انتهاكات استيطانية بالجملة بحق المسجد الأقصى

انتهاكات استيطانية بالجملة بحق المسجد الأقصى

تواصل دولة الاحتلال مساعيها الحثيثة لفرض واقع جديد في المسجد الأقصى من خلال تغيير معادلة الطقوس والشعائر الدينية المقامة بداخله، كإحدى الأدوات المستخدمة لطمس هويته المقدسة واستبدالها بأخرى ذات طابع يهودي صهيوني، غير معنية بمشاعر ملايين المسلمين والعرب المُستفزة من خلال تلك الممارسات.

أمس الأربعاء 6 من أكتوبر/تشرين الأول 2021، وفي قرار غير مسبوق، قضت قاضية محكمة الصلح الإسرائيلية في القدس، بيهلا يهالوم، بتشريع صلاة اليهود في المسجد الأقصى، معتبرة أن "الصلاة الصامتة في الحرم القدسي (المسجد الأقصى) لا يمكن تفسيرها على أنها عمل إجرامي" حسبما نقلت القناة السابعة العبرية.

القرار جاء في الأساس بهدف إلغاء منع شرطة الاحتلال الحاخام اليميني المتطرف أرييه ليبو من دخول المسجد الأقصى، وذلك بعد تكرار محاولاته أداء الصلوات فيه، وكان قد صدر بحقه مذكرة إبعاد عن الصلاة في المسجد قبل فترة.

قد يظن البعض أن اليهود قبل هذا الحكم القضائي ما كانوا يصلون داخل المسجد الأقصى، لكن هذا الأمر يحدث بشكل يومي منذ عدة أشهر، وهو ما توثقه الصور والمقاطع المرئية التي ينشرها المستوطنون على مواقع التواصل الاجتماعي من باب التباهي، غير أن وجود هذا القرار يعطي لتلك الصلوات التي كانت تتم على مضض دون شرعية قانونية، الأمر الذي ربما يحول باحات المسجد إلى ساحات للصدام ويمهد لحرب دينية محتملة.

لا يمكن قراءة هذا التحرك المستفز لمشاعر المسلمين والعرب بعيدًا عن غياب القضية من على رادار العقل العربي، في أعقاب هرولة بعض الأنظمة للتقارب مع دولة الاحتلال عبر موجة التطبيع المخزية التي دفعت بأربع دول عربية مرة واحدة (الإمارات والبحرين والسودان والمغرب) إلى حظيرة الخنوع، ضاربة بمرتكزاتها الدينية والقومية والتاريخية عرض الحائط.

سابقة هي الأولى من نوعها

الإعلام العبري اعتبر هذا القرار سابقة تاريخية غير مشهودة، فقد علقت القناة الإسرائيلية السابعة على هذا الحكم بأن "هذه هي المرة الأولى التي تؤيد فيها محكمة صلاة اليهود في الموقع المقدس"، أما القاضية الإسرائيلية التي أصدرت هذا الحكم فأشارت إلى أن قرارها سيكون مهمًا جدًا للحاخام ليبو.

من جانبه رحب محامي الحاخام المتطرف، موشيه بولسكي بالحكم قائلًا: "نرحب بقرار المحكمة، الذي يؤيد فعليًا ما كان يحدث بالفعل في الحرم القدسي، خلال العام الماضي، وهو تصريح بحكم الأمر الواقع لليهود الذين يزورون الحرم القدسي ويريدون الصلاة"، وتابع: "في حين أن الشرطة لا تفعل شيئًا لمنع أي من هذا، فإنه يتم جعل اليهود يشعرون بأنهم غرباء في هذا المكان المقدس، نأمل أنه من الآن فصاعدًا، لا تمنع الشرطة المصلين الموجودين بالفعل في المكان، من أداء الصلوات الصامتة".

واختتم بولسكي تصريحاته للقناة العبرية قائلًا: "من غير المعقول أن يُمنع اليهود من الهمس بالصلوات حتى في صمت، في الحرم القدسي، بينما يمكن للمسلمين في الحرم القدسي أن يفعلوا ما يريدون من صلاة، وإلقاء محاضرات دينية، ولعب كرة القدم، وحتى الشغب"، على حد تعبيره.

