خرج "مانديلا" من السجن بعد عشرة آلاف يوم كاملة في المعتقل، وكان عمره واحدا وسبعين عامًا، وقاد دولته الجديدة في طريق لم يسبق أن سارت فيه من قبل. وكتابه: "مشي طويل نحو الحرية" من أجمل الكتب بل ومن كتب العالم الثالث المهمة التي روت واحدة من سير العالم المغلوب، وكيف كافحت أمة لتحصل بعد قرون متطاولة على حريتها، فقد احتاجت جنوب إفريقيا إلى ثلاثمائة وأربعين عامًا لتنال استقلالها، ولا تتوهموا أن جميع الأفارقة في جنوب إفريقيا سعوا إلى الاستقلال، ولا تتوهموا أن كل الرجال يحبون الحرية ويسعون لها! فليس كل السود قاتلوا من أجل الحرية والاستقلال، ولا كلهم سجن ثلث قرن كما حدث لـ"مانديلا". لا، بل استقلت جنوب إفريقيا أو نال السود حقوقهم على الأصح، على رغم كراهية عدد منهم غير قليل؛ فمنهم أعداد هائلة كانت تقاتل في صفوف المستعمرين – الأفريكانوا " البيض" وترى في "مانديلا" شرًا وشيوعيا أحمر يريد أن يحرمهم من الخير الذي جاء به السادة البيض، فقد جاءوا لهم بالإنجيل والدخان والموسيقى والثياب الحمر المرقشة. لقد جاءوا لهم بالذل والخنوع، والراحة من التفكير والمبادرة، أراحوهم من مسؤولية القرار، ومن ثقل الاختيار، وتلك نعم يهنأ بها العبيد دائما في كل مكان، والعبودية ليست لونا ولا جنسا ولكنها حالة نفسية، أو "عجز حكمي" كما يعرفها الفقهاء. وإن الأحرار من طراز آخر من الرجال أمثال "مانديلا" يهون عليه أن يموت أو يسجن ثلث قرن ولا تهون عليه كرامته وحريته. كان زعماء "المؤتمر" في السجن مطاردين أو يعملون ضد الاحتلال سرًا، وكان بعض المتعلمين الدكاترة والقساوسة والصحفيين من السود أنفسهم -للأسف- ضد الاستقلال "الشرير" وضد" سرطان " الحرية، مع أن البيض "السادة" كانوا لا يؤاكلونهم ولا يشاربونهم ولا يزاوجونهم، ولا يستخدمون المواصلات التي يركبونها، ولا يسمحون لهم بالسكن في مناطقهم، ويحرمون عليهم حتى بعض أنواع اللباس، ويمنعونهم حرية التنقل، وأنواعا من العمل، بل لا يرى فيهم البيض بشرًا من البشر، ومع هذا فقد كان طائفة من السود تقدس البيض وتعبدهم وتطيعهم بلا حدود. كان هؤلاء العملاء من السود خونة للحرية، وكانوا جواسيس للحكومة العنصرية، وكانوا رصاصًا في قلوب شعبهم لصالح الأجانب، ولكأن "الرصافي" عاش تلك السنوات في جنوب إفريقيا ليقول:

عبيد للأجانب وهم دومًا    على أبناء جلدتهم أسود

المتغربون و السماسرة الوسطاء
فقد كان العنصريون البيض يجدون طبقة متغرّبة من السود –يسمونها متعلمة- تافهة الشخصية تابعة للبيض، يحاربون بها الشعب الأسود نفسه، وقد كانت هذه الطبقة حذاء تسعى عليها الطبقة العنصرية لتحقيق مصالحها وخدمتها، أو وقاء للبيض، تقيهم من حراب الأفارقة، ويقع فيها الضرب ويتقي بها السيد الأبيض الأيدي المضرجة بالدم التي تطرق باب الحرية، ولكن أهل البلاد أدمنوا طرق باب الحرية حتى نالوها.

يقوم هؤلاء المتغربون -"طبقة الوسطاء" بين السود والبيض- بجمع السود في مصانع البيض وترتيب عملهم والإشراف على إخلاصهم، وبذل كل جهدهم للسيد الأبيض، منهم من يشرف على قومه العمال، وعملهم من قبل الفجر إلى الليل في مناجم الذهب والمصانع وأعمال البناء وتربية الحيوانات والمزارع، ينتجون الملايين للمستغل الأبيض، ويقنعون ببعض جنيهات في نهاية الشهور السود تحت أطباق الأرض، لا تكاد تكفي هذه المبالغ الزهيدة لطعامهم ومسكنهم غير الإنساني في مساكن المصانع والمزارع وأحياء الفقر حيث تقل كثيرًا عن غرف كلاب السادة البيض.

