ترجمة وتحرير نون بوست

في العقود الأخيرة، لم تتمتع مصر وإيران بعلاقات طيبة، وهذا العداء المتبادل المستحكم، ظهر حتى في قرارات تخطيط المدن داخليًا ضمن البلدين؛ ففي عام 1981، قامت الجمهورية الإسلامية الناشئة في إيران بتسمية شارع في طهران تيمنًا بخالد الإسلامبولي، قاتل الرئيس المصري السابق أنور السادات، ومناكفة لها، تمت تسمية شارع في القاهرة احتفاءً بالشاه رضا بهلوي، الشاه الإيراني المخلوع سيء السمعة الذي حصل على حق اللجوء السياسي في مصر.

وفي السنوات التالية، لم تشهد العلاقة بين مصر وإيران أي تحسن ملحوظ، فمصر حاليًا هي الدولة العربية الوحيدة التي لا تمتلك سفارة في إيران، ومن هذا المنطلق لا ينبغي أن يكون من المفاجئ جدًا بأن التقديرات الأخيرة للتعامل التجاري بين القوتين الإقليميتين تظهر برقم متواضع يبلغ 331 مليون دولار سنويًا.

بالإضافة إلى هذا الانقسام الثنائي المتبادل، فقد فرضت الدول الخارجية قيودًا هائلة على العلاقات ما بين مصر وإيران، وحاليًا، العائق الأكثر وضوحًا في هذا المجال هو العقوبات المفروضة على إيران من قِبل الولايات المتحدة، وخاصة العقوبات التي تهدد بحرمان أي دولة (طرف ثالث) تتعامل مع إيران بدون إذن واشنطن، من الوصول إلى النظام المالي الأمريكي، ونظرًا للأهمية المركزية للمساعدات الأمريكية في الاقتصاد المصري، يمثل هذا الحظر عقبة عملية خطيرة أمام مصر في سعيها لملاحقة أي فرصة تجارية مع إيران.

أما التيار الخارجي الأقل علنية، والذي يمارس ضغوطات على العلاقات الثنائية المصرية - الإيرانية، فينبع من الحليف الإقليمي الرئيسي السابق لمصر، المتمثل بالمملكة العربية السعودية، جنبًا إلى جنب مع العديد من جيرانها الخليجيين، حيث أغدقت المملكة العربية السعودية بدعمها المالي الاقتصاد المصري المنهار على مدى السنوات الماضية، وفي مؤتمر التنمية الاقتصادية المصري وحده، تعهدت المملكة العربية السعودية، الإمارات العربية المتحدة، والكويت بمبالغ دعم يصل إجمالي قيمتها إلى 12 مليار دولار تُضخ ضمن الاقتصاد المصري، وقد اعترف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مرارًا وتكرارًا بقوة وأهمية العلاقات الدبلوماسية بين مصر و"إخوانها في الخليج".

بالمقابل، فإن المملكة العربية السعودية تغذي نشاطها الهادف لمتابعة علاقاتها الوثيقة مع مصر، من خلال سعيها وتصميمها الدؤوب لإحباط المصالح الوطنية الإيرانية، حيث يتمثل المحفز الرئيسي لنشاط المملكة السعودية على ما يبدو، بتصورها إن إيران تسعى لتوسيع نفوذها الإقليمي من خلال دعم المتمردين الشيعة في العراق وسورية ولبنان، وتم تتويج انعدام الثقة بالسياسة الخارجية الإيرانية في مارس 2015، من خلال التدخل السعودي في اليمن، والذي بررته السعودية باتهاماتها لإيران بمساندة الثوار الحوثيين في اليمن.

