أثارت الخطوة الأخيرة التي أقدم عليها زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، عبر إعلانه تجميد مفاوضات تشكيل الحكومة المقبلة حتى إشعار آخر، إلى جانب مطالبته أعضاء ونواب الكتلة الصدرية بمقاطعة جلسة انتخاب رئيس الجمهورية في 7 فبراير/شباط الحاليّ، العديد من التكهنات والاستفسارات عن مبررات الخطوة الأخيرة، خصوصًا أنه تمكن خلال الفترة الماضية من تشكيل تحالف ثلاثي متين حتى اللحظة، إلى جانب تحالف السيادة والحزب الديمقراطي الكردستاني، أثمر عنه انتخاب رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي لولاية ثانية.

مما لا شك فيه أن خطوة الصدر الأخيرة ستعقد المشهد السياسي وستعيد الحديث مرة أخرى عن مآلات الحراك السياسي خلال الفترة المقبلة، فهو على ما يبدو يدرك جيدًا أين يكمن الممكن، ويدرك أيضًا أن الصفقة الثلاثية التي أثمرت عنها عملية انتخاب رئيس مجلس النواب، لا بد أن تثمر أيضًا عن انتخاب رئيس الجمهورية، من أجل الوصول إلى عملية تكليف مرشح الأغلبية الوطنية بتشكيل الحكومة المقبلة.

فالتغريدة الأخيرة له، رغم أنه تم تفسيرها على أنها خطوة من الصدر للتراجع إلى الوراء وانقلاب على التفاهمات مع الحزب الديمقراطي الكردستاني، فمن جهة أخرى يمكن تفسيرها أيضًا على أنها محاولة من الصدر لإعطاء فرصة للأكراد من أجل التوافق على مرشح واحد يحظى بدعم الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، للانفراد بالإجماع الكردي بعيدًا عن أي مفاجآت، وسحب ورقة الثلث المعطل التي تحاول قوى الإطار التنسيقي تشكيلها داخل مجلس النواب.

فخصوم الصدر يدركون أن خطوته الأخيرة خلطت الأوراق وأوصلت التفاهمات السياسية لطريق مسدود

وفضلًا عما تقدم، فإن خطوة الصدر تمثل مناورةً سياسيةً لا تختلف كثيرًا عن مناوراته السابقة، خصوصًا أنه أصبح متمرسًا على ممارسة الضغط العالي، مستندًا في ذلك إلى القاعدة الشعبية التي يمتلكها والشرعية الانتخابية التي يحظى بها، فخطوته الأخيرة أعادت الحديث مرة أخرى عن خطوته السابقة عندما أعلن مقاطعة التيار الصدري للانتخابات المبكرة، ومن ثم عاد للمشاركة ليقلب الطاولة على الجميع.

فخصوم الصدر يدركون أن خطوته الأخيرة خلطت الأوراق وأوصلت التفاهمات السياسية لطريق مسدود، وهو ما أشار إليه زعيم تحالف الفتح هادي العامري، بالإضافة إلى أنها أفرغت المبادرة الأخيرة للسيد مسعود بارزاني من محتواها الحقيقي، وجعلت جميع قوى الإطار أمام خيارين لا ثالث لهما: إما القبول بشروط الصدر بمجملها، وإما الذهاب نحو المعارضة بأكملها، خاصة أنها أصبحت مسلمة باستحقاق الصدر الانتخابي وبأحقيته في تشكيل الحكومة المقبلة، بعيدًا عن جدلية الكتلة الأكبر التي حسمتها المحكمة الاتحادية في قرارها الأخير.

الفراغ الدستوري يلوح بالأفق

إن التحدي الأبرز الذي تفرضه خطوة الصدر الأخيرة، أنها جعلت العراق قاب قوسين أو أدنى من الدخول في مرحلة الفراغ الدستوري، في ظل تعثر التوافق الكردي على مرشح لرئاسة الجمهورية، فكما هو معروف أن الدستور العراقي لعام 2005، حدد سقفًا دستوريًا لمدة بقاء/وانتخاب رئيس جديد للجمهورية، وهو ما أوضحته المادة 72 ثانيًا من الدستور عندما أشارت إلى أنه يستمر رئيس الجمهورية بممارسة مهماته إلى ما بعد انتهاء انتخابات مجلس النواب الجديد واجتماعه، على أن يتم انتخاب رئيس جديد للجمهورية خلال ثلاثين يومًا من تاريخ أول انعقاد له.

