يعاني تحالف الدول المنتجة للنفط "أوبك بلس" (+OPEC) الأيام الحاليّة ارتباكًا شديدًا جراء الخلافات المتصاعدة بين أعضائه بشأن تمديد إستراتيجية خفض إنتاج النفط الحاليّة، إذ ترفض الإمارات اتفاق السعودية وروسيا، وتصفه بـ"غير العادل" مطالبة بمراجعة نسب الإنتاج للقبول به.

وكان من المقرر أن تنتهي اجتماعات التحالف الخميس الماضي، الأول من يوليو/تموز 2021، غير أن التعنت الإماراتي أرجأ الاتفاق إلى جولة جديدة من المقرر أن تنطلق اليوم، الإثنين، الـ5 من الشهر الحاليّ، وسط حالة إحباط داخل أروقة التحالف الذي بات مهددًا في ظل تمسك الإمارات بموقفها.

وقد اتفق التحالف خلال نهاية الأسبوع الماضي على زيادة الإنتاج بمقدار 400 ألف برميل يوميًا كل شهر، وتمديد اتفاق أبريل/نيسان 2020 من نهاية أبريل/نيسان 2022 إلى نهاية ديسمبر/كانون الأول 2022، في محاولة لتحقيق المزيد من الاستقرار في السوق وتخفيف حدة الغموض الذي كان يخيم على الأرجاء خلال الآونة الأخيرة، ما انعكس بصورة كبيرة على الصناعة برمتها.

الصراع بين أبو ظبي من جانب والرياض وموسكو من جانب آخر لم يعد يتعلق بمخاوف أسعار النفط خلال الفترة المقبلة فقط، بل تجاوز ذلك إلى مستقبل صناعة الطاقة في العالم، الأمر الذي أقلق المتابعين لهذا السوق الكبير، وبات التساؤل الذي يفرض نفسه الآن: إلى أين تقود سياسة شد الحبال بين المنتجين؟ ولماذا هذا العزف المنفرد من جانب الإمارات؟

اعتراض إماراتي

في 12 من أبريل/نيسان 2020 عقدت دول أوبك+ اجتماعًا عبر تقنية الفيديو كونفرانس لبحث تداعيات انهيار أسعار النفط خلال شهر مارس/آذار من نفس العام، التي وصلت إلى أرقام غير مسبوقة، وتم الاتفاق على آلية معينة لخفض معدلات الإنتاج في محاولة للحفاظ على مستوى معين من الأسعار.

وقد تم الاتفاق على خفض الإنتاج بمقدار 9.7 مليون برميل يوميًا لشهري مايو/أيار ويونيو/حزيران 2020، ثم تقليل هذه النسبة جزئيًا إلى 7.7 مليون برميل يوميًا حتى نهاية عام 2020، ثم 5.8 مليون برميل يوميًا منذ بداية 2021 وحتى نهاية شهر أبريل/نيسان 2022.

وبعد تفشي جائحة كورونا، وتداعياتها السلبية على خريطة الأسواق العالمية ومنها سوق الطاقة، تراجع الطلب على النفط بشكل أكبر من المتوقع، وعليه لجأت بعض دول أوبك إلى المزيد من تقليص الإنتاج حفاظًا على توازن العرض والطلب في السوق.

ونتاجًا لتلك الوضعية خفضت السعودية إنتاجها مرة أخرى بمعدل مليون برميل يوميًا، والإمارات 100 ألف برميل يوميًا، والكويت 80 ألف برميل يوميًا، وعمان بين 10 آلاف إلى 15 ألف برميل يوميًا، وقد تم الاتفاق على استمرار هذا التخفيض حتى نهاية يوليو/تموز الحاليّ.

وكانت دول أوبك+ قد عقدت عددًا من الاجتماعات للاتفاق على تمديد التقليص لحين استرداد السوق عافيته مرة أخرى، أبرزها الاجتماع الذي تم في يونيو/حزيران وديسمبر/كانون الأول 2020، ويناير/كانون الثاني ومارس/آذار 2021، وصولًا إلى اجتماع يوليو/تموز الحاليّ.

