"مسلسل واحد مش هيكفي ولا 2 ولا 3 ولا 4".. كان هذا تعليق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته التي وجهها لفناني مسلسل "الاختيار"، على هامش الندوة التثقيفية للقوات المسلحة بمناسبة ذكرى حرب أكتوبر، العام الماضي، مطالبًا بتكثيف مثل هذه النوعية من الأعمال، تليفزيون كان أو سينما.

وكعادة تصريحاته التي سرعان ما يتعامل معها المريدون على أنها نصوص يجب أن تتحول إلى لوائح وقوانين وخطط للتنفيذ، تم إنتاج الجزء الثاني من هذا العمل تحت مسمى "الاختيار 2" الذي يعرض منذ بداية شهر رمضان الحاليّ على عدد من القنوات المصرية.

حالة من الجدل أثارها الجزء الثاني لهذا المسلسل في حلقاته الأولى، لا سيما أنه يتناول دراميًا بعض الأحداث الحقيقية التي لا تزال آثارها غائرة في قلوب وعقول أصحابها وذويهم، أبرزها أحداث فض اعتصام رابعة والنهضة، وهي الجريمة التي فضحتها المنظمات الحقوقية بعشرات التقارير التي كشفت أنها واحدة من أكثر الجرائم ضد الإنسانية وحشية في تاريخ مصر الحديث، فيما تباينت التصريحات بشأن ضحاياها، بين عدة آلاف وفق رواية المنظمات الحقوقية، والمئات وفق الرواية الرسمية.

حزمة من التساؤلات تطل برأسها باحثة عن إجابة بشأن هذا العمل الذي أنتجته الشركة المتحدة للإعلام، التابعة لجهاز المخابرات العامة المصرية، بميزانية مفتوحة، في وقت تعاني فيه الدولة من أزمة اقتصادية حادة من جانب، وحالة من القلق على مستقبلها المائي من جانب آخر.

هل يعد المسلسل توثيقًا تاريخيًا؟

شتان شتان بين الفن والتوثيق، فليس كل عمل يتناول حدثًا تاريخًا أو مرحلةً زمنيةً معينةً يطلق عليه توثيقًا أو تأريخًا لها، فللأعمال الوثائقية أبجديات وشروط محددة وصعبة، لا يمكن سحبها على أعمال درامية تلتزم بسرديات العمل من بداية وحبكة ونهاية وفق سريالية فنية تشويقية للمشاهد.

القائم بالأعمال الوثائقية لا بد أن يكون طرفًا محايدًا عن أطراف المادة الخاضعة للتوثيق، وإلا سيفتقد العمل للحيادية والموضوعية والنزاهة وهي على رأس الشروط الواجب توافرها في مثل تلك الأعمال، كما أن الحدث نفسه لا بد أن يكون قد خضع للدراسة والتقييم من خلال مرور فترة زمنية مناسبة على حدوثه.

الفترة التي تطرق لها مسلسل الاختيار لا تتعدى 8 سنوات، كما أن تأثيرها ما زال ممتدًا في ظل التقارير والاتهامات الموجهة للمتورطين في جريمة الفض، من الطرفين، فضحايا الاعتصام من المدنيين لديهم قضاياهم الخارجية، كما أن الضحايا من الشرطة لهم قضاياهم يُحاسب عليها مئات المصريين القابعين اليوم في السجون بدعوى التورط في تلك الأحداث.

يمتلك النظام الحاكم في مصر قدرةً فائقةً على توجيه دفة الرأي العام بما لديه من جيش جرار من الإعلام واللجان الإلكترونية، وينشط هذا الجيش خلال أوقات الأزمات

هذا بخلاف مخالفة الكثير من التفاصيل التي نقلها العمل للواقع الفعلي، كما هو حال المرأة المتهمة بقتل مأمور قسم كرداسة (الجيزة)، فقد كشف العمل أنها سقت الضابط ماء نار على أنها مياه عادية، الأمر الذي أدى لوفاته، وهو ما نفاه البعض، على رأسهم الحقوقي هيثم أبو خليل الذي كتب على صفحته على فيسبوك أن أوراق القضية التي تحاكم فيها تلك المرأة (وحكم عليها بالإعدام خُفف للمؤبد 25 عامًا) لم تشر بأي حال من الأحوال لتلك الواقعة.

