حارس بجوار تمثال لرمسيس الثاني داخل الفناء الأول لمعبد الأقصر في مدينة الأقصر جنوب مصر في 19 كانون الثاني/يناير 2022.

ترجمة وتحرير: نون بوست

يعمّ الغضب بين عمال السياحة وأصحاب البازارات في مدينة الأقصر القديمة في مصر، بعد حملة أمنية كبيرة استهدفت متاجر المدينة الأسبوع الماضي. وبحسب شهود عيان؛ فإن ضباط الشرطة اقتحموا البازارات ومحلات الصرافة في المدينة بحثًا عن العملات الأجنبية؛ وهو ما أسموه "مكتنزي العملة الأجنبية"، ودخلوا عشرات المحلات وصادروا العملات الأجنبية واعتقلوا العمال بعد اتهامهم بالتورط في تجارة العملات الأجنبية غير المشروعة.

بازار خميس، الذي يقع في السوق السياحي الرئيسي بالمدينة، كان من ضمن المحلات التي تم اقتحامها في  6 نيسان/أبريل؛ حيث اتهّم صاحب البازار الشرطة بأخذ أموال من المحل "بشكل غير قانوني" واعتقال محاسب المحل.

من جهته، قال صاحب المحل سمير علي لموقع "ميدل إيست آي" البريطاني: "اقتحموا المحل وأمروا المحاسب بفتح الخزنة وأخذوا كل الأموال الموجودة فيها. لا أعرف لماذا فعلوا ذلك".

وبعد أخذ الأموال التي تضمنت عملات ورقية أجنبية، ألقى ضباط الشرطة القبض على محاسب المحل، الذي كان واحدًا من العديد من الأشخاص الذين تم القبض عليهم في ذلك اليوم بتهمة حيازة أو تداول العملات الأجنبية بشكل غير قانوني، وقال علي إن المحاسب سُجن في البداية لمدة أربعة أيام ثم لمدة 15 يومًا على ذمة التحقيق.

في سياق ذلك؛ قال شهود عيان إن مرشدًا سياحيًّا كان على وشك الدخول إلى مكتب صرافة لتحويل العملات الأجنبية مقابل الجنيه المصري، اعتقل أيضًا واتُهم بحيازة هذه العملات بشكل غير قانوني.

في أعقاب هذه الحوادث، يشعر أصحاب البازارات مثل علي وآخرين في صناعة السياحة في الأقصر بالقلق من أن ينتهي بهم الأمر في السجن إذا تم القبض عليهم وبحوزتهم عملات أجنبية.

صورة
 سائق عربة في مدينة الأقصر جنوب مصر يوم 20 كانون الثاني/ يناير 2022 

لا يُجرّم القانون المصري حيازة العملات الأجنبية، لكن القانون نفسه يحظر بيع أو شراء العملات الأجنبية خارج النظام المصرفي ومكاتب الصرف الأجنبي المرخصة في البلاد، ولهذا السبب يخشى بعض زملاء المرشد السياحي، الذي اعتُقِل يوم الأربعاء وهو في طريقه إلى مكتب صرافة، من تحويل بعض الدولارات.

وقال زميل للمرشد الذي تم اعتقاله ـ طلب عدم ذكر اسمه ـ لموقع "ميدل إيست آي": " إن اعتقال زميلي جعلنا خائفين".

وقال علي إنه سيبدأ في مطالبة عملائه بالدفع له بالجنيه المصري بدلًا من العملات الأجنبية، على الرغم من أن "السياح عادة ما يدفعون بعملة بلدهم"، لكنه أضاف: "مع احتمال حدوث هذه المداهمات في أوقات أخرى في المستقبل، لن أقبل أي عملات أجنبية في متجري".

ودافع بعض أعضاء البرلمان عن المداهمات التي استهدفت محلات الأقصر، قائلين إنها انطلقت بعد أنًّ تلقت الشرطة معلومات تفيد بأن بعض أسواق المدينة متورطة في تجارة غير مشروعة بالعملة الأجنبية في خضم أزمة مالية سببها جزئيًا الحرب في أوكرانيا.

وبصرف النظر عن حرمان مصر من جزء كبير من عائدات قطاع السياحة؛ فقد تسببت الحرب أيضًا في دفع مصر أكثر مقابل جميع وارداتها تقريبًا، بما في ذلك واردات القمح التي كانت تأتي في الغالب من روسيا وأوكرانيا.

"البازارات والمحلات التي تبيع المنتجات للسياح لا يمكنها تخزين العملات الأجنبية خارج إطار القانون".. أماني الشوالي، نائبة بالبرلمان. 

إلى جانب ذلك؛ تسببت التطورات الاقتصادية الدولية بسبب الحرب في هروب هائل لرؤوس الأموال الأجنبية من مصر، مما دفع المخططين الماليين في البلاد إلى السعي للحصول على الدعم من الدول العربية الشقيقة وصندوق النقد الدولي، كما أن انخفاض احتياطيات العملات الأجنبية بشكل كبير ينشر الخوف من مستقبل اقتصادي أكثر قتامة في البلاد.