أما السماسرة الوسطاء فهم قيادات محلية يصنعها البيض -قساوسة وكتاب وموظفون- ويعطونها بعض المزايا عن الشعب، ويدفعون لهم أكثر ليستمروا في إخضاع جنسهم للمحتلين العنصريين المستغلين، وهذه الطبقة كانت رأس الحربة في قلب الشعب، وهي الأخطر في وجه "مانديلا" والمؤتمر الإفريقي، وهي التي كانت حاجزًا دون أن يتصل بالشعب ويبلغه رسالته ويلهمه حريته وكرامته، هذه الطبقة من الشعب الإفريقي جمعت اللؤم والدناءة من الشعبين، وباعت كرامتها وحريتها للأفريكانوا، في البداية عن جهل وسذاجة، وشهوة للميزات المادية، وفيما بعد عن عمالة ولؤم وتنكر لإنسانيتها وعن آلية حيوانية وانعدام للإنسانية والخلق في سلوكها "ومن يهن يسهل الهوان عليه". كانت هذه الطبقة ترى إخوانها وأخواتها وشعبها يذل ويمتهن بها وهي لا تدري ولا تحسب لما تفعل حسابا، بل بعضهم يقول: "إنني أقوم بما يمليه علي عملي وواجبي" !!!

بل يجرؤ بعضهم ويقول: "بما يمليه عليه عقلي ووطنيتي"!!! ومهما وضعت من علامات التعجب فإنها لا تغني شيئًا تجاه هذا الموقف من شخص يتوقع أنه بقي له عمل وواجب وعقل ووطنية، وهو يرى قادة المؤتمر في السجن غذاؤهم الجوع أو حساء الذرة البارد والمتعفن، ولما طالبوا بالخبز قال لهم السجانون في صفاقة: " الخبز ضار بالإنسان "! هكذا قالوا لـ"مانديلا" ورفاقه. لم لا يضر الخبز بالإنسان؟ والحرية أضر بنفوس الشعوب من الخبز، فالحيوان يطعم ولا يثور، ولكن الحرية غذاء مدمر لكل نظام مستبد، غير أن المستبد يفقد الكرامة والإنسانية فيتوقع أن الناس -وفيهم العباقرة والدهاة -ليسوا بشرا! لأنه بلغ دركات العنصرية، وظلام الظلم، وانحطاط العقل والعاطفة فتنقلب عنده الأمور، ويرى الكرامة والطعام الطيب مضرا بالبشر، أو مضرا بغيره هو لأنه هو البشر الوحيد في العالم! هكذا يفكر اليهود والأفريكانوا والنازيون.

وإذا كان الخبز خطيرًا إلى هذا الحد فكيف بالحرية؟!! إنها قنابل نووية.

وعلى عكس تلك النوعية الرخيصة من السود يفاجئنا "مانديلا" بذكر قصة المحامي الأبيض "برام منيشر" وهو ابن لرئيس وزارء مستعمرة نهر أورانج، وكان والده رئيس قضاة، كان يدافع عن "مانديلا" وأعضاء المؤتمر، وكان يؤرقه أن الرجال الذين يدافع عنهم يذهبون إلى السجن، بينما يعيش هو حرًا طليقًا‍!‍ وبعد محاكمة "ريفونيا" قرر المحامي الأبيض أن يلحق بالعمل السري مع السود أنصار "مانديلا" ضد أعداء الإنسانية البيض "قومه"، ونصحه "مانديلا" أثناء المحاكمة ألا يفعل ذلك؛ لأنه يخدم المعركة أفضل في قاعة المحكمة، وحتى يرى العالم أفريكانيًا وابن رئيس قضاة ينافح عن المظلومين، ولكن لشهامته لم يكن ليتحمل رؤية نفسه حرًا والأبرياء يعانون، فقد كان كالقائد الذي يقاتل جنبًا إلى جنب مع جنوده، لم يرد أن يطلب من الآخرين أن يقدموا تضحية يتورع هو عنها، والتحق بالعمل السري ضد البيض قومه، فقبض عليه ثم أفرج عنه بكفالة، وقبض عليه مرة أخرى وحكم عليه بالسجن مدى الحياة، ولما أصابه السرطان في السجن شنت الصحافة حملة للإفراج عنه، ومات بعد خروجه، واستمرت الحكومة البيضاء في مطاردته حتى بعد وفاته وصادرت رماد جثته بعد حرقها. وهكذا قد يخرج حي الهمة شريف الطباع من منبت السوء والوحشية أحيانا‍.

