرداسة" الخاصة باقتحام قسم شرطة كرداسة، بمحافظة الجيزة (جنوب القاهرة)، بحسب منظمة "نحن نسجل" الحقوقية.

المنظمة أشارت إلى أنه "تمّ نقل الجثامين من مجمع سجون وادي النطرون بعد التنفيذ، صباح الأربعاء في 4 سيارات إسعاف رفقة عدد كبير من سيارات الحراسة المشددة"، وإن لم تذكر أسماء من نفذ بحقهم هذا الحكم، إلا أن بعض الحسابات المنسوبة لحقوقيين نشرت أسماءهم.

تنفيذ حكم الأربعاء يعد استكمالًا لتنفيذ بقية الإعدامات فيمن بقي في القضية رقم 12749 لسنة 2013 (جنايات الجيزة)، التي كانت بدايتها الإثنين الماضي، 26 من أبريل/نيسان 2021 بإعدام 17 متهمًا شنقًا، الأمر الذي قوبل بانتقادات حقوقية متعددة لا سيما أن التنفيذ جاء في شهر رمضان، على عكس المعمول به في القضاء المصري.

وتعود تلك القضية إلى أغسطس/آب 2013 عقب فضّ اعتصامي رابعة والنهضة، وكانت محكمة جنايات القاهرة قد قضت بالإعدام شنقًا لـ20 متهمًا في إعادة محاكمتهم بالقضية، بدعوى قتل 14 شخصًا من أفراد وضباط الأمن إثر اقتحام قوات من الشرطة والجيش مدينة كرداسة، لضبط عدد من المتهمين في "قضايا عنف" في 19 من سبتمبر/أيلول 2013.

يذكر أنه خلال السنوات الماضية ناشدت الكثير من الهيئات الدولية والحقوقية النظام المصري باستبدال العمل بعقوبة الإعدام والاستعاضة عنها ببدائل أخرى مثل السجن والخدمة العامة استنادًا إلى قرار الأمم المتحدة يناير/كانون الثاني 2018 الذي دعا إلى وقف العمل بعقوبة الإعدام في جميع أنحاء العالم، وقد حظي هذا القرار بدعم 121 دولة، لكن القاهرة لم تستجب لتلك الدعوات.

مخالفات قانونية بالجملة

شابت عملية تنفيذ الأحكام حزمة من المخالفات القانونية والدستورية، وضربت ببعض المواد الثابتة في قانون الإجراءات الجنائية عرض الحائط، بحسب منظمة "اوقفوا عقوبة الإعدام في مصر" المستقلة، التي استعرضت في بيان صحفي لها نشرته على صفحتها على "فيسبوك" أبرز المخالفات التي تضمنها التنفيذ.

المخالفة الأولى تتعلق بعدم إخبار محامي المنفذ بحقه حكم الإعدام بموعد التنفيذ ولا حضوره لمقابلته قبل يوم التنفيذ بحسب المادة (474) من قانون الإجراءات الجنائية التي تنص على أنه "يجب أن يكون تنفيذ عقوبة الإعدام بحضور أحد وكلاء النائب العام ومأمور السجن وطبيب السجن أو طبيب آخر تندبه النيابة العامة، ولا يجوز لغير من ذكروا أن يحضروا التنفيذ إلا بإذن خاص من النيابة العامة. ويجب دائمًا أن يؤذن للمدافع عن المحكوم عليه بالحضور".

المخالفة الثانية خاصة بعدم إخبار أهله وذويه ومنعهم من مقابلة المتهمين يوم تنفيذ الحكم، بحسب المادة (472) التي تنص على أنّ "لأقارب المحكوم عليه بالإعدام أن يقابلوه في اليوم الذي يعين لتنفيذ الحكم، على أن يكون ذلك بعيدًا عن محل التنفيذ. وإذا كانت ديانة المحكوم عليه تفرض عليه الاعتراف أو غيره من الفروض الدينية قبل الموت، وجب إجراء التسهيلات اللازمة لتمكين أحد رجال الدين من مقابلته".

وأشارت المنظمة نقلًا عن محامي أحد المنفذ بحقهم الإعدام أن الأهالي عرفوا بتنفيذ الحكم من خلال مكالمة هاتفية من إدارة السجن تبلغهم فيها بالحضور لتسلم جثامين ذويهم من المشرحة، دون شرح أي تفاصيل تتعلق بعملية التنفيذ وبمخالفة المواد سالفة الذكر من القانون وهو الأمر الذي أثار الكثير من الانتقادات.