ورغم اتفاق معظم الدول الأعضاء، فإن الإمارات كانت الرافض الأبرز، بعض المصادر تشير إلى أن الدولة الخليجية لا تعارض مبدأ زيادة إنتاج المجموعة كما ينص الاتفاق، لكنها ترغب في الحصول على امتيازات أكبر، تتمثل في ارتفاع نسبة إنتاجها، بما يخل بالاتفاق ودوافعه وأهدافه.

وتتحرك أبو ظبي في هذا الاتجاه مدفوعة بخططها الرامية إلى التوغل أكثر في سوق الطاقة، إذ استثمرت البلاد مليارات الدولارات لتعزيز طاقتها الإنتاجية من النفط، غير أن اتفاق أوبك+ المزمع سيترك نحو 30% من طاقتها الإنتاجية معطلة، بحسب ما نقلت رويترز عن "مصادر مطلعة على التفكير الإماراتي".

 

يتوقع البعض أن تمارس الإمارات ضغوطها المعتادة داخل أوبك للحصول على أكبر قدر ممكن من الاستفادة الشخصية، كأن تلوح بورقة الاستقالة من الكيان النفطي العالمي، كما هو الحال العام الماضي

المصادر تشير إلى أن الإمارات لم تكن الدولة الوحيدة التي طلبت زيادة معدلات الإنتاج، فهناك دول أخرى شاركتها في هذا الطلب وإن كانت بنسب متفاوتة، أبرزها أذربيجان والكويت وكازاخستان ونيجيريا، وهو ما يستند إليه الإماراتيون في عرقلتهم للاتفاق.

وزير الطاقة والبنية التحتية الإماراتي سهيل المزروعي، في مداخلة تليفزيونية له أمس الأحد قال: "مطلب الامارات هو العدالة فقط بالاتفاقية الجديدة ما بعد أبريل/نيسان، وهذا حقنا السيادي أن نطلب المعاملة بالمثل مع باقي الدول"، مضيفًا "مسألة دخولنا أو إجبارنا على الدخول في اتفاقية جديدة وربطها بزيادة الإنتاج، لا نراها طلبًا منطقيًا حتى لو اتّفقت عليه كل الدول"، مضيفًا "لا يُعقل أن نقبل باستمرار الظلم والتضحية أكثر مما صبرنا وضحينا".

بين الرضوخ وتفكيك التحالف

إصرار الإمارات على موقفها بزيادة حصتها الإنتاجية غير المدرجة في الاتفاق سيكون له تبعاته الكارثية بحسب وكالة "بلومبيرغ" الأمريكية التي ترى أن سياسة أبو ظبي في إجبار حلفائها على اتخاذ موقف يتماشى وأهدافها قد ينجم عنه تفكك "تحالف أوبك+" ، بجانب الارتفاع غير المتوقع في أسعار النفط الخام.

الشبكة حذرت من تكرار سيناريو العام الماضي، إثر اندلاع حرب الأسعار بين السعودية وروسيا، وهي الحرب التي هوت بسوق النفط إلى مستويات كارثية، وعليه فإن رفض الإمارات التراجع خطوة للوراء ربما يعيد هذا السيناريو مرة أخرى ويتسبب في انهيار وحدة التحالف.

وفي السياق ذاته يتوقع البعض أن تمارس الإمارات ضغوطها المعتادة داخل أوبك للحصول على أكبر قدر ممكن من الاستفادة الشخصية، كأن تلوح بورقة الاستقالة من الكيان النفطي العالمي، كما هو الحال العام الماضي، ما قد يضع أعضاء التحالف بين أمرين لا ثالث لهما، إما الرضوخ لتلك المطالب وإما المضي قدمًا في الاتفاق، وفي الحالتين ستكون النتائج سلبية على سوق النفط العالمي.

الباحث في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن، بن كاهيل يرى أن "الإمارات ستستمر في إحداث ضجة حتى تحقق خط أساس أعلى"، فيما أشارت رئيسة إستراتيجية السلع العالمية في آر بي سي كابيتال ماركتس، هيليما كروفت، أن "الخلاف جوهري وعميق الجذور بين الإمارات والسعودية" كما ذكرت في مذكرة نشرها موقع "ماركتس ووتش" المتخصص.