ويقول "مانديلا" بعد هذا: "قدم "برام فنيشر" أكبر التضحيات على الإطلاق، فمهما كانت معاناتي في بحثي عن الحرية فقد كنت أستمد القوة من كوني مناضلًا مع ومن أجل شعبي، أما "برام" فكان رجلًا حرًا ناضل ضد شعبه، من أجل أن يضمن الحرية للآخرين" إنه رجل شريف يحترم ذوي المواقف ويقدرهم، ألم يقل الرسول -صلى الله عليه وسلم-في أسرى بدر: " لو كان المطعم بن عدي حيا، ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له". وقد وقف مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- موقفا شهما لم ينسه له رغم كفره بنبوته. وقال "مانديلا" عنه مرة أخرى: "ومع أنه أفريكاني فقد فرض عليه ضميره أن يرفض إرثه الظالم، ونبذ قومه، وأظهر مستوى من الشجاعة والتضحية لا نظير له، فقد كنت أنا أقاتل ضد الظلم وليس ضد قومي".

 دروس "مانديلا" السجن.
الحياة في السجون والابتلاء سنة رافقت الأحرار في مختلف العصور وفي عصرنا خاصة، وقامت ثروة فكرية وتجريبية متشعبة في بقاع الاستعمار العديدة، مما جعل دعاة الحرية والاستقلال والدعوة أحيانا يعتبرون المرور بالسجن علامة صدق الداعية وإخلاصة، وإن لم يمر بهذه التجربة فهو ليس في مرتبة هؤلاء.

قال "مانديلا" عن السجن:

"إن حياة المعتقل روتينية تتماثل فيها الأيام حتى تختلط الأشهر والسنوات ، وإن أي شيء يخرج عن القالب يقلق السلطات؛ لأن الروتين علامة من علامات حسن الإدارة في السجن. وقد كان امتلاك الساعات أو حملها من أي نوع ممنوعا، وكنا نعتمد على الأجراس وصفارات السجانين وصيحاتهم لمعرفة الوقت، وكان من بين أوائل ما فعلته هو أن أسجل تقويمًا على الحائط، لأن الإنسان إذا فقد قبضته على الوقت، فقد قبضته على سلامة عقله.

إن التحدي الذي يواجه كل سجين -خاصة السجين السياسي- هو المحافظة على ذاته في السجن، وأن يخرج من السجن دون أن يتضاءل، وأن يحتفظ بل ويزيد من عقائده، وأول مهمة لتحقيق ذلك هو أن يتعلم المرء كيف يبقى، ولكي يتحقق ذلك فلا بد للمرء أن يعرف هدف عدوه، فإن السجن يهدف إلى هزيمة معنويات الإنسان، وتقويض عزمه، ولكي يتحقق ذلك تحاول السلطات استغلال كل ضعف وتحطيم كل دافع، وأن تبطل ما يدل على التفرد، وذلك لكي تقضي على تلك الومضة التي تضفي على كل آدمي هويته.

وكان بقاؤنا يعتمد على فهم ما تحاول السلطة أن تفعله وتشارك ذلك الفهم كان من المستحيل أن يقاوم الفرد منفردًا، وكان خطأ السلطة الأكبر هو إبقاؤنا معًا؛ لأن ذلك قوى تصميمنا، وهكذا عاون الأقوياء من هم أقل قوة وصرنا جميعًا أقوياء، وفي النهاية كان علينا أن نصنع طريقة حياتنا داخل المعتقل، وكما اعترفت بذلك السلطات فقد كنا نحافظ نحن على النظام أكثر من السجانين".

ويقول في مكان آخر: " إن المعتقل لا يأخذ من الإنسان فقط حريته، ولكن أيضًا يحاول أن يحرمه من هويته، فإن الجميع يرتدون نفس الملابس، ويأكلون نفس الطعام، ويتبعون نفس برنامج الحياة اليومي، وإن الدولة المتسلطة فقط هي التي لا تسمح باستقلال الإنسان وتفرده".

 من أفكاره ومواقفه
في المحكمة قال مرة: إن شعبه الأسود كان قبل قدوم البيض يعيش في سلام وأمن وديمقراطية قبلية، بلا ملكيات واسعة ولا استغلال للإنسان، وكان الشعب بلا طبقات كلهم سواسية، وكان ذلك دستور القبائل ومجالها، وذلك التاريخ والحرية هو الذي يلهمه موقفه الآن.

