ترجمة وتحرير نون بوست

الرئيس التونسي، الباجي قائد السبسي، قدم إلى واشنطن للاجتماع مع الرئيس أوباما، نعم إنها لحظة كبيرة، وعلى الرغم من أن الكثير من القادة التونسيين زاروا أمريكا عدة مرات منذ سقوط زين العابدين بن علي في يناير عام 2011، ولكن زيارة السبسي هذه المرة، لها شأن أكبر لأنه منصبه كرئيس جمهورية غير مثقل بلقب "مؤقت".

كما أشرت في العديد من مقالاتي السابقة، تونس هي نموذج يدعو للإعجاب، الانتقال السلمي للسلطة، إيجاد الحلول الوسطية، الشعور بالمسؤولية المشتركة تجاه مستقبل البلاد، والحد الأدنى من العنف، جميع هذه العوامل جعلت تونس بحق جديرة بالحصول على اللقب الذي يُرمى بشكل متكرر على مسامعنا "تونس هي قصة نجاح الربيع العربي"، وحتى وفقًا للمعايير المنخفضة في الوقت الحاضر وفي المستقبل ضمن الشرق الأوسط، فإن التونسيين استطاعوا إنجاز الكثير في فترة قصيرة من الزمن.

ولكني لا أزال أواجه صعوبة في إقناع نفسي بأن تونس تتجه بثبات نحو المسار الديمقراطي، وهذا الشعور غير نابع من التحديات الاقتصادية الخطيرة التي تواجهها البلاد، أو مشاكل الوسط المحيط بها، أو النداءات الراديكالية العنيفة الصريحة التي استجاب لها عدد كبير نسبيًا من الشبان التونسيين المتعلمين، بل إن تفسيري أوضح من كافة التفسيرات السابقة، فأنا ببساطة لا أعتقد أن الباجي قائد السبسي له أي مصلحة في بناء نظام سياسي تعددي وشامل، وهو لا يخجل حتى من الافصاح عن هذه النوايا.

في 26 ديسمبر الماضي، وبعد خمسة أيام من انتخابه رئيسًا للجمهورية التونسية، نشر السبسي مقالًا افتتاحيًا في صحيفة الواشنطن بوست، بعنوان "أهدافي الثلاثة كرئيس لتونس"، استطاع السبسي من خلالها التطرق لجميع المواضيع المهمة، مثل تأكيده على ثقافة الانفتاح والتسامح والاعتدال، وتعهده بتعزيز ديمقراطية بلاده الفتية في الوقت الذي فشلت فيه آمال الديمقراطية في أماكن أخرى في المنطقة من التحقق، ومع ذلك تتشابك مع هذه البديهيات -التي يبدو بشكل واضح أنها تستهدف نوع معين من جمهور واشنطن - لغة إشارات مشفرة تشير إلى أن التزام الرئيس السبسي بتوافق الآراء والسبل الديمقراطية قد لا يتعدى الكلمات الـ848 التي كتبها في مقالته.

السبب الأول الذي أقنعني أن السبسي، الذي خدم كل من الحبيب بورقيبة، مؤسس تونس الحديثة، والمخلوع زين العابدين بن علي، ليس بالضبط الشخص الذي يتمسك بمبادئ الديمقراطية والتعددية، هو المقطع الثاني من مقالته الافتتاحية الذي جاء فيه "إن العلاقات التجارية مع أوروبا - فرنسا وإيطاليا على وجه الخصوص كونهما أقرب جارتين لتونس على البحر المتوسط - هي التي فتحت آفاق التنوير في البلاد"، وعلى الرغم من أن التنوير بطبيعة الحال ليس أمرًا خاطئًا، بل هو عصر العقل والتسامح وتوريث مبادئ العالم الحديثة إلى المحظوظين منا الذين يعيشون في بلدان الديمقراطيات الليبرالية التي يقدرونها عاليًا، بيد أن الإشارة إلى التنوير في سياق تاريخ تونس الحديث، والمسابقة السياسية المستعرة حول الشخص أو الفئة التي ستسيطر على تونس في حقبة ما بعد زين العابدين، كان استهدافًا واضحًا من السبسي لصديقه اللدود راشد الغنوشي، مؤسس حركة النهضة الإسلامية، التي تحمل نظرة معادية ظاهريًا لـمُثل التنوير تبعًا لإسلاميتها.

بعدها أشار السبسي في مقالته إلى معهد الصادقية، وهو مدرسة ثانوية ثنائية اللغة تأسست عام 1875 ولاتزال قائمة حتى الآن، وكان هذا المعهد ساحة لتدريب النخبة في تونس، والحبيب بورقيبة ذاته كان أحد خريجي الصادقية، وفيما بعد تم تأسيس الجامعة الخلدونية على يد خريجي الصادقية في عام 1896، في محاولة لتقويض مكانة مسجد وجامعة الزيتونة، وهو الصرح العلمي التاريخي التونسي الذي لايزال موجودًا حتى يومنا هذا، وهو المسؤول عن تخريج أشخاص من أمثال الغنوشي، والسبسي في مقالته يقول "إن معظم القادة الذين بنوا دولة ما بعد الاستعمار، بعد استقلال تونس عن فرنسا في عام 1956، هم من خريجي معهد الصادقية، واعتبر أولئك القادة المؤسسون أن من صميم مهمتهم، الالتزام بترسيخ قيم الحداثة في الجمهورية الفتية، فقاموا بفرض التعليم العام، والمساواة بين الجنسين، والفصل بين الدين والدولة"، وأظن أن الرسالة التي يحاول السبسي إيصالها هنا واضحة ولا لبس فيها.