وعليه فإن التأريخ لهذه الفترة الكارثية دراميًا في ذروة تفاعلاتها مغامرة لا علاقة لها بالفن ولا التوثيق، ومن ثم فإن العزف على وتر أن هذا العمل توثيقًا لتلك المرحلة (من 2013 حتى اليوم) توصيف خاطئ من الناحية الموضوعية، وهو ما ينقلنا للسؤال الثاني: ما الهدف؟

ما الهدف من هذا العمل؟

العام الماضي حرص الجزء الأول من العمل على تلميع صورة المؤسسة العسكرية وتصويرها بأنها الوحيدة التي حملت على عاتقها مهمة إنقاذ البلاد من آتون حرب أهلية غير معلومة المدى، هذا بخلاف اختصار رمزية الدولة في كيانها العسكري فقط، بجانب شيطنة كل من يفكر في معارضة النظام ونعته بتهم الإرهاب والتطرف.

أما الجزء الثاني الذي يعرض حاليًّا، فلا يعدو كونه دراما تليفزيونية كما أشرنا آنفًا، يقدمها أصحاب خيال مبدعون، وبشكل دقيق يمكن القول إن هذا العمل ترجمة درامية خيالية لكلمات السيسي ورموز نظامه عن الأدوار البطولية للمؤسسة الأمنية في التصدي لدولة الخلافة التي كان يريدها الإسلاميون على حد قولهم.

وعليه فإن المشاهد أمام نوع جديد من الدعاية السياسية المباشرة والواضحة، لكن بشكل أكثر فجاجة مما هو معتاد، إذ استطاع توظيف الحدث بشكل سياسي محكم، مستخدمًا عدد من مشاهير النجوم بجانب استخدام لغة الإبهار في التصوير والإخراج والإنتاج في ظل ميزانية مفتوحة.

تتعاظم الدعاية السياسية لهذا العمل من خلال رغبة القائمين عليه (الشركة المنتجة التابعة للمخابرات) في اختراع ذاكرة مجتمعية جديدة، دعائمها الأساسية النظام والرئيس والمؤسسة العسكرية، وتجميل صورتهم بشكل لا يمكن منافسة أي تيار آخر لهم، تزامنًا مع إشعال النار في الذاكرة المعاصرة كون الأحداث التي تناولها العمل ما زالت حية وتفاصيلها محفورة في ذاكرة المجتمع.

لماذا في هذا التوقيت؟

يمتلك النظام الحاكم في مصر قدرةً فائقةً على توجيه دفة الرأي العام بما لديه من جيش جرار من الإعلام واللجان الإلكترونية، وينشط هذا الجيش خلال أوقات الأزمات، وحين يتعرض النظام لهجوم وانتقادات شعبية بسبب فشله في أي من الملفات الداخلية كانت أو الخارجية، وهو ما يعرف بين المصريين بسياسة "بص للعصفورة".

السلطات الحاكمة في البلاد تواجه انتقادات لاذعة خلال العامين الماضيين تحديدًا بسبب الإدارة الفاشلة لملف سد النهضة، وهو الملف الذي يضع حياة 100 مليون مصري على المحك بسبب تهديد مستقبلهم المائي، تعاظمت تلك الانتقادات مع بدء أديس أبابا الملء الأول للسد، ثم تعمق القلق أكثر مع الحديث عن الملء الثاني رغم الوعود المتكررة من المفاوض المصري بأن كل شيء تحت السيطرة.

يعود الهجوم على السيسي كونه من أعطى الجانب الإثيوبي شرعية بناء السد بعد توقيع اتفاقية إعلان المبادئ في الخرطوم 2015، وهي الاتفاقية التي يستند إليها الجانب الإثيوبي في مسيرته نحو إكمال عملية البناء والتعبئة العامة للمياه، ضاربًا بكل التحفظات المصرية والسودانية عرض الحائط.

بات جليًا أن الانقسام هو المشروع السياسي الأكثر حضورًا في المشهد على مدار السبع سنوات الماضية، الذي يُنفق عليه ببذخ شديد، ويتم تجييش كل الأدوات السياسية والأمنية والإعلامية والفنية لتعميقه بصورة فجة

وأمام هذا الهجوم تراجعت شعبية النظام بشكل لافت للنظر، وهو ما يمكن تلمسه بسهولة، وعليه كان لا بد من تقديم جرعة وطنية تعوض هذا التراجع، وتعيد الأمور إلى ما كانت عليه، خاصة أن ذلك تزامن مع موجات متتالية من الضغط على الشعب من خلال حزمة ضرائب ورسوم وجباية غير مسبوقة في التاريخ المصري.

