أن تكوني امرأة مسلمة في فرنسا يعني أن تجدي نفسك موضوع نقاش دائم، وأن يتمَّ اختزالكِ في صورة امرأة خاضعة وقعت ضحية دينها، وإذا كانت هوية الإسلام تُثقل كاهل المسلمين في فرنسا، فإن المرأة المسلمة تدفع ليس فقط ثمن اختيارها لدينها، بل كذلك ثمن كونها امرأة، وما يزيد الطين بلة هو أن تكوني محجبة فيتم عزلكِ ووضعكِ في قالب معيّن.

في ظل الإسلاموفوبيا وما تقاسيه المرأة المسلمة من اضطهادات وممارسات عنصرية ضدها في فرنسا، تعلو أصوات نساء ساعيات لكسر الصور النمطية التي يتبنّاها المجتمع الفرنسي ويعززها الإعلام عن المرأة المسلمة.

فنجد آتيكا طرابلسي (Attika Trabelsi) من خلال كتابها "كيف سيكون شكل الإسلام لو لم تُنسَ كل تلك النساء؟"، تسلط الضوء على مسلمات منسيات ساهمن في ازدهار الإسلام؛ ونجد إليز سانت جوليان (Elise Saint-Jullian) في كتابها الموجه للمراهقين "مسلمات العالم"، تبرز أدوارًا نموذجية ومتنوعة لنساء مسلمات تفوّقن في مجالات عديدة.

"كيف سيكون شكل الإسلام لو لم تُنسَ كل تلك النساء؟": من الشك والتساؤلات إلى كتاب نسوي ملهم

ولدت آتيكا طرابلسي في فرنسا ونشأت في بيئة كان فيها الإسلام مركزيًّا، فقد كان والدها إمامًا والدين الإسلامي في صميم تربيتها وتعليمها.

في عام 2016 شاركت آتيكا في تأسيس لالاب (Lallab)، وهي جمعية نسوية مناهضة للعنصرية تهدف إلى إسماع صوت النساء المسلمات والدفاع عن حقوقهن، في ظل ما يتعرضن إليه من اضطهاد وعنصرية ومعاداة لدينهن.

ب

خلال السنوات الأخيرة ساورت آتيكا الكثير من التساؤلات حول معتقداتها، وإن كان ما تؤمن به ما هو إلا نتيجة طبيعية للتربية التي تلقتها، وبفضل المحادثات المستمرة مع مسلمات أخريات، وجدت آتيكا أنها ليست وحدها، بل إن كثيرًا من النساء يشاركنها الشكوك والأسئلة ذاتها.

كامرأة مسلمة ملتزمة بالقضايا النسوية، وخاصة من خلال عملها في لالاب، كانت أسئلة آتيكا النسوية والدينية تكبر يومًا بعد يوم، كما كانت تشعر بالإنهاك واليأس لأن صوتها غير مسموع ولا يلقى الاحترام، خاصة من قبل مجتمعها الديني.

يضاف إلى ذلك إحساسها بالاستياء النابع من حقيقة ما تتعرض إليه المرأة المسلمة من العنف والعنصرية، وما تواجهه في حياتها اليومية من السلوكيات المعادية للإسلام.

وحتى لا تغرق آتيكا أكثر في الشكوك، قررت البحث عن قارب نجاة وأطلقت مشروع "Power Our Stories"، وهو صفحة على فيسبوك شاركت فيها يوميًّا على مدار شهر رمضان قصص نساء تمَّ نسيانهن أو تجاهلهن رغم مساهمتهن في ازدهار الإسلام.

وبعد عام، وبناءً على طلبات متكررة من المتابعين للمشروع، أعلنت آتيكا قرارها في تحويل هذا المشروع الإلكتروني إلى كتاب، وفي رحلة بحثها عن دار نشر، قررت الكاتبة تأسيس دار النشر Femmeuses لتوفِّر للنساء اللاتي غالبًا ما يتمّ قمع أصواتهن مساحة حرة للتعبير عن قصصهن ومشاريعهن الفردية.

ليس من السهل تغيير تلك الصورة السلبية التي أصبحت متجذّرة في المخيلة الجمعية للغرب، لكن ذلك لم يمنع آتيكا وإليز وآخريات من السعي الجاد إلى التصدي لتلك الكليشيهات وبناء صورة أكثر صدقًا وإيجابية

لقد ألهم الدور الريادي لخديجة -زوجة الرسول عليه الصلاة والسلام- آتيكا للبحث عن نساء أخريات بإمكانهن إلهامها، حيث كان الأمر في البداية هو مهمة بحث شخصية إلى أن تحول إلى مشروع كتاب.

من خلال تقديم حياة 15 امرأة ملهمة، تتجرّأ آتيكا على دعوة قارئها إلى تخيُّل كيف من الممكن أن يكون الإسلام والعالم لو لم يتمَّ نسيان أو تجاهل تلك النساء، لتؤسِّس بذلك نظرة جديدة إلى المكان الذي من الممكن أن تحتله المرأة المسلمة. 

تسعى آتيكا عبر مناقشة أدوار تلك النساء إلى التصدي لأفراد معيّنين من مجتمعها الديني، والذين يفسرون بعض النصوص الدينية بشكل معادٍ للمرأة، وتطمح إلى أن يلهم كتابها النساء الأخريات لمواصلة طريقهن نحو التحرر والمساهمة في جعل العالم مكانًا أفضل.