في هذا السياق، يبدو من المغري أن نستنتج بأن مصر أعلنت عن توجهاتها الجيوسياسية بهذا الموضوع بشكل واضح؛ فإيران كانت غائبة بوضوح عن مؤتمر التنمية الاقتصادية الذي عُقد في مصر في وقت سابق من هذا العام، وأيضًا في عام 2015، تعهد السيسي بإشراك القوات المصرية بالحرب السعودية على اليمن، وبالنظر إلى التاريخ العسكري الدموي لمصر في تلك البلاد، حيث لقى آلاف الجنود المصريين حتفهم منذ خمسة عقود خلال الحرب الأهلية في اليمن الشمالي، يمكننا أن نفهم لماذا يعد دعم السيسي عسكريًا للحملة اليمنية أمرًا مهمًا للغاية، وبالمحصلة فإن الخلطة القوية المتمثلة بالدعم المالي الهام للمملكة العربية السعودية، وكراهية الأخيرة المستشرية تجاه إيران، تفرض حظرًا ضمنيًا على أي رغبة مصرية للانخراط بأعمال تجارية مع الدولة الفارسية.

على الرغم من الإيماءات الدبلوماسية للسيسي المؤيدة للموقف السعودي، بيد أن هناك مؤشرات خفية توضح ذوبان بعض الجليد في العلاقات المصرية - الإيرانية؛ فعندما فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي جولة جديدة من العقوبات على إيران في عام 2012، كان لدى الأخيرة فائض كبير من المنتجات النفطية مستعدة لبيعه فورًا في السوق، وحينئذ أبدت الحكومة المصرية السابقة، برئاسة محمد مرسي، "عدم ممانعتها" في شراء النفط الإيراني، ولكن في غضون أسابيع، تراجعت إدارة مرسي عن هذا الموقف، ويشير العديد من المحللين بأن التهديد بفرض عقوبات على الأطراف الثالثة من قِبل الولايات المتحدة، واحتمال فقدان القدرة على الوصول إلى النظام المالي الأمريكي، أوحى لصناع السياسة المصرية حينها بالتراجع عن قرارهم.

ولكن بعد التطورات الأخيرة، فإن العقبات التي تقف بوجه التجارة المصرية مع إيران قد يتم تذليلها قريبًا؛ ففي 14 يوليو عقدت إيران مع الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن إضافة إلى ألمانيا صفقة النووي الإيراني، وإذا أثبتت إيران كفاءتها في الامتثال لقواعد الاتفاق، يتوقع المحللون إمكانية رفع عقوبات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عن إيران في أوائل عام 2016، وسيشمل ذلك رفع الحظر الحالي على دول الطرف الثالث، مثل مصر، من التداول مباشرة مع إيران.

على الرغم من الإطاحة بحكومة مرسي التي أبدت بادرة كبرى لجسر الهوة التاريخية مع إيران، بيد أن الفرصة لإعادة إحياء العلاقات الدبلوماسية مع إيران قد لا تكون بعيدة المنال؛ فمما لا شك فيه بأن المبادئ الإسلامية التي كانت تقوم عليها رئاسة مرسي قدمت أساسًا أيديولوجيًا فريدًا لإعادة العلاقات الدبلوماسية مع النظام الديني الإيراني، بيد أن مشاطرة إدارة السيسي الحالية لإيران برؤيتها البراغماتية حول مجموعة متنوعة من المسائل الإقليمية الملحة، تطرح واقعًا جيدًا لهذه العلاقات.

بالنسبة للبلدين، فإن خطر الإرهاب الأصولي هو الأولوية الأساسية لكل منهما، وبالإضافة إلى ذلك، فقد ألمح السيسي أيضًا إلى علاقات الولاء والصداقة مع روسيا، الحليفة الأقوى لإيران، وربما كانت هذه الاهتمامات المشتركة هي التي تسببت بظهور شخصيات إيرانية على قائمة المدعوين لحفل تنصيب السيسي رئيسًا للبلاد، وهذه اللفتة تجاه إيران لم تكن بالحدث التافه، خاصة إذا ما نظرنا إليه من منظار تعمد السيسي إغفال دعوة مسؤولين إقليميين من الوزن الثقيل، مثل قطر وتركيا، إلى الحفل.