المخالفات التي شابت تلك القضية حذرت منها عدد من المؤسسات الحقوقية المصرية في بيان مشترك لها في الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2018 جاء فيه: "شابت القضية العديد من الخروقات القانونية، منها استجواب المتهمين دون حضور محاميهم داخل منطقة عسكرية، وإجبار عدد منهم على تقديم اعترافات حول واقعة الدعوى، وعدم تمكين المحامين من الاتصال بالمتهمين أثناء التحقيقات والمحاكمة، وعدم تمكينهم من تقديم الدفوع الكافية عن المتهمين، وبطلان إجراءات القبض والتفتيش لعدد من المتهمين، كما استند الحكم لتحريات أجهزة الأمن مجهولة المصدر دون سواها من أدلة، في ظل شيوع الاتهام وعدم بيان الأدلة تفصيلًا، وهي الانتهاكات التي تخل بحقوق المتهمين وضمانات المحاكمة العادلة الواجب توافرها، خاصة في القضايا التي تقضي بإهدار الحق في الحياة ويتم الحكم فيها بالإعدام".

واختتمت المنظمة بيانها بالتأكيد على أن "مسلك وزارة الداخلية في هذا الشأن مخالفًا للحق في إتاحة المعلومات وتداولها والحق في المعرفة وهو ما يضرب شفافية ونزاهة منظومة العدالة الجنائية في مصر في ملف الإعدامات"، هذا بخلاف تنفيذ أحكام الإعدام بهذا الحجم في شهر رمضان قائلة "العرف قد جرى أن قطاع مصلحة السجون بوزارة الداخلية لا ينفذ أحكام بالإعدامات خلال شهر رمضان، بينما وفقًا لقاعدة بيانات الخاصة بتنفيذ الإعدامات Death Penalty Index فإنه منذ رمضان الموافق ميلاديًا عام 2011 وحتى رمضان الحالي فإن وزارة الداخلية قامت بتنفيذ حكم الإعدام فقط بحق ثلاثة مواطنين في رمضان الموافق ميلاديًا عام 2019، فالصيام من الشعائر الدينية الهامة نظرًا لأهميته الروحية للكافة وأيام الصيام لها قدسية خاصة لمختلف الطوائف الدينية".

يذكر أن أول حكم صدر في تلك القضية كان في مايو/آيار 2015 حين أصدرت الدائرة الخامسة برئاسة المستشار محمد ناجي شحاتة المعروف باسم "قاضي الإعدامات" حكمًا بإعدام 188 شخصًا (149 حضوريًا و34 غيابيًا) في قضية اقتحام ديوان شرطة كرداسة، لكن محكمة النقض ألغت هذا الحكم في فبراير/شباط 2016 وقضت بإعادة المحاكمة أمام دائرة أخرى.

وفي 2 من يوليو/تموز 2017 أصدرت المحكمة برئاسة محمد شيرين فهمي حكمًا بإعدام 20 متهمًا، وهو الحكم الذي أيدته محكمة النقض في 24 من سبتمبر/أيلول 2018، لتصبح بذلك الأحكام نهائية باتة واجبة النفاذ، رغم التقارير الحقوقية المقدمة التي تفيد ببطلان المحاكمة وعدم توافر الأدلة الثبوتية.

ما علاقة مسلسل "الاختيار2"؟

البعض ربط بين تنفيذ تلك الأحكام في هذا التوقيت ومسلسل "الاختيار2" الذي يذاع في رمضان على الشاشات المصرية، الذي تطرق في بعض حلقاته إلى قضية اقتحام مركز شرطة كرداسة، بجانب مذبحتي فض اعتصامي رابعة والنهضة.

المسلسل الذي جيش له النظام أسطولًا هائلًا من اللجان الإلكترونية والوسائل الإعلامية للترويج له وتسويقه شعبيًا، نجح في استعادة أجواء الدم مرة أخرى رغم مرور ما يقرب من 7 سنوات على تلك الأحداث، الأمر الذي أحدث انقسامًا مجتمعيًا كبيرًا بين المؤيدين لما تم عرضه والمعارضين، وهو ما تكشفه ردود الفعل على منصات السوشيال ميديا.