يأتي ذلك في ظل تخوّف مصر من أن تفتح نفس الظروف الاقتصادية الصعبة الباب أمام ظهور سوق عملات أجنبية موازية، خاصةً وأن التجار والمستوردين يجدون صعوبة في الحصول على احتياجاتهم من العملات الأجنبية من بنوك الدولة؛ حيث قالت أماني الشولي، عضو لجنة السياحة والطيران المدني في مجلس النواب، لموقع "ميدل إيست آي" إنّ "البازارات والمحلات التجارية التي تبيع المنتجات للسياح لا يمكنها تخزين العملات الأجنبية خارج إطار القانون".

قلب السياحة

مدينة الأقصر هي مركز السياحة الأثرية في مصر؛ وهي عبارة عن متحف في الهواء الطلق يضم عددًا هائلاً من الآثار والعجائب الأثرية، بما في ذلك مجمع معبد الأقصر والكرنك.

وتأتي مداهمات الشرطة للأسواق ومكاتب الصرف الأجنبي في المدينة مع استمرار المدينة في استقبال المزيد من السياح الأجانب، في مخالفة للاتجاه العام في مصر؛ حيث تضرّر قطاع السياحة بشدة من الحرب المستمرة في أوكرانيا.

وتتراوح نسبة إشغال الفنادق في الأقصر بين 60 و70 في المئة، ويعزو المتخصصون في السياحة هذا المعدل المرتفع بشكل كبير إلى استقلال الأقصر عن التدفقات السياحية الوافدة من روسيا وأوكرانيا؛ إذ يتوجه السياح من البلدين عادة إلى منتجعات شرم الشيخ والغردقة على البحر الأحمر، وهي مناطق تعاني من نقص الدخل السياحي منذ بداية الحرب.

ومع ذلك؛ هناك مخاوف من أن ممارسات الشرطة هذه ستؤثر على السياحة في المدينة، وتأتي المداهمات في الوقت الذي يشير فيه المصريون بأصابع الاتهام إلى شرطة بلادهم لتشويه سمعة قطاع السياحة في أعقاب معاملة الشرطة المعيبة لمدون فيديو أمريكي شهير.

ففي مقطع فيديو حديث شاهده مئات الآلاف من المتابعين، قال ويل سونبوشنر إن معدات التصوير الخاصة به ـ بما في ذلك الكاميرات الخاصة به وشواحن الكاميرا والطائرة بدون طيار ـ تم الاستيلاء عليها في مطار القاهرة الدولي ولم يتم إعادتها إليه إلا عند مغادرته.

وأثار مقطع الفيديو الخاص به ضجة على وسائل التواصل الاجتماعي في مصر، ورد فعل بعض الأشخاص، بما في ذلك مدونو الطعام والسفر العرب الذين لديهم تجارب مختلفة في مصر؛ حيث قال أحد هؤلاء المدونين إنه عادة ما يحصل على دعم من الشرطة أثناء التصوير في مصر.

وتعمل الحكومة المصرية جاهدة للتخفيف من آثار الحرب في أوكرانيا على قطاع السياحة المحلي من خلال البحث عن أسواق بديلة للسياح، لا سيما أن السياحة قطاع حيوي في الاقتصاد المصري، إذ يساهم بنسبة 12 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي لمصر ويوظّف ما نسبته 10 في المئة من العمال.

"الحرب" على السياحة

كان زملاء الشولي قد استدعوا بالفعل مسؤولي وزارة الداخلية لمناقشة قضية محلات الأقصر، وتهدف المناقشة إلى وضع لوائح جديدة للمعاملات في المدينة بالعملات الأجنبية؛ حيث قال النائب بهاء أبو الحمد: "نحن بحاجة إلى لوائح لحماية عمال السياحة الذين لا يمكنهم فعل أي شيء سوى قبول أي أموال يقدمها لهم السائحون"، لكن جماعة حقوقية محلية وصفت المداهمات الأخيرة لمحلات الأقصر بأنها "حرب" ضد قطاع له أهمية قصوى لعدد كبير من العمال المصريين والاقتصاد المصري.

عمال السياحة في الأقصر يكسبون عيشهم بشرف في الوقت الذي تصبح فيه الظروف الاقتصادية أكثر صعوبة يومًا بعد يوم

من جانبهم؛ كرر بعض النواب نفس الانتقادات، وحذروا من تأثير مداهمات الشرطة على المحلات التجارية في المدينة السياحية على قطاع السياحة ككل، وعلى الظروف المعيشية للعاملين في السياحة؛ حيث دعا ممثل الأقصر في مجلس النواب النائب بهاء أبو الحمد إلى المطالبة بوجود ضوابط واضحة للتعامل التجاري مع السياح في المدينة.

وقال إن عمال السياحة في الأقصر يكسبون عيشهم بشرف في الوقت الذي تصبح فيه الظروف الاقتصادية أكثر صعوبة يومًا بعد يوم، وأضاف متسائلًا: "هل يجب على سائقي عربات الخيول ـ على سبيل المثال ـ إعادة الأجرة التي دفعها السائحون إذا لم تكن بالجنيه المصري؟"، وقال لموقع "ميدل إيست آي": "نحن بحاجة إلى لوائح لحماية عمال السياحة الذين لا يمكنهم فعل أي شيء سوى قبول أي أموال يمدهم بها السائحون".

المصدر: ميدل إيست آي