وهذا يعني أن مقاطعة الكتلة الصدرية لجلسة انتخاب رئيس الجمهورية في 7 فبراير/شباط المقبل، يعني عدم تحقق نصاب الأغلبية الذي حددته المادة 70 من الدستور، التي أشارت إلى أن نصاب انعقاد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية هو أغلبية الثلثين، أي 220 نائبًا، وهو أمر صعب التحقق في ظل خطوة الصدر الأخيرة.

استمرار الصدر بتجميد المفاوضات من جهة، ومقاطعة جلسة انتخاب رئيس الجمهورية من جهة أخرى، سيدخل المشهد في حالة انسداد سياسي، وقد ينعكس ذلك سلبًا على المشهد الأمني

إن عدم تحقق نصاب انتخاب رئيس الجمهورية يعني أنه في يوم 8 فبراير/شباط الحاليّ، سيدخل العراق في حالة فراغ دستوري يتعذر معه عمل مؤسسات الدولة الرسمية وفق الاستحقاقات الدستورية المنصوص عليها وفق الدستور، ويبدو أن الصدر مدرك جيدًا لتبعات هذه الخطوة، خصوصًا أنه سيجعل قوى الإطار بين نارين: الأولى نار الضغط السياسي الذي تمثله شروطه المعقدة، والثانية نار استمرار حكومة مصطفى الكاظمي التي يرفضونها لأشهر قادمة، وفيما يتعلق بالثانية فيبدو أن الصدر مرتاح لها، لأنه بالإضافة إلى اصطفاف الكاظمي إلى جانبه، فإنه يهيمن أيضًا على عمل رئاسة الوزراء، عبر سيطرته على منصب الأمين العام للمجلس من خلال حميد الغزي، الذي سيكون اللاعب الأبرز في مرحلة الفراغ الدستوري.

وفيما يتعلق بالنقطة الثانية أيضًا، فإنه إلى جانب مجلس الوزراء، فإن الصدر يبدو أيضًا على تفاهم واضح مع رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي، الذي سيكون اللاعب الآخر الذي سيستند إليه الصدر في مرحلة الفراغ الدستوري، فوفقًا للمادة 72 ثانيًا والمادة 75 رابعًا، فإنه في حالة تعذر انتخاب رئيس جديد للجمهورية بعد ثلاثين يومًا من تاريخ أو انعقاد للمجلس، فإنه يصار إلى إيكال مهمة القيام بواجبات رئيس الجمهورية إلى رئيس مجلس النواب، وهو ما يعني بقاء دائرة الضغط على قوى الإطار بيد الصدر، سواء دخل العراق في مرحلة الفراغ أم لم يدخل.

إن الخطوات المتكررة للصدر تؤشر بما لا يقبل الشك أن هناك فهمًا واضحًا لقواعد اللعبة السياسية التي تحاول قوى الإطار تغييرها، عبر ضغوط إقليمية مباشرة وغير مباشرة تمارس على البارزاني حليف الصدر، سواء عبر قائد فيلق القدس الإيراني إسماعيل قآني الذي حمل له مؤخرًا رسالة شخصية من المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي أم عبر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي التقى مؤخرًا برئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، عبر إيجاد صيغة توافق معينة تحتضن قوى الإطار.

فالصدر يدرك أن أي خطوة للوراء تعني ضياع الاستحقاق الانتخابي، فخشيته الكبرى تتمثل بقبول رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي في المعادلة السياسية المقبلة، لما يمكن أن يشكله من مركز ثقل واستقطاب سياسي، بل وإمكانية أن يمارس دورًا مهمًا في إفشال حكومة الأغلبية الوطنية التي يطمح الصدر لتشكيلها.

إن استمرار الصدر بتجميد المفاوضات من جهة، ومقاطعة جلسة انتخاب رئيس الجمهورية من جهة أخرى، سيدخل المشهد في حالة انسداد سياسي، وقد ينعكس ذلك سلبًا على المشهد الأمني الذي يشهد هو الآخر احتقانًا متصاعدًا، خصوصًا أنه شهد الفترة القليلة الماضية، عودة لعمليات القصف الصاروخي وحرق المقرات الحزبية وتصاعد موجة الاغتيالات، وهو ما يطرح بدوره العديد من الأسئلة عن مستقبل العملية السياسية في العراق، التي أصبحت تعاني من تصدعات كبيرة يصعب معالجتها، أو حتى التفاهم على أبسط أساسيات إعادة ترميمها.