القوة التي يدير بها النظام المصري ملف الدراما ومحاولة تجميل الصورة ومساعي احتكار الدعم الشعبي من خلال العزف على أوتار مشاعره الوطنية، كانت مثار سخرية لدى كثير من المواطنين الذين يزداد قلقهم يومًا تلو الآخر بشأن أمنهم المائي في الوقت الذي يختلق فيه النظام معارك درامية وهمية لا علاقة لها بقائمة الأولويات.

وهنا تساءل البعض: ماذا لو أخذ السيسي ملف سد النهضة بالقوة ذاتها التي يخوض بها معركة المسلسلات خلال الأعوام الثلاث الماضية تحديدًا؟ لا سيما أن معركة السد تمثل الآن معركة المصير والقضية الوجودية لمصر، دولة وشعبًا، إذ باتت هبة النيل على مشارف العطش إن لم تردع أبناء الحبشة الذين يصعدون يومًا تلو الآخر فيما يكتفي أبناء النيل من المصريين والسودانيين بالتصريحات الإعلامية التخديرية التي تخاطب الداخل في المقام الأول.

ما النتائج المترتبة على ذلك؟

رغم أن مرور 8 سنوات على هذه الواقعة وقت ليس بالطويل للنسيان، خاصة إن كان الثأر دمًا، لكن كثيرًا من أطرافه وضحاياه حاولوا قدر الإمكان التعايش مع الواقع الجديد بأبجديات هادئة نسبيًا، تجنبًا لأي تصعيد أو تفاعل مع النيران القلبية المشتعلة جراء تلك الجريمة، يمكن أن يترتب عليها جريمة جديدة، والحديث هنا عن الطرفين معًا.

حين عُرض الجزء الأول من المسلسل العام الماضي، كان له تبعات سلبية في المقام الأول، أبرزها تعزيز الانقسام المجتمعي، رغم أن المضمون كان يتعلق بقضية ربما يجمع عليها الكثيرون من الجانبين، وهي محاربة الجماعات المتطرفة في سيناء، لكن التحابيش الدرامية التي أدخلها القائمون على العمل ومحاولة سحبه على الإسلاميين وجماعة الإخوان تحديدًا، ونعت أي صوت معارض بالإرهابي الواجب التصدي له، كان البارود الذي أحرق أغصان الزيتون.

ثم جاء الجزء الثاني ليصل إلى حد التماس الجلي مع أحداث صنفت بأنها "وصمة عار في جبين الدولة المصرية"، لينتقل الأمر من قضية جدلية إلى حد الاشتباك المباشر، فشخوص الواقعة ما زالوا أحياءً، وشهادتهم الحية لم تزل موجودة وسهل الحصول عليها، والتقارير الواردة بشأنها لا تعد ولا تحصى.. كلها تشير إلى أن ما حدث جريمة دامية ومحرقة العصر الحديث.

وبينما يعزف العاقلون في هذا البلد على وتر اللحمة الوطنية وتوحيد الكلمة من أجل التصدي للتحدي الأخطر الذي يهدد مستقبل ملايين المصريين، وتنحية الخلافات السياسية جانبًا، كون هذا الملف يمس الدولة لا النظام، الشعب لا الحكومة، إذ بهذا العمل يأتي ليعيد الجميع إلى النقطة صفر مرة أخرى.

أهالي ضحايا تلك المجزرة، سواء من المدنيين أم رجال الأمن، جلسوا جميعًا كأن على رؤوسهم الطير، يشاهدون دراما من نوع خاص، تستعيد الماضي الدموي المتناسى ولو مرحليًا، لتصدره للمشاهد وكأنه حدث اليوم، لتُجدد الآلام وتُحيي الجراح وتُغذي شريان الانتقام ومستنقعات الاحتقان بين الطرفين.. ليبقى السؤال الأخير: من المستفيد من تلك الوضعية؟

من المستفيد من هذا الانقسام؟

"فرق تسد"، يعكس هذا المصطلح السياسي العسكري الاقتصادي إستراتيجية تعامل نظام السيسي مع المشهد المصري منذ توليه مقاليد الأمور عمليًا في 2013 ورسميًا في 2014، إذ كانت سياسة تكريس الخصومة بين مكونات الشعب الواحد والإمعان في تعزيز الاستقطاب وتعميق حالة الانقسام المجتمعي هي الورقة الرابحة التي رسخت أركان النظام طيلة السنوات الماضية.

