في مقال نشرته صحيفة الشرق المقربة من التيار الإصلاحي، تحدثت فيه عن التسريبات الخاصة لوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، وقالت إن من يقول إن هناك إهانات وجهت لقائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني والحرس الثوري، يبدو أنه لم يطلع على الواقع الإيراني بعد، فالسيد ظريف لم يكشف شيئًا خفيًا، وأثار ما هو واضح للرأي العام الإيراني، فضرورة الدفاع المقدس كانت الأولوية في كل شيء للحرس الثوري، وهي أولوية مقدمة على إطعام الناس بعد تلبية احتياجات الجبهة والحرب، وما قاله وزير الخارجية أمر طبيعي، الدبلوماسية في خدمة الساحة والميدان، وهذا لا علاقة له بالحرس الثوري والجيش وما إلى ذلك، لكن لحظات الوجود في الميدان تحدد المستقبل.

في مقابل ذلك، ادعت صحيفة كيهان الأصولية في مقال بعنوان "لماذا لم ينتج عن الاتفاق النووي سوى الضرر؟"، أنه في الملف الصوتي يدعي ظريف أن الإجراءات الإقليمية لإيران عطلت العملية الدبلوماسية، بما في ذلك عملية الاتفاق النووي، من خلال إحداث دبلوماسية ميدانية مزدوجة زائفة.

يأتي هذا الادعاء السخيف في وقت ملأت فيه الإجراءات الإقليمية لإيران والسلطة المتنامية لجمهورية إيران الإسلامية أيدي المفاوضين بمن فيهم السيد ظريف نفسه على طاولة المفاوضات، بعبارة أخرى أدت الإجراءات الأمنية لرجال الميدان إلى زيادة قوة إيران الناعمة والصلبة، وعززت دور الجمهورية الإسلامية في العلاقات الإقليمية والعالمية، سؤال واحد: ما هذا الاتفاق الذي لا يشترطه محاربة داعش والجماعات الإرهابية الأخرى في المنطقة؟!

وفي هذا الإطار، يشير الانقسام الحاليّ في الداخل الإيراني إلى دخول التيارات المتصارعة في الساحة السياسية الإيرانية حالة الاستعداد للانتخابات الرئاسية مبكرًا، عبر الشروع في عملية هندسة الشارع الإيراني ضمن توجه سياسي معين، قد يخدم المحافظين أو الإصلاحيين.

بالنسبة للمحافظين، فإن المشاركة المنخفضة ستكون مفيدة، فقد حولت الطبقات الوسطى والعليا في المناطق الحضرية والمتعلمة في إيران، الانتخابات مرارًا وتكرارًا إلى الإصلاحيين عندما شاركوا في الانتخابات، كما حدث في انتصارات روحاني الانتخابية عامي 2013 و2017، في حين فاز المحافظون عندما بقيت هذه الطبقات الانتخابية مقاطعة إلى حد كبير، كما حدث في انتخابات 2005 الرئاسية وانتخابات 2020 التشريعية، وعلى الرغم من مكانتهم العامة الضعيفة، فإن المحافظين يتمتعون بنفوذ كبير على التليفزيون الحكومي والموارد الحكومية الأخرى، التي تُستخدم في تقديم خطاباتهم السياسية ورواياتهم المفضلة.

سيبدأ الموسم الانتخابي في إيران الأسبوع المقبل، فعلى الرغم من أن موعد الانتخابات الرئاسية هو 18 من يونيو/حزيران المقبل، فإن المرشحين للانتخابات الرئاسية سيبدأون عملية التسجيل لدى وزارة الداخلية في 11 من مايو/أيار، وهي عملية تستمر خمسة أيام، ويتبعها عملية فحص من مجلس صيانة الدستور، وهو مجلس مفوض دستوريًا، يتألف من 12 عضوًا من رجال الدين والقانونيين، ولن يصبح أي مرشح مؤهلًا لخوض السباق الانتخابي حتى يجتاز عتبة هذا المجلس.