في الوقت الذي يتقلص فيه الانقسام الجيوسياسي ما بين مصر وإيران، تزداد فرص تنامي التعامل التجاري ما بين البلدين، فعلى سبيل المثال، أعلنت إيران عن رغبتها في زيادة إنتاجها النفطي من معدله الحالي البالغ 1.2 مليون برميل يوميًا إلى 2.3 مليون برميل يوميًا، وذلك إبان رفع العقوبات الاقتصادية عنها بموجب الاتفاق النووي، وبغية الحفاظ على السعر الحالي للنفط من قِبل منظمة أوبك، يتوجب على المملكة العربية السعودية أو العراق، عضوا أوبك اللذان يصدّران حاليًا منتجات نفطية تفوق الإنتاج الإيراني، خفض إنتاجهما النفطي.

ولكن كما يقول الأستاذ نادر حبيبي من جامعة برانديز، من المرجح أن كلا الدولتين لن تستوعبا آثار انتعاش صناعة النفط الإيرانية؛ ففي العراق، يتجه منتجو النفط من العرب والأكراد إلى زيادة مستويات إنتاج النفط بشكل مطرد، ولا يظهران أي حماس لتقليص هذا الاتجاه، أما السعودية، فتمتلك، بطبيعة الحال، أسبابًا أيديولوجية تمنعها من منح إيران هذه الدفعة الاقتصادية الهائلة؛ فتاريخيًا، وخلال الحرب بين إيران والعراق، عمدت السعودية إلى مهاجمة صناعة النفط الإيرانية من خلال إغراق السوق العالمية باحتياطياتها، مما تسبب في هبوط قياسي وتاريخي في أسعار النفط.

بدون دعم من منظمة أوبك، فإن إيران بحاجة إلى تسويق احتياطياتها النفطية الضخمة بشكل عنيف في عالم ما بعد العقوبات، ومصر، بنهمها المعتاد على المنتجات النفطية، قد تكون قادرة على الاستفادة من هذه الظروف للتفاوض على استيراد النفط من إيران بشروط مغرية للغاية، وفي الواقع، إن إعادة فتح التجارة الثنائية المباشرة ما بين مصر وإيران في قطاع النفط، لن يعمل سوى على كشف الواقع القائم حاليًا، والمتمثل بأن مصر تقوم بالفعل بشراء المنتجات النفطية الإيرانية، ولكن بشكل غير مباشر؛ فمنذ عام 2012، استطاعت إيران تحقيق مناورات جزئية للالتفاف حول العقوبات الاقتصادية الدولية، وذلك عن طريق استخدامها لدولة الإمارات العربية المتحدة كوسيط لبيع منتجاتها النفطية، حيث شكّل النفط الذي تم شراؤه من الإمارات المتحدة أكثر من 60% من إجمالي واردات مصر النفطية لعام 2014.

لذا، وفي حال رفعت الولايات المتحدة العقوبات المطبقة على الطرف الثالث بموجب الاتفاق النووي الإيراني، فإن مصر ستكون قادرة على استيراد النفط مباشرة من إيران، وهذا من شأنه أن يساعد مصر على تفادي الحاجة إلى استخدام الإمارات باعتبارها وسيطًًا للنفط الإيراني، مما سيؤدي بدوره إلى استيراد المنتجات النفطية الإيرانية بسعر أرخص وبشكل أكثر كفاءة.

ثمة دلائل مشجعة على أن إمكانيات تطوير وزيادة التعامل التجاري ما بين مصر وإيران، لا تقتصر فقط على قطاع النفط، فكما يقول أحمد السيد النجار، الذي قدم العديد من الدراسات حول العلاقات الاقتصادية بين البلدين، صناعة الفاكهة المصرية هي أحد الأهداف الجذابة للنمو الاقتصادي؛ فعلى سبيل المثال، وقبل عام 2010، كانت إيران ثالث أكبر مستورد في العالم للبرتقال المصري، ولكن منذ ذلك الحين، عملت سلسلة الحظر المطبقة على إيران التي تمنعها من استيراد المنتجات الزراعية المختلفة، بما في ذلك البرتقال المصري، على إعاقة وإيقاف التجارة بين البلدين في هذا المجال، وفي ديسمبر 2013، خلص تقرير أمريكي قدمته مصلحة الزراعة الخارجية الأمريكية إلى أن العقوبات الاقتصادية المطبقة على إيران، ساهمت في تعزيز الشعور بالضيق التجاري، مما أثر سلبًا على "قدرة المستوردين على الدفع للموردين المصريين من خلال قنوات التجارة العادية"، ولكن التطبيق الناجح للاتفاق النووي من قِبل إيران، قد يعمل على إعادة إنعاش فرصة تصدير الفاكهة المصرية.