هذا الحكم غير المسبوق يأتي تزامنًا مع الذكرى السادسة لما عُرف بـ"هبّة القدس" أو "انتفاضة السكاكين" في أكتوبر/تشرين الأول عام 2015، حين انتفض الفلسطينيون ضد انتهاكات حرمة الأقصى والاعتداء على النساء فيه

الأزمة ليست في درجة الصوت

الاستعانة بعبارة "الصلاة الصامتة" في الحكم الصادر عن المحكمة الإسرائيلية يوحي للقارئ أن الأزمة تكمن في مستوى الصوت، فالصلاة العلنية بصوت مرتفع هي المشكلة أما لو تم تخفيض الصوت فإن الأمر قد يكون مبررًا ولا مشكلة فيه، وهو تحايل يعكس نوايا خبيثة لدى جهة إصدار هذا القرار.

أستاذ دراسات بيت المقدس عبد الله معروف، يشير إلى أن مصطلح "الصلاة الصامتة" الوارد في القرار القضائي ليس تنازلًا كما يظن البعض، إذ إن هذا النوع من الصلاة متعارف عليه في التوراة كأحد أشكال الصلوات اليهودية، محذرًا من أن تمرير هذا الموضوع سيكون تمهيدًا للسماح للمستوطنين بالصلاة بأصوات مرتفعة كما يجري في المسجد الإبراهيمي الشريف بمدينة الخليل.

وأضاف معروف خلال حديثه لـ"الجزيرة" أن المشكلة لا تكمن في كون الصلاة صامتة أو علانية، إنما في وجود الاحتلال والمستوطنين داخل باحات المسجد الأقصى، مضيفًا "الاحتلال لن يقنع بمجرد أداء صلوات بصوت منخفض، لأن الهدف المعلن هو تحقيق وجود يهودي دائم في الأقصى عبر إقامة مبنى للعبادة وأداء الطقوس داخل المسجد".

وبعد ساعات قليلة من إصدار هذا الحكم اقتحم عشرات المستوطنين، صباح اليوم الخميس، ساحات المسجد الأقصى، عبر باب المغاربة، ونفذوا جولات استفزازية تجاه السور الشرقي، وأدوا صلوات فردية صامتة، بحماية مشددة من قوات الاحتلال الإسرائيلي، بحسب أحد حراس الأقصى في تصريحاته لوكالة "وفا" الفلسطينية.

وقد سبق هذا الحكم عشرات الانتهاكات اليومية التي يقوم بها المستوطنون في الأقصى، لعل أبرزها وأخطرها دلالة رفع العلم الإسرائيلي عدة مرات داخل ساحاته، وتحريض "منظمات جبل المعبد" على دائرة الأوقاف الإسلامية والدعوة لطردها من الأقصى واعتبارها منظمة إرهابية، مع الوضع في الاعتبار أن تلك الممارسات كانت تتم دون غطاء قانوني أو قضائي، ما يمهد نحو قراءة واقعية لما يمكن أن يكون عليه الوضع بعد هذا القرار.

فرض معادلة جديدة.. تنديد وتحذير

في بيان صادر عن محافظة القدس، دعا محافظ المدينة المقدسة، عدنان غيث، دولة الاحتلال، لاحترام الوضع التاريخي القانوني في المسجد الأقصى المبارك بمساحته 144 دونمًا، "كونه حقًا خالصًا للمسلمين وحدهم وجزءًا من عقيدتهم ولا يشاركهم به أحد".

وأضافت المحافظة في البيان الصادر أمس الأربعاء، ونشرته وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا" أن "قرار اليوم بالسماح للمقتحمين المستوطنين بأداء الصلوات الصامتة يأتي ضمن السياق التاريخي بتقسيم الأقصى تمهيدًا لإقامة الهيكل المزعوم"، فيما دعا المحافظ إلى احترام الوصاية الهاشمية على المسجد، مضيفًا "شهدنا في الأسبوعين الماضيين أداء المقتحمين للصلوات ورفع العلم الإسرائيلي، واعتقال للمصلين المسلمين وتقييد دخولهم والاعتداء بدنيًا على بعضهم".