ووفقًا للخبيرة في مركز "ريستاد" لأبحاث الطاقة لويز ديكسون فإن إصرار الإمارات على رفع خط الإنتاج الأساسي إلى 3.8 مليون برميل، ما يسمح لها بزيادة الإنتاج من جانب واحد ضمن الحصة الحاليّة، سيؤدي إلى صعوبة المفاوضات الحاليّة إذ إن "أوبك بلاس تدرك أنه إذا سُمح للإمارات بالإنتاج من قاعدة مختلفة، فقد يحتج أعضاء آخرون".

ومع انطلاق جولة اليوم، فإن الأمور تزداد سوءًا، السعودية وروسيا يسعيان لتمديد الاتفاق حتى نهاية العام المقبل، في مواجهة رفض إماراتي ما لم يتم تغيير خط الأساس الخاص بها بما يسمح لها بزيادة حصتها الإنتاجية، ما يعني عمليًا إجهاض المقترح الروسي السعودي.

تغريد منفرد

لم يكن الخلاف بشأن اتفاق أوبك+ هو الشقاق الأول الذي تزرع الإمارات بذوره في خريطة حلفائها، فالبرغماتية التي تتبناها الدولة الخليجية تغلق أمامها كل النوافذ الأخرى إلا نافذة المصالح والمكاسب المحققة، دون أي اعتبارات أخرى بشأن تداعيات هذا التوجه على مصالح الحلفاء.

ورغم المساعي المبذولة من جانب أبناء زايد لتجميل الجدار البلاستيكي مع الجار السعودي، والإيهام بمظلة التنسيق والتناغم في التوجهات والتحركات الإقليمية، فإن الشروخات التي تخترق هذا الجدار أوضح من تغييبها برتوش هشة تنكشف سريعًا مع أول خلاف يظهر.

تتحرك الإمارات إقليميًا خلال السنوات الخمسة الأخيرة بصورة انفرادية بحتة، أحيانًا تكون تحركاتها عكس عقارب مصالح حلفائها إن لم يكن مناهضة لها، وهو ما اتضح بصورة لافتة للنظر مع القاهرة والرياض معًا، في أكثر من ملف، أبرزها الملف الليبي والتوغل في القرن الإفريقي.

 

تواصل الإمارات سياستها الرمادية في اختلاق الأزمات والعبث بمقدرات ومصالح حلفائها تحقيقًا لأجندتها الخاصة، الأمر الذي من المتوقع أن يزيد من انعزالها عن محيطها الإقليمي

في تقرير سابق لـ"نون بوست" استعرض أوجه الخلاف بين السعودية والإمارات في الملفات المفترض أن يكون التنسيق فيها بين البلدين هو عنوانها الأبرز كما تم الترويج لذلك إعلاميًا، على رأسها الملف اليمني الذي بات من الواضح أن لكلتا الدولتين أجندتها المختلفة بما يتعارض مع الأهداف المعلنة ابتداءً حين شن التحالف العربي بقيادة السعودية هجماته الأولى ضد الحوثيين في 2015.

كذلك الملف الإيراني، ففي الوقت الذي ترفع فيه أبو ظبي والرياض شعار أن طهران أكبر تهديد لأمن الخليج، إذ بالإماراتيين يتمسكون بمنظومة علاقات قوية مع الإيرانيين "هناك ما يزيد على نصف مليون إيراني يعملون في الإمارات ولديهم مئات المؤسسات ومليارات الدولارات من الاستثمارات المشتركة، هذا بجانب القنوات الدبلوماسية المفتوحة بين البلدَين، علنية وسرّية"، بحسب التقرير.

وهكذا تواصل الإمارات سياستها الرمادية في اختلاق الأزمات والعبث بمقدرات ومصالح حلفائها تحقيقًا لأجندتها الخاصة، الأمر الذي من المتوقع أن يزيد من انعزالها عن محيطها الإقليمي، وهو ما بدا يلوح في الأفق على أكثر من مسار، ليدفع الشعب الإماراتي ثمن سياسات حكامه الهوجاء.