صوت البرلمان الفرنسي، الجمعة الـ23 من يوليو/تموز الحاليّ، على مشروع القانون المثير للجدل الذي يستهدف المسلمين في فرنسا، بزعم استهداف "النزعة الانفصالية" في البلاد، رغم المعارضة التي أبداها اليسار واليمين على حد سواء، بجانب التحفظات التي أبدتها المنظمات والجمعيات الإسلامية.

القانون الذي قدمته حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون، تم تمريره بأغلبية 49 صوتًا مع معارضة 19 وامتناع 5 عن التصويت، بعد أكثر من 7 أشهر من النقاش والجدال بين غرفتي البرلمان، الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ، وسط انتقادات حقوقية، في الداخل والخارج.

ويتضمن هذا القانون العديد من القنابل الموقوتة التي تستهدف تضييق الخناق على المسلمين كتعزيز الرقابة على الجمعيات والمنظمات المدنية التابعة للمسلمين وتمويل الأنشطة الدينية، فضلًا عن فرض الرقابة على المساجد والجمعيات المسؤولة عن إدارتها، بخلاف القيود المشددة التي يفرضها على حرية تقديم الأسر التعليم لأطفالها في المنازل، ويحظر على المرضى أيضًا اختيار الأطباء وفق جنسهم لاعتبارات دينية أو غيرها، فضلًا عن فرض التثقيف العلماني إلزاميًا لكل موظفي القطاع العام.

لم تكن تلك المرة الأولى التي تصدر فيها فرنسا قانونًا يستهدف المسلمين، فسجل الدولة الأوروبية حافل بمثل هذه الإجراءات التي تنتهك الحقوق والحريات، أبرزها التشريع الصادر عام 2004 بحظر الطقوس الدينية في المدارس، وقانون 2010 الخاص بحظر ارتداء النقاب في الأماكن العامة.

وبعد يوم واحد فقط من تمرير هذا القانون سيئ السمعة، بادرت وزارة الداخلية الفرنسية بفصل إمام أحد المساجد في إقليم لوار وسط العاصمة باريس، ويدعى "مادي أحمدا" بدعوى تلاوته آيات قرآنية وحديثًا خلال خطبة عيد الأضحى اعتبرتها "منافية لقيم الجمهورية"، الأمر الذي أثار مخاوف الجالية المسلمة هناك بشأن المصير المحتوم المتوقع مواجهته بعد تطبيق هذا القانون.

يعتبر البعض أن تلك العنصرية الفجة التي يكشف ملامحها شيئًا فشيئًا باتت طوق النجاة السياسي لماكرون أكثر منها انعكاس لعقيدة أو أيديولوجية مخالفة، ومحاولة لتعويض شعبيته المتراجعة عبر مغازلة اليمين المتطرف

جدل ومعارضة

القانون قوبل بمعارضة داخلية من اليسار على وجه التحديد، إذ حارب زعيم تيار اليسار الراديكالي، جان لوك ميلينشون، من أجل وقف هذا القانون الذي وصفه بالـ"معادي للمسلمين"، وذلك من خلال محاولة تمرير اقتراح آخر ضده لكنه رفض بحسب صحيفة "لا بريسيه" الكندية.

الاشتراكيون يرون أن القانون بصيغته الحاليّة التي تم تمريرها علامة على "عدم الثقة في الجمعيات"، وفي المقابل قال رئيس اللجنة الخاصة فرانسوا دو روغي المنتمي لحزب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون: "القانون ذو نطاق عام ولا يتعامل مع دين واحد"، أما اليمينون المتطرفون فطالبوا بإجراءات أكثر تشددًا لمواجهة الإسلاميين، إذ امتنعوا عن التصويت بعدما اقترح سابقًا مشروع قانون آخر أكثر تشددًا.

مشروع القانون منذ الوهلة الأولى أثار قلق التيار المسيحي الفرنسي، ففي مارس/آذار الماضي حذر مسؤولون كاثوليك وبروتستانت وأرثوذكس في فرنسا - في بيان مشترك - السلطات التنفيذية والتشريعية من مخاطر هذا القانون الذي يستهدف مؤسسات إسلامية.

وفي مقال نشرته صحيفة "لوفيغارو" أكد رجال الدين المسيحي الفرنسي أن القانون يقوّض الحريات الأساسية، وهي: حرية العبادة وتكوين الجمعيات والتعليم وحتى حرية الرأي التي أساءت إليها بالفعل شرطة الفكر التي ترسخ نفسها في الفضاء المشترك، وأضافوا أن "الدولة تتدخل في تحديد ما هو ديني"، في بلد فُصلت فيه الكنيسة عن الدولة منذ 1905.

واختتم رجال الدين مقالهم بتساؤل للحكومة الفرنسية: "ما فائدة تعقيد حياة الجمعيات الدينية المنصوص عليها في قانون 1905؟"، وذكّروا بأن "قانون 1905 نص على حدود وضوابط وعقوبات ويمكننا إعادة تأكيد الأولى وتنفيذ الثانية وتعديل الأخيرة".

عنصرية ماكرونية ضد الإسلام

يعد هذا القانون اللبنة الأخيرة في جدار الكراهية الذي بناه ماكرون للإسلام منذ توليه السلطة، الذي بدأ يفرج عن ملامحه خلال الآونة الأخيرة، بصورة أسقطت الأقنعة المزيفة التي طالما تشدق بها خلال حملته الانتخابية والخاصة باحترامه للأقليات وحرية ممارسة الشعائر والطقوس لكل أصحاب الديانات الأخرى.