وقال: "إن حياتي في الخفاء أصعب من حياتي المحتملة في السجن في الهم، وإن تحدينا كان بسبب أعمال ومواقف الحكومة، وإن آخرين قبلي قد دفعوا ثمن معتقداتهم وآخرين أكثر سيدفعونه بعدي" ثم ختم قائلًا: "إن الشيء الوحيد الذي هو أقوى من كراهيتي للظروف البشعة التي سأخضع لها في المعتقل هو كراهيتي للظروف البشعة التي يخضع لها مواطني خارج السجون في عموم البلاد، وبعد انتهاء مدة الحكم علي فسأواصل المعركة لإنهاء تلك المظالم حتى تختفي إلى الأبد" وقد عمل إلى أن أخفاها إلى الأبد.

وكان يرى أن النظام الظالم لا يمكن إصلاحه ولكن يجب التخلص منه.

وقال مرة في زمن المفاوضات معه: "إذا خرجت من السجن في نفس الظروف التي اعتقلت فيها فإنني سأقوم بنفس الممارسات التي سجنت من أجلها".

التفاؤل والأمل 
يقول: "كنت حينذاك مهمشا، ولكنني كنت أعلم أنني لن أتخلى عن المعركة، كنت في بيئة مختلفة وصغيرة حيث الجمهور هو أنفسنا وسجانونا، ولكنا نظرنا للمعركة داخل المعتقل كميدان مصغر للمعركة ككل، فقد كانت هناك - في السجن - نفس العنصرية، ونفس الاضطهاد -كالتي في خارج السجن-، ولم يدر في خلدي قط أنني لن أخرج من السجن يومًا من الأيام، وكنت أعلم أنه سيجيء اليوم الذي أسير فيه رجلًا حرًا تحت أشعة الشمس والعشب تحت قدمي، فإنني أصلًا إنسان متفائل، وجزء من هذا التفاؤل أن يبقي الإنسان جزءا من رأسه في اتجاه الشمس، وأن يحرك قدميه إلى الأمام. وكانت هناك لحظات عديدة مظلمة اختبرت فيها ثقتي بالإنسان بقوة، ولكنني لم أترك نفسي لليأس أبدًا. فقد كان ذلك يعني الهزيمة والموت".

ويعترف في مكان آخر أنه أصيب بمرض يجعل عقله ينقله إلى لحظات فرح وحزن غامرين، ويخيل له في تلك الأحوال مرة أنه أطلق وأنه يسير في الشوارع والبيوت التي أحبها، ويخيل له أيضًا أنه يدخل منازل أشباح!

ولم ييأس "مانديلا" وصحبه، فقد كان زعيم المؤتمر المطارد "أوليفر" وأتباعه يجوبون العالم كله يشرحون للناس عنصرية جنوب إفريقيا وشرها المدمر للإنسانية، وكانت صور "مانديلا" في كل مكان مع طلب بالإفراج عنه، وحينما كنت أدرس في معهد اللغة بالجامعة في (آن آربر) وأرى اللوحات بأيدي الطلاب وعلى الشوارع ومواقف الحافلات لم أكن أفهم وقتها معنى تلك الصور، ولا لمن هي، وبعد زمن وأسئلة عرفت عن وجود ناشطين في الجامعة يطالبون بحرية محام أسود معتقل في جنوب إفريقيا، ويتعاطفون معه ضد الحكومة العنصرية. نعم كانت هناك دول تتعاطف مع المؤتمر والسود، ولكن السود في جنوب إفريقيا لو لم يحرصوا على حريتهم وإنهاء التمييز ضدهم في بلادهم لما أهداها لهم العالم الخارجي، ولو لم يموتوا في سبيل حريتهم ويهتموا بحقهم لما سمع عنهم أحد أو لو سمع لأسكت بالذهب الأفريقي الأحمر الذي استخلص بعرق السكان الأصليين، ولكن العزيمة القوية والصبر والاستمرار والإعلام المهيج، وكثير من عشاق الحرية في العالم وقفوا إلى جانبهم وسخروا الإعلام العالمي لمصلحتهم، حتى أصبحت الأخبار التي تنتشر ترهب السجانين أنفسهم وليس الشعب المسجون، ومن أمثلة التهويل الإعلامي من مناصريهم لصالحهم الذي مارسه نشطاء وأنصار الحرية في العالم ما ذكره "مانديلا"؛

