ترجمة وتحرير نون بوست

كتب  سيرجي غورييف ودانييل تريسمان

الصورة القياسية للديكتاتورية هي الحكومة التي تستعمل العنف، ففي الأنظمة الشمولية بالقرن الـ20، قتل طغاة مثل ستالين وهتلر وماو الملايين باسم أيديولوجيات غريبة، والرجال الأقوياء، مثل موبوتو سيسي سيكو في زائير، تركوا آثارًا من الدماء خلفهم أيضًا.

ولكن في العقود الأخيرة، تطور شكل جديد للحكم الاستبدادي، وهذا الشكل متكيف بشكل أفضل مع عصر وسائل الإعلام العالمية، والترابط الاقتصادي، وتكنولوجيا المعلومات؛ حيث أصبح الطغاة "الناعمون" يحتكرون السلطة، ويخنقون المعارضة، ويقضون على الضوابط والتوازنات، بدون استخدام أي وسائل عنيفة، وبقبضة مخملية.

هؤلاء القادة غير الليبراليين مثل ألبرتو فوجيموري في بيرو، فلاديمير بوتين في روسيا، فيكتور أوربان في المجر، مهاتير محمد في ماليزيا، وهوغو شافيز في فنزويلا، هددوا بإعادة تشكيل نظام عالمي جديد يأتي على صورتهم، واستبدلوا مبادئ الحرية والقانون بمبادئ الكلبية (السلوك السلبي والازدرائي، وعدم الثقة بنزاهة الدوافع التي يجهر بها الآخرون، وغياب الثقة تجاه المنظمات والسلطات، ونواحي المجتمع الأخرى) والفساد، وحتى يستطيع الغرب مواجهة هذه الأنظمة، يتعين عليه أن يفهم كيف تعمل والطريقة التي تتشكل بها.

لا مندوحة من القول إن بعض الأنظمة أو الأيديولوجيات الدموية - كما هو الحال في سورية وكوريا الشمالية - مازالت موجودة وفاعلة حتى الآن، ولكن بذات الوقت ميزان القوى الذي يضع هذه الأنظمة بالكفة الأقوى قد تغير؛ ففي عام 1982 شاركت 27% من الأنظمة غير الديمقراطية في عمليات القتل الجماعي، وبحلول عام 2012 انخفضت هذه النسبة لتصبح 6% فقط، وفي الفترة نفسها، كانت حصة الأنظمة غير الديمقراطية التي تحكم بغياب المجالس التشريعية المنتخبة 31%، وانخفضت هذه النسبة إلى 15% في عام 2012.

هذا التغيير الجذري بالأنظمة الشمولية بدأ ربما مع لي كوان يو في سنغافورة، الذي جمع ما بين المؤسسات البرلمانية والرقابة الاجتماعية الصارمة، حيث كان يتم ممارسة الاعتقالات السياسية بين الفينة والأخرى، وبذات الوقت كان يتم فتح الباب لإجراء محاكمات قضائية متكررة لإشباع نهم الصحافة، ولكن فوق كل ذلك، أسس لي كوان لسياسات تفتح الباب أمام الأعمال التجارية، مما ساعد على نمو الاقتصاد السنغافوري حتى وصل إلى أرقام فلكية.

على عكس الصورة التي تتبدى لنا عند ذكر كلمة ديكتاتور، فإن الكثير من المستبدين الجدد وصلوا إلى السلطة - أو استمروا فيها - من خلال انتخابات نزيهة إلى حد ما، فشافيز في فنزويلا على سبيل المثال، فاز في عام 1998 بانتخابات وصفها المراقبون الدوليون كإحدى أكثر الانتخابات شفافية في تاريخ فنزويلا، كما أن ارتفاع معدلات التأييد الشعبي يعد، في النظم الديكتاتورية الحديثة، مسارًا أكثر فعالية للهيمنة على الدولة من ممارسة الإرهاب؛ فأردوغان في تركيا مثلًا، استغل شعبيته العارمة لتعديل الدستور عن طريق الاستفتاء، والسيطرة على المحكمة الدستورية في تركيا.

المستبدون الجدد يستخدمون الدعاية، والرقابة، وغيرها من الحيل القائمة على المعلومات لتعظيم أنفسهم، وإقناع المواطنين بتفوقهم على البدائل المتاحة، حيث يرددون عبارات الاستياء المعادية للغرب بشكل متناقض، كأوربان في المجر، الذي سخر من اللياقة السياسية في أوروبا ومن تراجع القدرة التنافسية فيها، في الوقت الذي كان فيه يلتمس المساعدات الإنمائية من الاتحاد الأوروبي.

وعندما تسير العجلة الاقتصادية في بلدان الديكتاتوريات الحديثة بشكل جيد، يحاول هؤلاء القادة استمالة النقاد المحتملين بالمكافآت المادية، وفي حال استفحلت الانتقادات، فإنهم يتجهون لاستخدام نظام الرقابة المشدد، كما يعمدون إلى رشوة ملاك وسائل الإعلام بعقود دعائية، أو تهديدهم برفع دعاوى تشهير، وبذات الوقت، يشجعون المستثمرين الموالين لهم لشراء المنصات الإعلامية الهامة في البلاد.