فالعمل الذي اكتفى بعرض وجهة نظر النظام في تلك الجرائم والوقائع التي خضعت لخيال المؤلف وأجندة المنتج (شركة سينرجي التابعة لجهاز المخابرات العامة) استطاع أن يحدث شرخًا مجتمعيًا كبيرًا حاول جميع الأطراف تسكينه على مدار سنوات، وهو ما دفع للتساؤل عن دوافع هذا الإحياء مرة أخرى.

في تقرير سابق لـ"نون بوست" أشرنا إلى أن إستراتيجية تعامل نظام السيسي مع المشهد المصري منذ توليه مقاليد الأمور عمليًا في 2013 ورسميًا في 2014، اعتمدت بشكل أكبر على سياسة تكريس الخصومة بين مكونات الشعب الواحد والإمعان في تعزيز الاستقطاب وتعميق حالة الانقسام المجتمعي هي الورقة الرابحة التي رسخت أركان النظام طيلة السنوات الماضية.

وتوصل التقرير إلى أن الانقسام وهو المشروع السياسي الأكثر حضورًا في المشهد على مدار السبع سنوات الماضية، الذي يُنفق عليه ببذخ شديد، بات "التوجه السياسي الجديد لنظام السيسي، القائم على تفتيت قوى الشعب وبث روح الفتنة بين تياراته بين الحين والآخر".

وعليه لم تجد السلطات فترة تجييش معنوي ضد التيارات الإسلامية والمعارضين لتنفيذ أحكام الإعدام بحقها أفضل من هذا التوقيت (توقيت عرض المسلسل) حتى لو كان ذلك في رمضان، علمًا بأن هذا التصعيد الذي يغذي روح الكراهية هو الضمانة الأكثر تأثيرًا (بالتجربة) لبقاء نظام السيسي في الحكم رغم فشله على كثير من المسارات.

ماذا عن سد النهضة؟

إثارة ملف الإعدامات في هذا التوقيت، بالتزامن مع تكريس الانقسام المجتمعي من خلال عمل درامي أبعد ما يكون عن التوثيق، سياسة تهدف في المقام الأول توجيه الرأي العام لخلافات جانبية، بعيدة تمامًا عن القضية الوجودية التي تهدد حياة 100 مليون مصري، وهي الأمن المائي الذي بات مهددًا بسبب "سد النهضة".

يواجه نظام السيسي وتحديدًا منذ توقيع اتفاق "إعلان المبادئ" مع إثيوبيا والسودان في 2015 انتقادات لاذعة، لا سيما أن هذا الاتفاق بات المرجعية القانونية والدستورية لأديس أبابا لبناء السد والحصول على التمويل المالي المناسب من كل المنظمات والدول.

الأزمة تعاظمت مع الحديث عن الملء الثاني للسد رغم الوعود المتكررة من المفاوض المصري بأن كل شيء تحت السيطرة، وهو ما وضع النظام الحاليّ في مأزق كبير ثنائي الجبهة، داخليًا وخارجيًا، الأول بسبب خطاب التطمين الشعبي المتبع خلال السنوات الماضية، والثاني جراء توقيع الاتفاقية التي باتت مرجعًا للإثيوبيين في إكمال البناء وضمانة قانونية لهم أمام المنظمات الدولية.

وفي تلك الوضعية الحرجة التي يعاني منها النظام والمتزامنة مع تصاعد الاحتقان الشعبي جراء حزمة الضرائب والرسوم (غير المسبوقة في تاريخ البلاد) التي فرضت على الشعب خلال الأعوام الماضية، كان لا بد من تقديم جرعة وطنية تعوض هذا التراجع، وتعيد الأمور إلى ما كانت عليه.

ليس هناك شك في امتلاك نظام السيسي قدرة كبيرة على توجيه الرأي العام وإعادة تشكيله وإلهائه عن القضايا الحيوية والزج به في خلافات تافهة، وذلك بما لديه من جيش جرار من الإعلام واللجان الإلكترونية، التي تسعى بين الحين والآخر لمعالجة الفشل في إدارة بعض الملفات إلى خلق معارك وهمية ينفس فيها الشعب غضبه ويهدر فيها طاقته.

وفي الأخير.. فإن جريمة تنفيذ حكم الإعدام بحق المعارضين في رمضان ليست الواقعة الأولى للسلطات الحاليّة في هذا الشهر الفضيل، فسبق أن استهدفت قوات الأمن عشرات التجمعات والاعتصامات في نهار وفجر رمضان، ما يؤكد أن الفجوة بين المبادئ والمواثيق الحقوقية وما يمارس في مصر تستمر في التوسع.