الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي

الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي

تواصل الحكومة التونسية مفاوضاتها مع صندوق النقد الدولي للحصول على تمويلات إضافية لتمويل ميزانية الدولة، مقابل القيام بـ"إصلاحات عميقة" على غرار رفع الدعم وتعديل الأجور وبيع بعض المؤسسات العمومية، لكن صندوق النقد يشترط اتفاقًا موسعًا بين مختلف المؤسسات في البلاد بشأن هذه الإصلاحات الموجعة بحق التونسيين، حتى يتم الاتفاق معه.

في ظل غياب حكومة منبثقة عن الشعب وبرلمان شرعي، صعدت مكانة اتحاد الشغل، حتى أصبحت موافقته كافية لتمرير هذا الاتفاق، إلا أن المتأمل لتحركات المركزية النقابية في تونس وتصريحات القيادة، يرى أن الاتحاد لا يُريد التورط وتحمل تداعيات هذا الاتفاق وحده.

فشل نظام سعيد في إنعاش الاقتصاد

ليلة 25 يوليو/تموز 2021، وقبلها في مرات كثيرة، قال الرئيس قيس سعيد إن تونس غنية والسبب في أزماتها الاقتصادية والاجتماعية المتعددة، فساد وسوء تصرف الماسكين بالحكم، وهو ما برر به انقلابه على الدستور ومؤسسات الدولة الشرعية.

مرت أشهر عديدة على استيلاء سعيد على الحكم وسيطرته على كل السلطات، إلا أن الواقع الاقتصادي ازداد تأزمًا، فلم يلاحظ التونسي أي تغيير للأفضل، بل حصل الأسوأ وحدث ما لم يكن يتوقعه أكثر المتشائمين، فقد ارتفعت أغلب أسعار المواد الأساسية وغير الأساسية وغابت العديد من المواد عن الأسواق كالسكر والزيت والطحين وتراجعت القدرة الشرائية للتونسيين، وارتفع معها التضخم والبطالة، فيما تقلّصَت خيارات الحكومة لضبط ميزانية الدولة.

ليس هذا فحسب، فقد خسرت تونس خلال الأشهر التي أعقبت انقلاب سعيد آلاف الوظائف نتيجة دخول آلاف المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في نفق التعثر المالي، في ظل عدم إيفاء حكومة نجلاء بودن بوعودها لأصحاب هذه المؤسسات.

تُعول الحكومة التونسية على التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي لتمويل ميزانية العام الحاليّ

ارتفاع الأسعار، أدى إلى زيادة التضخم في تونس خلال يناير/كانون الثاني الماضي إلى 6.7% مقارنة بـ6.6% في ديسمبر/كانون الأول الذي سبقه، ويتوقع أن يبلغ معدل التضخم في المتوسط نحو 8% في 2022.

في ظل هذا الوضع توقعت الحكومة الحاليّة عجزًا في الميزانية العامة للدولة بقيمة 8.548 مليار دينار (3 مليارات دولار)، أي بنسبة 6.7% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2022، فيما توقعت وكالة "فيتش" استمرار العجز في ميزانية تونس عند مستويات مرتفعة في حدود 8.5% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2022، مقارنة بنسبة 7.8% العام الماضي، وتُقدَّر ميزانية سنة 2022 بـ57.2 مليار دينار (20 مليار دولار)، بزيادة 3.2% عن ميزانية سنة 2021.

وقبل نحو أسبوع، خفضت وكالة "فيتش" الدولية للتصنيف الائتماني، تصنيف تونس السيادي من مرتبة "B-" إلى "CCC"، وقالت الوكالة في بيان: "هذا التصنيف يعكس مخاطر السيولة المالية والخارجية المتزايدة في سياق المزيد من التأخير في الاتفاق على برنامج جديد مع صندوق النقد الدولي".

كما سجلت تونس في الفترة الأخيرة نقصًا في السيولة المالية، ما أدى إلى تأخر خلاص أجور الموظفين في القطاع العام وعجز الدولة عن خلاص شحنات قمح بقيت راسية في البحر لأيام عديدة وبعدها اضطرت للعودة من حيث أتت.

تثبت هذه المؤشرات أن نظام قيس سعيد فشل في إنعاش الاقتصاد رغم سيطرته على كل السلطات في البلاد، ما اضطره للبحث عن سُبل تمويل موازنة الدولة، في ظل عجزه عن إقناع الخليجيين بتمويل ميزانية الدولة الفارغة وتوقف أغلب القطاعات عن الإنتاج وتعثر نظامه في إقرار منوال تنموي جديد.

مفاوضات مع صندوق النقد

أمام هذا الوضع لجأ قيس سعيد إلى صندوق النقد الدولي علّه يمنحه بعض المال الذي يسد به عجز الموازنة لهذه السنة، خاصة أمام تيقُّنه والمحيطون به أنه لا سبيل لهم لجمع بعض المال إلا بطرق أبواب الصناديق الدولية.

