تصاعد الاحتجاجات في إيران بسبب موجة الغلاء

شهدت عدد من المدن الإيرانية الساعات الماضية تظاهرات احتجاجية رفع المشاركون فيها شعارات ضد المرشد علي خامنئي والرئيس إبراهيم رئيسي، جراء موجة ارتفاع الأسعار الجنونية التي شهدتها البلاد خلال الأيام الماضية ضمن الإجراءات الإصلاحية المتخذة رسميًا لإخراج الاقتصاد من أزمته الخانقة.

مقاطع الفيديو التي تداولها النشطاء على شبكات التواصل الاجتماعي كشفت عشرات التظاهرات شارك فيها إيرانيون في عدد من المدن أبرزها إيذه وشهركرد والشوش ودورود وجونقان والأحواز، الأمر الذي دفع الشرطة للدخول في مواجهات مع المحتجين أسفرت عن وقوع إصابات واعتقال عدد منهم.

وتعاني إيران خلال السنوات الأخيرة من موجات احتجاجية بين الحين والآخر، بين تظاهرات عمال ومعلمين ومواطنين اعتراضًا على المستوى المتدني الذي وصلت إليه الأوضاع المعيشية في البلاد وسهام الغلاء التي ضربت السلع الإستراتيجية، لعل أكثرها شراسة تلك التي اندلعت خلال نوفمبر/تشرين الثاني 2019 بعد قرار الحكومة السابقة رفع أسعار البنزين 3 أضعاف، غير أن الاحتجاجات الحاليّة هي الأولى من نوعها في عهد حكومة رئيسي منذ الصيف الماضي.

وتتزامن تلك الاحتجاجات الشعبية الداخلية مع تباين وجهات النظر إزاء المسار التفاوضي بشأن الاتفاق النووي الإيراني، ما بين تفاؤل وزير خارجية الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل الذي زار طهران الجمعة 13 ماير/أيار 2022، وتشاؤم مسؤولي فرنسا وألمانيا الذين يرون أن الطريق بات مسدودًا أمام أي اتفاق محتمل.

تصاعد الاحتجاجات

ينطلق الغضب الشعبي الإيراني من قاعدة عدم وفاء رئيسي بالوعود التي قطعها على نفسه حين تولى السلطة يوليو/تموز الماضي وتعهد بإصلاح الوضع الاقتصادي والمعيشي الصعب للمواطنين وتحسين ظروفه المعيشية، إذ تفاقم الوضع سوءًا بعد تنصيبه، الأمر الذي اعتبره الشارع "فشلًا يستوجب التحرك".

انطلقت الاحتجاجات من مدينة الخفاجية في إقليم الأحواز (غرب)، إذ هتف المتظاهرون بهتافات ضد النظام، المرشد والرئيس والحكومة، كما أضرموا النيران في عدد من الشوارع وأغلقوا بعض الطرق الرئيسية، ثم امتدت نيران الغضب إلى الفلاحية وإيذه وشهركرد، وسط محاولات للاستيلاء على المحال التجارية ومراكز التسوق حسبما تداول نشطاء عبر مقاطع فيديو على منصات التواصل الاجتماعي.

كما شهدت موجة الغضب الحاليّة استهداف "الحرس الثوري" حيث وصفه المحتجون بتنظيم الدولة "داعش"، مرددين شعارات مناهضة على غرار "أيها الديكتاتور، أيها الحرس الثوري، إنك داعشي لنا"، مع المطالبة بإسقاط الحكومة التي فشلت في تلبية الحد الأدنى من مطالب الشارع الثائر.

وقد أسفرت تلك المواجهات المستمرة لليوم الثالث على التوالي عن سقوط عدد من المصابين، فضلًا عن اعتقال عشرات المشاركين وسط زيادة حدة الاحتقان جراء السياسة الاقتصادية التي تتبعها الحكومة والإجراءات القاسية التي اتخذتها السلطة مؤخرًا وتمثل ضغطًا إضافيًا على المواطنين.

وأمام تلك الأجواء اضطرت الحكومة إلى قطع شبكة الإنترنت أو خفضت سرعتها في ست محافظات إيرانية، مع صعوبة شبكة الاتصالات في بعض المدن منها الأهواز قرابة أسبوع كامل، وسط مخاوف من قطع كلي للاتصالات والإنترنت عن بقية المدن التي تشهد احتجاجات.

موجة غلاء عارمة

تأتي الهبة الشعبية الإيرانية ردًا على الإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها حكومة رئيسي وأسفرت عن موجة غلاء غير مسبوقة في أسعار السلع والخدمات، شملت السلع الرئيسية التي يعتمد عليها الإيرانيون وفي المقدمة منها القمح ومستلزمات الخبز التي زادت بنسبة 300%، هذا بخلاف أسعار زيت الطهو واللحوم والبيض.