وبات جليًا أن الانقسام هو المشروع السياسي الأكثر حضورًا في المشهد على مدار السبع سنوات الماضية، الذي يُنفق عليه ببذخ شديد، ويتم تجييش كل الأدوات السياسية والأمنية والإعلامية والفنية لتعميقه بصورة فجة، فترى السلطات في ذلك ضمان بقائها.

هذا التوجه السياسي الجديد لنظام السيسي، القائم على تفتيت قوى الشعب وبث روح الفتنة بين تياراته بين الحين والآخر، دفع البعض إلى القول إنه بات الغاية والوسيلة معًا، فالنظام يرى في أي وحدة كانت بين مكونات المجتمع المصري المتمايزة (إسلاميين - ليبراليين - اشتراكيين - رأسماليين - علمانيين.. إلخ) تهديدًا قد يؤثر على استمراره خاصة في ظل حالة الفشل التي يعاني منها في الملفات المصيرية للدولة.

التاريخ يكتبه المنتصر، بشروطه ورؤيته دون ترك أي مساحة للطرف الضعيف الذي تحول إلى مسرح كبير يستعرض المنتصر عليه بطولاته، حتى لو كانت من نسج الخيال

وأمام تلك المعضلة، كان لا بد بين آن وآخر، من سكب الزيت على النار، من خلال استدعاء أحداث الماضي لتوظيفها سياسيًا من أجل تجييش مشاعر الغضب والاحتقان مرة أخرى، والعودة مجددًا للعصر الذهبي للجنرال، حين كان قادرًا على تحريك الشارع مستغلًا حالة التضليل والتدليس السياسي والتاريخي، ومن ثم أمرهم بالنزول لتفويضه لمحاربة ما أسماه الإرهاب، فكانت الاستجابة السريعة، لكن الوضع اليوم لم يعد كما كان، وهو ما يمثل قلقًا للرئيس ورفاقه.

اللافت للنظر أنه رغم التضخيم والتهويل والتفخيم من العمل وسردياته الفنية والسياسية والإنسانية، فإنه لم يحقق الهدف المنشود منه بالشكل المؤمل، إذ أحيت تلك المشاهد رغبة الفضول التي ظن البعض أنها ماتت بداخله، ليعيد البحث مجددًا عن الواقعة وتفاصيلها، ليُصدم بالتقارير الحقوقية الدولية والمواد الوثائقية التي نقلت التفاصيل بالصوت والصورة من موقعها دون أي تدخل تمثيلي أو محاكاة للواقع، وهو ما سيضع هذا الملف تحت بؤرة الضوء مرة أخرى.

يذكر أن منظمة "هيومن رايتس ووتش" نشرت تقريرًا عن المذبحة بعد عام على مرورها، في أغسطس/آب 2014، وثقت خلاله تفاصيل بعض ما جرى في هذا اليوم التي وصفتها بأنها "واحدة من كبرى وقائع قتل المتظاهرين في العالم في يوم واحد، في التاريخ الحديث".

التقرير كشف ضلوع قوات الأمن المصرية، الجيش والشرطة، في جرائم القتل التي حدثت، كما لفت إلى وجود أدلة قوية تشير إلى تعمد الأمن إشعال الحرائق في منصة رابعة والمستشفى الميداني ومسجد رابعة، هذا بخلاف تنفيذ إعدامات ميدانية ضد المعتصمين الذين تم إلقاء القبض عليهم.

باحثو المنظمة وثقوا بالدليل - بحسب التقرير - فتح قوات الأمن "النيران على المتظاهرين باستخدام الذخيرة الحية، فقتل المئات بالرصاص الموجه إلى رؤوسهم وأعناقهم وصدورهم"، كذلك "استخدام القوة المميتة دون تمييز، إذ كان القناصة المتمركزون داخل ناقلات الأفراد وبجوارها يطلقون أسلحتهم على حشود كبيرة من المتظاهرين، قال عشرات الشهود أيضًا إنهم شاهدوا قناصة يطلقون النيران من مروحيات فوق منطقة رابعة".

في المحصلة.. فإن التاريخ يكتبه المنتصر، بشروطه ورؤيته دون ترك أي مساحة للطرف الضعيف الذي تحول إلى مسرح كبير يستعرض المنتصر عليه بطولاته، حتى لو كانت من نسج الخيال، لكن وكما يقول علماء الاجتماع فإن تبعات ذلك كارثية على المدى البعيد.