يستغل الطغاة الجدد الأساليب الحديثة لتعزيز مراكزهم، فهم يسيطرون على شبكة الإنترنت من خلال حجب المواقع المستقلة، ويتعاقدون مع أشخاص لإغراق الصفحات بتعليقات موالية لأنظمتهم، ويدفعون لقراصنة الإنترنت بغية تخريب مواقع وسائل الإعلام المعارضة على الإنترنت.

تعمد الديكتاتوريات الجديدة أيضًا للحفاظ على قطع متشرذمة من المعارضة الديمقراطية، لتحاكي عن طريقها أساليب المنافسة الديمقراطية، وبذلك تثبت الانتخابات شعبية الزعيم اللامتناهية؛ ففي كازاخستان، أُعيد انتخاب الرئيس نور سلطان نزارباييف مؤخرًا بنسبة 97.7% من الأصوات.

تكنولوجيا الإعلان الحديثة التي تم وضعها لبيع سيارات الفورد أو علب البيبسي يتم إعادة صياغتها من قِبل الأنظمة القمعية الحديثة؛ فبوتين تعاقد مع أفضل شركة غربية للعلاقات العامة، كيتشوم، للضغط لتحقيق مصالح الكرملين في الغرب، كما يعمد القادة الآخرون إلى تجنيد القادة الغربيين السابقين كمستشارين لهم، مثل نزارباييف الذي عين طوني بلير مستشارًا له، أو قد يقومون بالتبرع للمؤسسات التي يفتتحها هؤلاء القادة.

ولكن فوق كل شيء، الطغاة الجدد لا يستخدمون العنف إلا لِمَامًا، وهذه هي إستراتيجيتهم الرئيسية، وذلك على عكس هتلر الذي قام بتصفية أعدائه علنًا، وموبوتو الذي شنق منافسيه أمام حشد كبير، وعيدي أمين الذي رمى جثث ضحاياه إلى التماسيح، فهؤلاء جميعًا أعلنوا مسؤوليتهم الواضحة والصريحة عن قتل منافسيهم، وكان هذا جزءًا من إستراتيجيتهم الهادفة إلى ترويع المواطنين.

ولكن هذا لا يعني أن المستبدين الجدد شديدو الحساسية تجاه العنف، فهم قد يستخدمونه لقمع الانفصاليين بشراسة، أو لضرب المتظاهرين العزّل بقسوة، ولكن هذا العنف الذي يُستخدم بين الفينة والأخرى، يكشف عن الطبيعة الحقيقية للنظام، ويؤدي إلى تحويل مؤيديه إلى معارضين، لذلك يعمد طغاة اليوم إلى نفي مسؤوليتهم بحرص عندما يتعلق الأمر بمقتل نشطاء المعارضة أو الصحفيين، وإلا سيتعرضون لمصير مشابه للرئيس الأوكراني السابق ليونيد كوتشما، حيث عمل الشريط الذي ظهر فيه وهو يأمر باختطاف الصحفي جورجي غونغادزه، والذي عُثر عليه ميتًا في وقت لاحق، على إشعال الثورة البرتقالية عام 2004 في أوكرانيا، والتي أطاحت بكوتشما وجلبت بمنافسيه إلى السلطة.

إذن، العنف في الأنظمة الديكتاتورية الحديثة ليس مكلفًا فحسب، وإنما غير ضروري أيضًا، فبدلًا من استعماله، يعمد الاستبداديون الجدد لشل حركة خصومهم السياسيين بمحاكمات طويلة الأمد، واستجوابات وإجراءات قانونية أخرى، والقاعدة الأساسية هي: لا حاجة لخلق شهداء حين يمكنك هزيمة المعارضين عن طريق تضييع وقتهم؛ فمثلًا بدأ وكلاء بوتين برفع العديد من القضايا الجنائية ضد زعيم المعارضة ألكسي نافالني، حيث تم اتهامه بقضية احتيال على شركة مستحضرات تجميل فرنسية، وبقضية سرقة خشب، وتم التحقيق معه حول قضية قتل ظبي.

لمحاربة هذه الديكتاتوريات، يتعين على الغرب أولًا إيقاف الدور الذي يلعبه في تمكين هذه الأنظمة المستبدة، فممارسة الضغوط لصالح الطغاة ينبغي أن تعتبر انتهاكًا خطيرًا لأخلاقيات العمل، كما يجب على الديمقراطيات الغربية أن تقدم نشرات أخبار موضوعية باللغة الأم لبلدان الديكتاتوريات، لمواجهة نظام الدعاية والرقابة في هذه البلدان، وكون الأنظمة الديكتاتورية القائمة على أنظمة المعلومات عرضة لضغوط الحداثة والإخفاقات الاقتصادية التي لا مفر منها، فنحن نحتاج للتعامل بصبر وتبصر مع هذه الأنظمة، في حال أردنا التخلص منها.

المصدر: نيويورك تايمز