الهجمات التي يتعرض لها الوزير ظريف على خلفية التسريب الصوتي، ليست الأولى من الحرس الثوري والتيار المحافظ

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن الانتخابات هذا العام تأتي في أعقاب نسبة مشاركة منخفضة قياسية في الانتخابات العامة في 22 من فبراير/شباط 2020، ما دفع الكثيرين للاعتقاد أن النظام السياسي يواجه أزمة شرعية كبيرة، بسبب المقاطعة الكبيرة للانتخابات العامة، فلم تتجاوز نسبة المشاركة 20% من إجمالي الناخبين.

الهجمات التي يتعرض لها الوزير ظريف على خلفية التسريب الصوتي، ليست الأولى من الحرس الثوري والتيار المحافظ، اللذين يبدوان حريصين على حسم السباق الرئاسي مقدمًا، سواء لمرشح التيار المحافظ المحتمل إبراهيم رئيسي أم لمرشح الحرس الثوري المحتمل الجنرال سعيد محمد.

فسبق وأن عرض التليفزيون الحكومي الموسم الجديد من مسلسل Gando، وهو مسلسل تجسس تشويقي، يُظهر الوزير ظريف كرجل ضعيف تتلاعب به أجهزة الاستخبارات الأجنبية، لكن قد تكون أهداف العرض أكثر جرأةً، فالهدف ليس فقط تدمير شخصية ظريف، وإنما مدرسته الفكرية أيضًا، أي دعمه المستمر للحوار والعلاقات مع الغرب.

رغم اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية، فإن المثير بالأمر أن خيارات المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي ما زالت غير واضحة، وتحديدًا أي من المعسكرين سيدعم، لأسباب داخلية وخارجية، ورغم أن المؤشرات تدل أنه سيدعم مرشح غير إصلاحي، فإنه حتى في هذا الإطار سيواجه مشكلة حقيقية، وهي أي من المرشحين سيدعم، محافظ أم ثوري، فالمرشد الأعلى ومع دخوله الـ82 من عمره، يبدو أنه يفكر فيما هو أبعد من اختيار رئيس لإيران، هو يفكر بمستقبل ولاية الفقيه من بعده، رئيس قادر على حفظ التوازن الداخلي في إيران في حال أي غياب مفاجئ له.

ورغم أن أغلب استطلاعات الرأي تشير إلى أن بوصلة خامنئي ستدور نحو رئيسي بالنهاية، لأسباب جوهرية وموضوعية، أهمها أنه الوحيد القادر على ضبط إيقاع العلاقة بين المؤسسات الإيرانية، وكذلك في قدرته على امتصاص أي ردة فعل داخلية في حالة ما إذا كان الوريث ابنه مجتبى خامنئي، فمن غير الواضح ما إذا كان رئيسي سيشارك، فهناك العديد من الأشخاص الآخرين الذين يسعون لكسب أصوات المحافظين، بما في ذلك الثوري سعيد محمد.

وعلى الجانب الآخر، أعلن النائب السابق المعتدل علي مطهري الذي دعا إلى زيادة الانفتاح السياسي، أنه سيترشح، وكذلك مصطفى تاج زاده المعارض الإصلاحي البارز الذي قضى سبع سنوات في السجن، أو ربما علي أكبر صالحي، رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، كما لا يزال من الممكن استبعاد أي منهم من مجلس صيانة الدستور الذي ستكون له الكلمة الأخيرة.

إجمالًا إن التسريب الصوتي للوزير ظريف، قد يشكل نهاية لمستقبله السياسي على الأرجح، وهذه نهاية ليست بالجديدة في الداخل الإيراني، وتحديدًا عندما يتمرد أبناء الثورة على الخط العام للنظام وسياساته الداخلية والخارجية، فإذا عدنا للوراء قليلًا، نجد أن كثيرين من أبناء الثورة وقادتها واجهوا قصصًا مختلفةً عندما انتقدوا سياسات النظام، من أبرزهم مرتضى مطهري العضو المؤسس في شورى الثورة الإسلامية في إيران، وكان خليفة الخميني المحتمل، قبل أن يتم اغتياله في ظروف غامضة، والرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني، فرغم توليه رئاسة الجمهورية لدورتين متتاليتين، تم منعه من الإشتراك بالثالثة، بسبب صدامه مع خامنئي، أو حتى في غضب خامنئي على الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد، بعد توجيهه انتقادات للنظام والمرشد، ومن ثم فإن ظريف قد يجني ثمرة تمرده على النظام أيضًا.