قمة التصعيد كانت في أكتوبر/تشرين الأول 2020 حين أدلى بتصريحه المثير للاستفزاز قائلًا: "الإسلام يعيش اليوم أزمة في كل مكان بالعالم، وعلى فرنسا التصدي للانعزالية الإسلامية الساعية إلى إقامة نظام مواز وإنكار الجمهورية الفرنسية".

هذا التصريح الذي جدد به ماكرون هجومه على الإسلام، مستفزًا مشاعر مئات الملايين من المسلمين في مختلف دول العالم، جاء خلال خطاب له غرب باريس، حين أعلن عن سياساته ضد ما أسمّاه "التشدد الإسلامي الذي يتخذ العنف منهجًا له"، كاشفًا النقاب للمرة الأولى عن مشروع قانون ضد "الانفصال الشعوري" بهدف "مكافحة من يوظفون الدين للتشكيك في قيم الجمهورية" على حد قوله.

إعلان هذا المشروع العنصري سبقته تصريحات مناهضة للإسلام أبرزها ما حدث في الـ18 من فبراير/شباط العام الماضي حين أعلن الرئيس الفرنسي في أثناء زيارته لمدينة مولوز "شرق" خطته لتشديد الحرب ضد ما أسماه "الانفصال الإسلامي في الأحياء"، محددًا أربع نقاط رئيسية في تلك الخطة، أبرزها تحرير المدارس والمساجد من التأثيرات الأجنبية وتخلي البلاد عن الدعاة القادمين من الخارج الذين يتقاضون رواتب من المنح والمعونات التي ترسلها الدول الإسلامية للجاليات وعلى رأسها تركيا والجزائر.

استهداف ماكرون للإسلام على مدار السنوات الماضية والعزف على وتر "الإسلاموفوبيا" بين الحين والآخر، يأتي في إطار إستراتيجية "الهروب للأمام" التي يتنباها الرئيس الفرنسي لغض الطرف عن الفشل الداخلي

وفي الـ24 من أكتوبر/تشرين الأول 2019 أعلن ماكرون رفضه ارتداء النساء الحجاب في المناطق العامة، معتبرًا أن من يتمسكن بارتدائه يسعين لتأسيس طائفية مرفوضة، وخلال كلمة له في 9 من يوليو/تموز 2018 أمام حشد من البرلمانيين في قصر فرساي، أعلن أنه منذ خريف هذا العام سيضع قواعد عامة لتيسير شؤون المسلمين في بلاده طبقًا لقوانين الجمهورية، وبما يعزز علمانية الدولة بعيدًا عن أي راديكالية تهدد أمن واستقرار البلاد.

يخطط ماكرون لتدجين الإسلام وفق الأجندة الفرنسية، بصرف النظر عن موقع ذلك من الإعراب التشريعي والعقائدي للدين الإسلامي، ففي أواخر 2018 تلقى الرئيس تقريرًا أعده معهد مونتان للدراسات السياسية والاجتماعية في باريس وكان يتضمن بعض الرؤى والمقترحات لمحاربة الإسلام الراديكالي الذي يراه ماكرون متزايدًا في بلاده خلال السنوات الأخيرة.

التقرير هدف إلى تقديم "إسلام مدجن" لا علاقة له بالإسلام التشريعي والحكمي المعروف والمنزل، وكان من بين المقترحات المقدمة منع استقدام الأئمة من البلدان الإسلامية كتركيا والجزائر، والاكتفاء بأئمة من الداخل وأن تتحمل الدولة الفرنسية رواتبهم، من خلال تدشين جمعية إسلامية تهدف لجمع رواتب الأئمة وأن تكون تحت إشراف الحكومة.

استهداف ماكرون للإسلام على مدار السنوات الماضية والعزف على وتر "الإسلاموفوبيا" بين الحين والآخر، يأتي في إطار إستراتيجية "الهروب للأمام" التي يتنباها الرئيس الفرنسي لغض الطرف عن الفشل الداخلي على كل المسارات لا سيما الاقتصادية التي كانت سببًا في تأجيج الشارع ضده خلال العامين الماضيين.

وعليه يعتبر البعض أن تلك العنصرية الفجة التي يكشف ملامحها شيئًا فشيئًا باتت طوق النجاة السياسي لماكرون أكثر منها انعكاس لعقيدة أو أيديولوجية مخالفة، ومحاولة لتعويض شعبيته المتراجعة عبر مغازلة اليمين المتطرف، لا سيما أن رفض ما يرتكبه من انتهاكات لا يقتصر على المسلمين فحسب، بل تجاوز ذلك لأبناء الديانات الأخرى، حتى التي ينتمي إليها، اعترافًا بتغوله الحقوقي الفاضح.

وفي الأخير يبقى المسلمون في فرنسا في حالة ترقب لما يمكن أن يسفر عنه هذا القانون الجديد، بين مطرقة الاستهداف المتوقع حال السير قدمًا في طريق ممارسة الشعائر والعبادات، وسندان الرضوخ للإسلام الماكروني المدجن تجنبًا لأي مضايقات قد تكون باهظة الثمن.