وحذر غيث من تداعيات هذا القرار الذي قد ينذر بنشوب حرب دينية في ظل الاحتكاكات المتوقعة بين المسلمين واليهود داخل المسجد بعد دخول القرار حيز التنفيذ، مثمنًا موقف المرابطين والمرابطات داخل المسجد الأقصى المبارك، داعيًا إلى تكثيف عمارته وإقامة الصلوات فيه.

لا يمكن قراءة العجرفة الإسرائيلية بحق المقدسات الفلسطينية والتغول المستمر - الذي تفاقم خلال الآونة الأخيرة - على حقوق الشعب الفلسطيني، بمعزل عن شعور الطمأنة الذي تسلل إلى صانع القرار الإسرائيلي حيال أي رد فعل عربي إزاء تلك الانتهاكات

من جانبه أعلن مدير المسجد الأقصى، الشيخ عمر الكسواني، عدم اعتراف الأوقاف الإسلامية بشرعية الاحتلال، وبما يصدر عنها من قرارات داخل باحات المدينة المقدسة، واصفًا الحكومة الإسرائيلية بالمتطرفة من رأسها إلى متطرفيها الذين يقتحمون الأقصى.

الكسواني وخلال حديث صحفي له حمّل دولة الاحتلال المسؤولية الكاملة عن ردة الفعل تجاه السماح لصلاة اليهود في الأقصى، قائلًا: "بالتشجيع والسماح للمتطرفين Fانتهاك حرمة الأقصى والاستهتار بمشاعر المسلمين، سيشعلون فتيل حرب دينية في الأقصى".

ويصف الأمين العام للهيئة الإسلامية والمسيحية للدفاع عن القدس والمقدسات، حاتم عبد القادر، هذه الخطوة بالاستفزازية التي قد تشعل الأوضاع مجددًا داخل القدس والأقصى، منوهًا أن الفلسطينيين لن يسمحوا للمستوطنين بإقامة تلك الطقوس، سواء كانت صامتة أم علنية، وتابع "إن شرعنة صلاة اليهود في الأقصى يعتبر تطورًا دراماتيكيًا وخطيرًا باتجاه تقسيم زماني ومكاني فعلي، ونقلة نوعية في الاعتداءات على الأقصى، قد تمهد لاعتداءات أكبر".

يذكر أن هذا الحكم غير المسبوق يأتي تزامنًا مع الذكرى السادسة لما عُرف بـ"هبّة القدس" أو "انتفاضة السكاكين" في أكتوبر/تشرين الأول عام 2015، حين انتفض الفلسطينيون ضد انتهاكات حرمة الأقصى والاعتداء على النساء فيه، الأمر الذي ربما يساعد في فهم ما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع مستقبلًا.

استنكار فلسطيني

أدانت السلطة الفلسطينية وفصائل المقاومة هذا القرار المتعجرف الذي يمهد لفرض واقع جديد يمهد لمخطط تهويد القدس، وهو ما حذر منه رئيس الوزراء الفلسطيني محمد أشتية، الذي طالب في بيان صحفي له الإدارة الأمريكية بالوفاء بتعهداتها بالحفاظ على "الاستاتسكو" المعمول به بالمسجد الأقصى المبارك، وعدم السماح بإحداث أي تغيير فيه، مؤكدًا استمرار التواصل مع الأردن في هذا الشأن، وداعيًا الأمتين العربية والإسلامية لاتخاذ مواقف جدية إزاء هذا التصعيد.

أما وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية، ففي بيان لها، أكدت أن هذا القرار "يشكل عدوانًا صارخًا على المسجد الأقصى، وإعلان حرب حقيقية على الشعب الفلسطيني والأمتين العربية والإسلامية، وبداية حقيقية لتقسيم المسجد وباحاته مكانيًا، ودعوة صريحة للحرب الدينية في المنطقة"، مشيرة إلى أنها "تنظر بخطورة بالغة إلى هذا القرار ونتائجه وتداعياته الخطيرة على المسجد الأقصى المبارك ووضعه التاريخي والقانوني القائم".