إلى جانب افتتاحية الكتاب ومقدمته، يأتي الكتاب في 5 أجزاء: الرياديات (خديجة، أم ورقة، رابعة عدوية)؛ الفاتحات (نسيبة، خولة، ملاهايتي)؛ القائدات (ست الملك، السيدة الحرة، رازية سلطان)؛ الفنانات (الخنساء، عريب، ولاّدة) والعالمات (الشفاء بنت عبد الله، ستيتة المحاملي، مريم الإسطرلابي).

"مسلمات العالم": قصة 30 امرأة مُلهِمة في كتاب واحد

يؤمن كثير من الناس بأن الدين الإسلامي ليس مصدرًا لعدم المساواة، وإنما يتم استخدامه كأداة لتبرير عدم المساواة ضد المرأة، كما يكتشفون أن حقيقة المرأة المسلمة تختلف عن الصور النمطية التي يُسَوِّق لها الإعلام والتي تمَّ ترسيخها في الأذهان.

ق

في عملها كصحفية متخصصة في حقوق المرأة وفي الأديان وبالتركيز على الإسلام، اعتادت إليز سانت جوليان على التعامل مع موضوعات الإسلاموفوبيا، ولاحظت أن المرأة المسلمة غالبًا ما يتمّ حصرها في صورة ضيقة، وكانت تشعر بالإحباط لرؤية أن كثيرًا من المسلمات لديهن بالفعل مجموعة من المواهب ولا يتم الحديث عنهن.

فلم تسمع يومًا بحسب قولها عن تلك النساء اللاتي يتحدثن على سبيل المثال عن الأوبرا أو الذكاء الاصطناعي أو البيئة أو الفن وما إلى ذلك، كما وجدت أن هناك العديد من الكتب النسوية تسلّط الضوء على شجاعة النساء، ولكن قليلًا من النساء المسلمات يظهرن في مثل هذه الكتب.

دفع هذا إليز إلى التفكير في إنتاج كتاب يعرض نماذجًا ايجابية ملهمة لنساء مسلمات من خلفيات واهتمامات مختلفة، وبعد عدة شهور من البحث، اختارت سان جوليان لكتابها "مسلمات العالم" 30 امرأة مُلهِمة من ثقافات وأعمار ومهن مختلفة. 

تدرك سان جوليان أنه من الممكن أن تكون مسلمًا وليس لديك ثقافة المسلمين الآخرين نفسها، فأن تكون مسلمًا لا يعني بالضرورة أن تكون نسخة أو صورة عن مسلمين آخرين، ولذلك حرصت على إظهار هذا التنوع من خلال اختيار نساء معاصرات من بقاع مختلفة حول العالم، من أعمار مختلفة، ويقمن بأشياء متنوعة: الناشطات، الراقصات، المدافعات عن البيئة، رائدات الأعمال وأخريات.

ترغب الكاتبة في أن يتمَّ التوقف عن التركيز فقط على حجاب المرأة المسلمة، وتسعى من خلال عرض المسارات الجريئة الملهمة لـ 30 امرأة إلى المساهمة في تغيير الطريقة التي يتمّ النظر بها إلى هذه المرأة، فإن المرأة المسلمة بحسب قولها أكبر بكثير من القالب الضيق الذي يتمّ حبسها فيه، سواء من خلال تصويرها كضحية للإسلاموفوبيا أو للرجال في مجتمعها الديني.

نحو صورة أكثر إيجابية للمرأة المسلمة

إن صورة المرأة المسلمة في الغرب هي صورة سلبية، فهي تحصر المرأة في مواضيع مثل الحجاب، الزواج القسري، جرائم الشرف، التعنيف وغيرها.

هذه الصورة النمطية المحدودة التي تغذّي الإسلاموفوبيا حجبت الرؤية عن التفكير في حقيقة تلك المرأة، فيتمّ فقط تصوير المسلمة على أنها خاضعة، منعزلة ورجعية، مع التعتيم على كل الأدوار التي تقوم بها.

نجد الإعلام مثلًا يركّز على حجاب المرأة -والذي يُعتبر مادة دسمة-، ولا يتطرّق على سبيل المثال لمواضيع مثل سعي تلك المرأة إلى تحقيق حياة أفضل لأسرتها أو تفوقها في مجال معيّن أو معاناتها من غلاء الأسعار، وهكذا.

فكل المواضيع التي يتمّ طرحها تتجاهل أن هذه المرأة هي مثل أي إنسان، لها خصوصيتها بغضّ النظر عن إسلامها، فكونها مسلمة لا يعني أنها ضحية، ولا يعني أنها مجرد رقم جديد يتعرض للظلم، هي في النهاية امرأة عادية لا تشبه غيرها، لها حكايتها الفريدة.

ليس من السهل تغيير تلك الصورة السلبية التي أصبحت متجذّرة في المخيلة الجمعية للغرب، لكن ذلك لم يمنع آتيكا وإليز وأخريات من السعي الجاد إلى التصدي لتلك الكليشيهات، وبناء صورة أكثر صدقًا وإيجابية.

إن تلك المبادرات الفردية من شأنها أن تساهم بشكل أو بآخر، اليوم أو غدًا، في تغيير نظرة المجتمع إلى المرأة المسلمة، أو على الأقل يمكنها أن تدفع الآخرين إلى التوقف للبحث عن الحقيقة، حقيقة امرأة جعلها الغرب موضوع جدل وسخرية.