لا مشكلة لسعيد فيما يشترطه صندوق النقد الدولي، فالمهم عنده الظهور في ثوب المنتصر وإن كان انتصارًا وهميًا لا يزيد تونس إلا أزمة جديدة على أزماتها المتعددة التي لا أمل في انتهائها في الوقت القريب أو المتوسط.

وكان صندوق النقد الدولي قد أعلن منذ منتصف شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي تلقيه طلبًا للمساعدة من الحكومة التونسية الجديدة، وذلك بالتزامن مع تأكيد محافظ البنك المركزي التونسي عودة المفاوضات الرسمية التي انطلقت مع حكومة هشام المشيشي المُقالة للحصول على قرض بقيمة 4 مليارات دولار.

المركزية النقابية في تونس تخشى أن تكون كبش فداء وتتحمل وزر الإصلاحات وحدها

تُعول الحكومة التونسية على التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي لتمويل ميزانية العام الحاليّ، وتحتاج تونس إلى قروض خارجية وداخلية بنحو 18.6 مليار دينار (أكثر من 6 مليارات دولار) في العام الحاليّ.

سبق أن قال ممثل صندوق النقد الدولي في تونس جيروم فاشيه إن على هذا البلد العربي الساعي للحصول على مصادر تمويل دولية القيام بـ"إصلاحات عميقة جدًا"، حتى يتمكن من الوصول إلى اتفاق مع الصندوق، ويشترط الصندوق على تونس تسريح آلاف الموظفين عبر التشجيع على التقاعد المبكّر وبرامج التسريح الطوعي، وذلك بهدف التحكم في نسبة الأجور التي وصلت إلى 14.4% من الناتج المحلي الإجمالي، نتيجة وصول أعداد العاملين في القطاع العام إلى نحو 650 ألف موظف وارتفاع الزيادات في الأجور في السنوات الأخيرة.

كما يشترط النقد الدولي أيضًا تخفيض الإنفاق العام وترشيد النفقات، إلى جانب إلغاء منظومة الدعم الموجَّه للفئات الفقيرة، وبيع عدد من المؤسسات العمومية للخواص على غرار شركة نقل تونس والخطوط التونسية وشركة الكهرباء والغاز وتوزيع المياه.

تحفظات اتحاد الشغل

إلى جانب ذلك، يشترط صندوق النقد الدولي توافق داخلي واسع على الإصلاحات التي يجب القيام بها، وهنا يظهر الدور المهم للاتحاد العام التونسي للشغل خاصة في ظل تراجع دور باقي المنظمات الوطنية وعدم وجود البرلمان.

تحتاج الحكومة لموافقة الاتحاد على الإصلاحات ووثيقتها الموجهة نحو صندوق النقد الدولي حتى تحصل على القرض، لكن يبدو أن الاتحاد لا يُريد التورط مع نظام قيس سعيد في هذه النقطة خاصة أنه يعلم أن الحكومة لا برنامج واضح لها وما تطرحه على صندوق النقد ستكون له نتائج وخيمة على البلاد.

ظهر هذا جليًا في تأكيد الاتحاد على تحفظاته من برنامج الحكومة المقدم خاصة رفع الدعم وتجميد الانتدابات والأجور، خلال لقائه نهاية الأسبوع الماضي مع وفد من صندوق النقد الدولي الذي التقى أيضًا في ذات اليوم مع وفد من الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية.

في هذا اللقاء الذي يمهد للمفاوضات المباشرة بشأن اتفاقية التمويل الجديدة بين الحكومة والصندوق، أبلغ الاتحاد العام التونسي للشغل وفد خبراء الصندوق رفضه أي إصلاحات تتسبب في هزات اجتماعية في البلاد وأنه لن يقبل بإجراءات تجميد الرواتب ورفع الدعم وكل الإصلاحات التي تضرب الحقوق الاجتماعية للتونسيين.

كما شدد الاتحاد في هذا اللقاء على اعتزامه التصدي لكل الإجراءات التي تمس الحقوق المكتسبة للمواطنين، وجاء موقف الاتحاد رغم محاولات حكومة نجلاء بودن إقناع النقابة الأكثر وزنًا في البلاد بوصفة إصلاحاتها.

ويخشى الاتحاد أن يتحمل وحده مسؤولية الاتفاق الذي ستوقعه الحكومة مع صندوق النقد الدولي، خاصة أن لهذا الاتفاق تداعيات كبيرة على الشعب التونسي وسيزيد من متاعب فئات كثيرة ولا يوجد للحكومة أي برنامج لدعم تلك الفئات.

يُفهم من هنا أن المركزية النقابية في تونس تخشى أن تكون كبش فداء وتتحمل وزر الإصلاحات وحدها، لذلك يرى ضرورة الحوار وتوسيع التوافقات بشأن المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، ما يُفسر التجاءه للإضرابات في الفترة الأخيرة.

رفض الاتحاد لبرنامج مفاوضات الحكومة مع صندوق النقد، من شأنه أن يضع نظام قيس سعيد في مأزق، خاصة أن موازنة الدولة شبه فارغة ولا توجد حلول كثيرة لملئها، ما سيعرضها لردود احتجاجية من فئات شعبية كثيرة لم تعد تتحمل أكثر.