الوزارة أوضحت أنها ستواصل تحركاتها السياسية والدبلوماسية على كل الأصعدة بما فيها الأمم المتحدة ومنظماتها المختصة وفي مقدمتها مجلس الأمن واليونسكو، لوقف هذا القرار الجائر، الذي يشعل الأجواء من جانب ويهدد الهوية التاريخية والأثرية والثقافية للمسجد الأقصى.

من جانبها اعتبرت حركة المقاومة "حماس" أن القرار بمثاية "خطوة على طريق التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى، وانتهاكًا لكل القوانين والأعراف الإنسانية" وفق الناطق باسمها، حازم قاسم، الذي أوضح أن هذا الحكم يعد انتهاكًا صارخًا لكل القوانين والأعراف الإنسانية "ويؤكد تواطؤ القضاء الصهيوني في العدوان على الشعب الفلسطيني، والمشاركة في تزوير الحقائق والوقائع".

أما حركة الجهاد الإسلامي، فحذرت من تبعات القرار الإسرائيلي، منوهة أن الشعب الفلسطيني سيواجه محاولات المساس بالأقصى بكل قوة وثبات، بحسب بيان لها، مضيفة "هذا القرار الباطل اعتداء على قدسية المسجد الأقصى وعلى حق المسلمين الخالص فيه".

ومن فلسطين إلى الأردن، الوصي القانوني والتاريخي على المسجد والمقدسات الإسلامية في القدس، فقد اعتبرت الخارجية الأردنية أن القرار منعدم الأثر القانوني، مستندة في ذلك إلى القانون الدولي الذي لا يعترف بسلطة القضاء الإسرائيلي على الأراضي المحتلة عام 1967، بما فيها القدس الشرقية، مؤكدة أن هذه الخطوة تعد خرقًا فاضحًا لقرارات الشرعية الدولية المتعلقة بالقدس.

وجاء على لسان المتحدث باسم الخارجية، هيثم أبو الفول، أن "المسجد الأقصى بكامل مساحته البالغة 144 دونمًا (الدونم يساوي ألف متر مربع) مكان عبادة خالص للمسلمين، وإدارة أوقاف القدس وشؤون المسجد الأقصى الأردنية هي الجهة القانونية صاحبة الاختصاص بإدارة شؤونه كافة".

عربيًا.. ندد الأمين العام للجامعة العربية، أحمد أبو الغيط، بقرار المحكمة الإسرائيلية، لافتًا إلى أن هذا القرار "يعكس نوايا الحكومة الجديدة وخططها المتواصلة لتهويد القدس واستهداف الوجود الفلسطيني بها، كما أنه يشكل تعديًا مرفوضًا ومدانًا على المسجد الأقصى"، موضحًا أنه "في الوقت الذي يتم التضييق على المصلين من الفلسطينيين، تواصل سلطات الاحتلال السماح باقتحامات للمسجد الأقصى من جانب الجماعات اليهودية".

لا يمكن قراءة العجرفة الإسرائيلية بحق المقدسات الفلسطينية والتغول المستمر - الذي تفاقم خلال الآونة الأخيرة - على حقوق الشعب الفلسطيني، بمعزل عن شعور الطمأنة الذي تسلل إلى صانع القرار الإسرائيلي حيال أي رد فعل عربي إزاء تلك الانتهاكات، في ظل حالة الخنوع القميئة التي تسيطر على الموقف العربي المنخرط في حظيرة التطبيع خلال العامين الماضيين تحديدًا.

ومن باب "من أمن العقاب أساء الأدب" لا تشعر دولة الاحتلال بأي غضاضة في تصعيد انتهاكاتها بحق الفلسطينيين، يقينًا منها أن رد الفعل العربي - رسميًا - لا يتعدى بيانات الشجب والإدانة التي لا تساوي ثمن الحبر الذي كتبت به، وفي الجهة الأخرى نجحت تلك الأنظمة المطبعة في وأد أي حراك شعبي داعم للقضية الفلسطينية، الأمر الذي منح الاحتلال الضوء الأخضر للمزيد من الاستهداف الممنهج للقضية العربية الأم، ليجد الفلسطينيون أنفسهم فرادى في ميدان المواجهة دون غطاء عربي، زودًا عن شرف الأمة وكرامتها، بعدما سقطت الأقنعة عن الجميع.