تصاعدت الأحداث في حي الشيخ جراح الواقع شرق مدينة القدس المحتلة خلال الأسابيع الماضية على نحوٍ مفاجئ، في ظل وجود نية إسرائيلية لإخلاء منازل فلسطينية من أهلها وترحيلهم عن الحي بذريعة عدم ملكيتهم للأرض.

يشهد الحي مواجهات وصدامات هي الأعنف منذ انتفاضة الأقصى، في ظل تجدد الاقتحامات من المستوطنين وأعضاء الكنيست الإسرائيلي للحي والاشتباك المباشر بالحجارة مع الأهالي، ما تسبب في إصابات بصفوف الفلسطينيين والمتضامنين.

ومع انتظار قرار المحكمة الإسرائيلية بشأن قبول الاستئناف المقدم من العائلات المهددة بالتهجير، يظل الحديث عن السيناريوهات المتوقعة حال رفض الاستئناف وإصرار الاحتلال على تهجير أصحاب المنازل أو قبل الاستئناف وتم تحويل القضية للمحكمة العليا.

فلسطينيًا، يدور الحديث عن فرص ملاحقة الاحتلال الإسرائيلي دوليًا وقانونيًا وأبعاد ذلك ومدى نجاح هذا الحراك، عدا عن جدوى التحرك الشعبي داخل الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة أو قطاع غزة في ظل تصاعد حالة الغضب بين الفلسطينيين.

ماذا يريد الاحتلال؟

يقول الباحث المقدسي خالد عودة الله لـ"نون بوست" إن الاحتلال يريد حسم ما يجري في الشيخ جراح كونه اتخذ سلسلة من الإجراءات المتصاعدة كان من أبرزها منع دخول غير ساكني الحي ودفع بالمستوطنين إلى الحي لتعزيز حالة الصدام اليومي.

الأوضاع تسير في مسارين يتمثلان في استمرار صمود أهالي الحي، كونهم يمتلكون الأوراق التي تثبت ملكيتهم لهذه المنازل، إلى جانب تنفيذ السلطة إعلانها بالذهاب لمحكمة الجنايات الدولية

ويضيف عودة الله أن ما يجري في الشيخ جراح هو استهداف حقيقي لباب مدينة القدس الشمالي عبر محاولة تهجير سكان الحي من أجل تحويله إلى بؤرة استيطانية تمكنه من التحكم في طبيعة الأشخاص الواصلين إلى المسجد الأقصى مستقبلًا.

ووفقًا لعودة الله فإن الاحتلال يريد أن يحول الشيخ جراح إلى قلعة استيطانية عبر بناء 200 إلى 300 وحدة استيطانية، وبناء حاجز ديمغرافي لصالحه في المنطقة الشمالية لمدينة القدس المحتلة بما يؤثر على شكل المنطقة ككل وعلى الحضور الفلسطيني فيها.

السيناريوهات المتوقعة

يرى الكاتب والمحلل السياسي ساري عرابي أن الأوضاع تسير في مسارين يتمثلان في استمرار صمود أهالي الحي، كونهم يمتلكون الأوراق التي تثبت ملكيتهم لهذه المنازل، إلى جانب قيام السلطة بتنفيذ إعلانها بالذهاب لمحكمة الجنايات الدولية وهذا السيناريو يمكن أن يحقق الإنجاز، والسيناريو الثاني يتمثل في انكسار هذه الهبة ونجاح الاحتلال في السيطرة عليها.

ويقول عرابي لـ"نون بوست": "ما يمنع السيناريو الثاني هو وصول الهبة الجماهيرية في الشيخ جراح والمسجد الأقصى إلى الضفة الغربية المحتلة، وتوجه السلطة نحو محكمة الجنايات الدولية لملاحقة الاحتلال".

ويعتقد الكاتب والمحلل السياسي أن هناك سياقات لحالة الغضب في الضفة الغربية وقطاع غزة والتفاعل مع ما يجري في الشيخ جراح والقدس، إذ يتمثل ذلك في حالة الغضب والموت السياسي وفشل مشروع السلطة الفلسطينية واستمرار الاحتلال بدفع المستوطنين لاستفزاز الفلسطينيين.