قال: "إنه شكى مرة لزوجته "وندي" إن الحذاء الذي تسلمته أصغر من حجم قدمي، ثم سمعت بعد ذلك أن التقارير قالت: إنه ستجرى لي عملية لبتر إصبع قدمي، وجاءت محامية لرؤية قدمي لتجدها سليمة، وحدث أن شكونا من رطوبة الغرف، ونشرت الصحف أن زنزاناتنا قد أغرقتها المياه". وقد واجهت حكومة الإفريكانوا الهجين هذه الضجة الإعلامية بتعتيم كامل على قضية "مانديلا" وصحبه، يحاصرون أخباره ويمنعون نشرها ويبعدون ذكره بكل طريقة، ويحاولن -على طريقة المستبدين الأقزام- إشغال الناس بسماع أخبار منجزاتهم وذكر أسمائهم هم، وقد بقي كلامه محرمًا في بلده على قومه لمدة عشرين عامًا. ولكنهم في النهاية ينفقون أموال الدعائية ضد حرية الشعوب ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون، ويخرجون أو يستسلمون للسلطة الجديدة.

ومع هذا فقد كانت حملة المؤتمر الإفريقي لمناصرة "مانديلا" وصحبه كبيرة متنوعة شملت بقاع العالم الواسعة، وعمل المؤتمر على أن يحصل "مانديلا" على جائزة نهرو في الهند، وحضر "أوليفر" رئيس الحزب لتسلمها نيابة عنه. ولم يفت السجن في همته رغم قسوته، وربما ساعده على ذلك كثرة عدد المعتقلين، وعالمية الدفاع ووضوح القضية،والتصميم على مكافحة العبودية، يقول لهم مرة:

"إذا خرجت من السجن في نفس الظروف التي اعتقلت فيها فإنني سأقوم بنفس الممارسات التي سجنت من أجلها".

أما العنف: فليس العنف دائما خيارا منبوذا عنده، بل يقول: "إن خمسين عاما من عدم العنف من جانب المؤتمر لم ينتج عنها سوى القوانين الظالمة والاستغلال والاضطهاد للأفارقة، وهكذا بدت السياسة التي تهدف إلى إقامة الدولة غير العنصرية عن طريق عدم العنف غير مجدية" فقد أجبرتهم غطرسة المحتلين العنصريين على المواجهة بوسائل أخرى.

ثم يتواضع ويتفلسف متحدثا عن علاقته التي انتهت مع زوجته إلى الطلاق: "لكني مقتنع أن حياة زوجتي أثناء وجودي في السجن كانت أصعب من حياتي، وكانت عودتي أكثر صعوبة بالنسبة لها، فقد تزوجت رجلا سرعان ما تركها وصار ذلك الرجل أسطورة، وعند عودة الأسطورة إلى المنزل ظهر أنه مجرد رجل". وهنا لمسة تواضع جميلة، فقد قل عنده الغرور الذي يركب من كان له أقل من إنجازه.

المعتقدات الراسخة
ساق الكتاب بلا تهويل -كالذي حدث في بعض الكتب التي تصف ملامح السجون العنصرية- أنواعا من العذاب الدائم والتصميم المستمر عنده وعند صحبه على المواجهة والتعلم والتطور ترقية القدرات العلمية والعقلية، وقد حصل على شهادة جامعية في السجن. يقول: "أما جسم الإنسان فيتكيف مع أي ظروف قاسية، كما أن المعتقدات الراسخة هي سر البقاء في ظروف الحرمان".

ويقارن هذا بما ورد عند "فرانكل": "إن السجين الذي فقد ثقته في مستقبله وفي المستقبل عامة يكون قد حكم على نفسه بالفناء، وهو مع فقدانه للثقة في المستقبل يفقد تماسكه المعنوي، ويكون بذلك قد ترك نفسه للتدهور، وأصبح عرضة للانهيار العقلي والجسمي".

إن أمانة الكلمة والموقف، وصحة التوجه والقصد تلزم الشرفاء المخلصين وزعماء الأمة ودعاة الحق أن ينادوا بحرية الأمة وزرع أخلاق العزة والاستقلال وكرامة الأنفس والحرمات والأعراض والبيوت من أن تكون نهبا مستباحا، فلم يستبح الغزاة دول وأقطار المغلوبين وحرماتهم وأعراضهم وثروتهم وحدودهم إلا لأنهم قد قبلوا قبل ذلك بمستبيح مستبد صغير لا يرعى لهم حرمة، ولا يقدر لهم قدرا ولا دينا؛ ولأنهم سكتوا عن طلب العدل والحرية والمساواة، فلم يعرفوها ولن يروها ولن يذوقوها حتى يدفعوا ثمنها ويلتزموا طريقها.

 نشر المقال كعرض لكتاب ماديلا في عام 1995، وهو فصل من كتاب: "مسؤلية المثقف".