الإجراءات التي اتخذتها السلطات الإيرانية فيما يتعلق بالسياسة التسعيرية والنقدية الجديدة أدت إلى إحداث حالة من الاضطراب داخل الأسواق التي شهدت تباينًا في الأسعار، إذ تأرجحت الزيادات بين 100 - 400% في بعض السلع، الأمر الذي أثار غضب متوسطي الدخل في ظل ثبات الأجور ورواتب التقاعد.

وتعاني طهران من أوضاع اقتصادية صعبة خلال العقود الماضية، زادت وتيرتها بعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي في 2017، والعقوبات الغربية المفروضة على النفط الإيراني والمؤسسات المالية، الأمر الذي أدى إلى زيادة معدل التضخم الرسمي ليصل إلى نحو 40%، ويتجاوز 50% في بعض التقديرات، هذا في الوقت الذي يعيش فيه قرابة 82 مليون نسمة يمثلون أكثر من نصف سكان إيران تحت خط الفقر.

وفي تعليقه على سياسات رئيسي الاقتصادية قال نائب مدینة تشابهار في البرلمان الإيراني، معين الدين سعيدي في تصریح صحفي له": "أنا شخصيًا ذهبت إلى عدة متاجر بعد الحوادث ولم يكن هناك دجاج أو زيت. عملیة جراحة الاقتصاد من إدارة "رئيسي" ستؤدي إلى موت المریض (الاقتصاد)".

وتحول المناخ الاقتصادي في إيران إلى بيئة طاردة للاستثمارات، فبحسب البيانات الصادرة عن البنك المركزي الإيراني خرج من البلاد نحو 6.3 مليار دولار خلال عام 2020 بجانب 10.1 مليار دولار خلال الأشهر التسع الأولى من عام 2021، ليصل إجمالي الأموال المغادرة خلال 20 شهرًا فقط أكثر من 16 مليار دولار، وسط توقعات بزيادة نزيف رؤوس الأموال الهاربة، ما يهدد بتأزم الوضع مستقبلًا.

حكومة رئيسي في مأزق

التصعيد الشعبي أثار قلق الرئيس الإيراني الذي اضطر للخروج إلى الشارع في محاولة لطمأنته بشأن السياسات الاقتصادية لحكومته وتقديم شرح مستفيض بشأن توجهاتها العامة لا سيما المتعلقة بإلغاء اعتماد سعر الصرف الرسمي للعملة المحلية (الريال) الذي كان عند حاجز 42 ألف للدولار الواحد، علمًا بأن سعره في السوق الموازي يتجاوز 280 ألف ريال.

وأعلن رئيسي خلال كلمة متلفزة له عن حزمة قرارات لتخفيف العبء عن المواطنين منها رفع الدعم النقدي الشهري لشهرين مقبلين للمواطنين الإيراني من 3.5 إلى 4.5 أضعاف، مع إمكانية تحويل هذا الدعم إلى بطاقات تموين إلكترونية، تمكن من شراء سلع أساسية مثل الخبز بأسعار مدعومة من خلال هذه البطاقات وبسقف محدد.

وحاول الرئيس الإيراني تطمين الشارع الثائر بالتأكيد على إيجابية المسار الذي تنتهجه حكومته حيث ارتفعت الصادرات النفطية الإيرانية بنسبة 200% عما كانت عليه عندما تولى الرئاسة الإيرانية خلال يوليو/تموز الماضي، بجانب ارتفاع حجم التجارة الإيرانية الخارجية إلى 100 مليار دولار، منوهًا أن حكومته نجحت بشكل نسبي في التغلب على عجز الموازنة الذي بلغت قيمته حين تولى السلطة 4500 تريليون ريال، وأنها استطاعت تخفيض التضخم من 40% إلى 36% رغم التوقعات التي كانت تشير إلى تجاوزه حاجز الـ60% خلال العام الحاليّ.

نغمة التطمين ذاتها عزف عليها وزير الاقتصاد إحسان خاندوزي، الذي كشف خلال مداخلة تليفزيونية له عقب كلمة الرئيس الإيراني، عن حزم من الدعم الحكومي للمواطنين خلال المرحلة المقبلة، مؤكدًا أن 60% من الشعب سيتلقى دعمًا نقديًا لشهرين بنحو4 ملايين ريال (14 دولار) بجانب منح 30% منهم 3 ملايين ريال (11 دولار).

وفي الأخير فإن الاحتجاجات الراهنة لن تكون الأخيرة في ظل ترجيحات إطالة أمد الأزمة الاقتصادية، الأمر الذي سيمثل ضغطًا على رئيسي ونظامه، ما قد يكون له أثر على مسار الاتفاق النووي الذي يعاني من موجات مد وجزر بين الحين والآخر، ليبقى السؤال: إلى متى يتحمل الشارع الإيراني تلك الضغوط؟