ويستبعد عرابي في حديثه احتمالية تحول الهبة الجماهيرية في حي الشيخ جراح حاليًّا إلى انتفاضة واسعة في الضفة الغربية، لأسباب متعلقة بالدور الخاص بالسلطة الفلسطينية وتفكيك الأحزاب والفصائل الفلسطينية على مدار سنوات الانقسام الـ14 الماضية.

تطورات متسارعة

يؤكد رئيس لجنة حي الشيخ جراح عارف حماد أن الأيام المقبلة ستكون أكثر عنفًا في الحي نظرًا للسلوك الإسرائيلي والدفع بالمستوطنين، بالتزامن مع انتظار صدور قرار المحكمة الإسرائيلية بشأن قبول الاستئناف المقدم من العائلات لوقف إخلاء منازلهم.

ويضيف حماد لـ"نون بوست" أن هناك 8 عائلات مهددة بالإجلاء وهناك قرار من محكمة الصلح الإسرائيلية صادر بحقهم وكان مقررًا أن يتم إخلاؤها في 2 من مايو/أيار، لكن طلبات الاستئناف المقدمة برفض الإخلاء أخرت التنفيذ حتى صدور قرار المحكمة النهائي.

ما يحدث يعكس تطورًا خطيرًا في الانتهاكات الإسرائيلية ضد المدنيين، التي بدأت بقرار طرد العائلات مرورًا بالمضايقات للسكان وتقييد حركتهم

ويعتقد حماد أن العائلات المهددة بالإخلاء أمامها سيناريوهان فقط إما قبول الاستئناف واللجوء للمحكمة العليا الإسرائيلية ووقتها سيكون هناك بصيص أمل بكسب القضية وإما رفض المحكمة الإسرائيلية للاستئناف والتوجه لإخلاء المنازل.

ويوجد قرار ضد 3 عائلات فلسطينية أخرى بإخلاء منازلها في ذات الحي بحلول شهر أغسطس/آب المقبل، عدا عن قرار صدر بحق عائلة بإخلاء منزلها إلا أنه تم تجميده ولا يوجد تاريخ محدد يوضح الموعد الخاص بإخلاء المنزل.

ولا تعتبر هذه المرة الأولى التي يتصادم أهالي الحي مع المستوطنين إذ كانت هناك تجربة عام 1972 وخسرها المستوطنون قضائيًا بعد أن تمكنت العائلات من إثبات أحقيتها، ثم تكررت ذات التجربة بحق 13 عائلةً عام 2008 ونجحوا في ترحيل 4 عائلات إلى خارج الحي.

طرد غير قانوني

قانونيًا، يقول أنس الجرجاوي مدير العمليات في المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إن ما يحدث يعكس تطورًا خطيرًا في الانتهاكات الإسرائيلية ضد المدنيين، التي بدأت بقرار طرد العائلات مرورًا بالمضايقات للسكان وتقييد حركتهم ومرورهم والاعتداءات الأخيرة.

ويوضح الجرجاوي لـ"نون بوست" أن هذه الممارسات وغيرها تنتهك مجموعة من الحقوق الأساسية التي كفلها القانون الدولي ومنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية وقواعد لاهاي لعام 1907 وغيرها.

وبشأن فرص التحرك القانوني، يؤكد مدير العمليات في المرصد الأورومتوسطي أن هناك فرصة قوية للبدء بتحرك قانوني سواء كان باستصدار قرار من مجلس الأمن لوقف الانتهاكات والاعتداءات في حي الشيخ جراح أم بالتوجه للمحكمة الجنائية الدولية لارتكاب "إسرائيل" جرائم حرب.

ووفقًا للجرجاوي فقد نصت "الفقرة 8 من البند ب المتفرع عن المادة الثانية التي جاء فيها قيام دولة الاحتلال، على نحو مباشر أو غير مباشر، بنقل أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأرض التي تحتلها، أو إبعاد أو نقل سكان الأرض المحتلة أو أجزاء منهم داخل هذه الأرض أو خارجها".