يمكن لإدارة السيسي أيضًا أن تتطلع لتسويق مصر كوجهة سياحية هامة للمواطنين الإيرانيين، فبالإضافة إلى مناطق الجذب السياحي الشهيرة في مصر، تفتخر الدولة المصرية بوجود سبعة أضرحة شيعية مقدسة، وبغية فهم دور هذه الأضرحة في مجال جذب السياحة الدينية، يكفينا أن نعرف أن سورية تمتلك ضريحًا واحدًا، حيث تشير الدراسات إلى أن تيار السياحة الدينية وحده، يمكن أن يؤدي إلى رفد القطاع السياحي المصري بـ50.000 سائح إيراني سنويًا على الأقل.

من جهتها، فإن إيران تقبلت النمو الكبير في هذا المجال بمؤشرات إيجابية؛ ففي عام 2013، تم تداول أنباء حول قيام الرئيس الإيراني السابق، محمود أحمدي نجاد، بتوقيع مشروع قانون لرفع تأشيرات الدخول للسياح المصريين الذين يزورون إيران، وفي قمة حركة عدم الانحياز التي عُقدت في طهران في أغسطس 2012، اقترح نجاد أيضًا تطبيق نظام تأشيرات متبادل خاص برجال الأعمال المصريين والإيرانيين، لتسهيل الاستثمارات والتبادل الاقتصادي بين البلدين.

باختصار، فإن رفع العقوبات الاقتصادية الناجم عن الاتفاق النووي الإيراني يَعِدُ بتذليل العقبات الكبيرة التي تواجه قطاع التجارة بين مصر وإيران، وظاهريًا يبقى القيد الرئيسي الثاني الذي يكبّل العلاقات المصرية - الإيرانية، متمثلًا بالدور السعودي الفعّال في السياسة المصرية، ولكن يمكننا ملاحظة أنه في الوقت الذي تتقارب فيه الأهداف السياسية المصرية - الإيرانية، تبدو الأهداف السياسية المشتركة المصرية - السعودية وكأنها تتلاشى وتتضاءل؛ ففي القمة العربية التي عُقدت في شرم الشيخ لمناقشة التدخل باليمن بقيادة سعودية في مارس 2015، قدم السيسي رسالة تشجع قادة الشرق الأوسط على "حل جميع التحديات الناشئة سلميًا ودون تدخل أجنبي"، وبالطبع فإن صاحب هذه النصيحة ليس سوى الصديق المشترك للقاهرة وطهران، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

يشير معلقون بأن الرؤية التي أشعلت الحماس السعودي لحلول السيسي مكان مرسي، والتي تتمثل بمحاربة الإسلاميين المتطرفين، تنحّت الآن مفسحة المجال للتركيز في مجال العلاقة السعودية - المصرية على مكافحة صعود المد الشيعي المدعوم إيرانيًا، ولكن مصر اليوم تواجه خطرًا أشد إلحاحًا متمثلًا بالتطرف السني، سواء في سيناء شرقي البلاد، أو على طول حدودها الغربية مع ليبيا، وإيران في خضم معركتها المستمرة ضد الدولة الإسلامية في العراق وسورية، تشاطر مصر قلقها حول القضاء على الإرهاب الأصولي.

إذن، وبناء على الأسباب الجيوسياسية والاقتصادية الآنفة الذكر، مصر وإيران تتمتعان اليوم بقواسم مشتركة أكثر من أي وقت مضى، وضمن هذه الظروف، فإن فرصة انفتاح التعامل التجاري ما بين القوتين الإقليميتين العظيمتين في الشرق الأوسط، هي فرصة من المحتمل أن تكون مغرية للغاية ومربحة بحق.

المصدر: ميدل إيست آي