بعدها يعود الرئيس التونسي ليؤكد من جديد في مقالته كيف أنه وحزبه، نداء تونس، وقفوا لمناصرة القضايا التي يؤمن بها قراء صحيفة الواشنطن بوست، في اختلاف مع وجهات نظر الإسلاميين الرجعية والتخلفية نحو العالم، وبعد بضعة فقرات، يعود السبسي للتأكيد مرة أخرى للقراء أن حزبه انتصر في الانتخابات البرلمانية والرئاسية "بفضل إرث بورقيبة الحداثي، الذي ساعدنا على حشد الطبقة الوسطى المتعلمة الكبيرة، وخاصة النساء، من أجل التصويت لمرشحينا"، والرسالة التي يسعى السبسي لتوجيهها هنا: الإسلاميون جاهلون ويسلبون المرأة حقوقها، وأنا لا أقول إن بعض الإسلاميين هم ليسوا كذلك، ولكني متأكد أيضًا أنهم لا يحتكرون هذه الصفات الكريهة لوحدهم فقط.

وبعد بعض الحديث النمطي والمكرر حول الاقتصاد ومحاربة التطرف، أثنى السبسي على رحابة الصدر التي استقبل بها الغنوشي الهزيمة في الانتخابات، حيث جاء في المقال "الأمر المثير للإعجاب بالنسبة لي بشكل خاص - وهو ما يعتبر علامة على ثقافتنا الديمقراطية - هو أن زعيم حزب النهضة، راشد الغنوشي، قد قام الشهر الماضي بتهنئتي بفوز حزب نداء تونس في الانتخابات التشريعية، وأنا أقدر ذلك حقًا وأتطلع إلى العمل معه ومع جميع التونسيين للتغلب على الصعوبات التي نواجهها، والنجاح في إقامة دولتنا كدولة ديمقراطية صلبة"، وكانت هذه اللفتة كريمة ولطيفة حقًا، ولكني لست متأكدًا من مدى لطفها بالنظر إلى جميع ما سبقها، حيث جاءت هذه العبارة كما لو أن شخصًا نصح السبسي بقوله "سيدي، عليك أن تكون لطيفًا قليلًا، إنها الواشنطن بوست".

وخشية أن يعتقد أحد أن الأشهر الخمسة الأخيرة التي قضاها السبسي وهو يعمل مع وزراء ونواب حزب النهضة قد شجعته على تغيير وجهات نظره بهم، صرّح الرئيس التونسي لصحيفة النيويورك تايمز أمس أن الإسلاميين يمرون بمرحلة "التونسة"، ملمحًا بذلك إلى أن الغنوشي والإسلاميين الذين يمثلهم هم، بطريقة أو بأخرى، نتاج قادم من مكان آخر، وهم بالتالي ليسوا جزءًا طبيعيًا من هوية البلاد.

بالنسبة للقراء والمراقبين العاديين، فإن السبسي يبدو وكأنه الصورة الأكثر اعتدالًا ووسطية من الكمالية في تركيا، والتي أصبحت أكثر قبولًا في الشارع التونسي إبان سقوط بن علي، وقد يجادل بعض النقاد أن أفعال السبسي أهم من أقواله، وما قام به حتى الآن هو السعي لتحقيق التوافق مع النهضة، والإشراف على تشكيل حكومة ائتلافية شاملة، وهذا صحيح، ولكنه لا يعالج سوى جزء معين من الصورة الكاملة؛ فقيادة نداء تونس عرضت في أول الأمر تشكيل حكومة ضيقة جدًا تترك النهضة خارج التشكيلة الحكومية تقريبًا، ولكن السبسي وحزبه ببساطة لم يكن لديهم مقاعد برلمانية كافية لفرض هذه الحكومة؛ وبذلك تكون الحكومة الحالية هي ناتج رياضي انتخابي، وليس ناتج عن حسن نية.

قد يكون من الجيد حقًا أن اللاعبين السياسيين الكبيرين في تونس، ليس لديهما القدرة لفرض إرادتهما على بعضها البعض، وبذلك لن يكون لديهما أي خيار آخر سوى الالتزام بقواعد الديمقراطية، وهذا واقع يستحق حقًا أن يُحتفل به، ولكن هناك ما يمكن قوله عن قوة الأفكار، أو على الأقل في الوقت الحالي عن سياسات الهوية، التي لاتزال قوية بما فيه الكفاية في تونس وقادرة على إيصال خادم للنظام القديم إلى السلطة مرة أخرى.

المصدر: مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية