ارتفعت وتيرة تحذيرات الأوساط المحلية بخطورة الوضع الاقتصادي في تونس وإمكانية بلوغه حالة الانهيار التام بعد العطب الذي أصاب مفاصله الحيوية كالصناعة والفلاحة والخدمات، مطالبة بضرورة إصلاح المناخ السياسي المتأزم والبدء في عملية إعادة الهيكلة الشاملة باعتبارها الخطوة الأولى في مسار الإقلاع، وذلك تحقيقًا لأهداف ثورة الياسمين.

على الرغم من نجاح تونس حتى الآن في كسر محاولات إجهاض ثورتها التي تقودها جهات في الداخل بدعم من قوى إقليمية، فإن منسوب المخاوف بشأن صمودها ارتفع مؤخرًا بسبب الصراع السياسي المحموم والتراجع المدوي للمؤشرات الاقتصادية بفعل جائحة كورونا وتواصل اعتماد المنوال التنموي القديم الذي ما زالت تتحكم فيه قوى دولية وعلى رأسها فرنسا.

 

أزمة اقتصادية

يُعطي تخفيض وكالة موديز للتصنيف الائتماني تصنيف الإصدار الطويل الأجل للعملة الأجنبية والمحلية لتونس من B2 إلى B3 مع المحافظة على توقعاتها السلبية، تقييمًا حقيقيًا لقدرة البلاد على الوفاء بالتزاماتها من حيث إمكانية تسديد ديونها الخارجية وخلق الثروة في الداخل.

ويرى مختصون في الشأن الاقتصادي، أن التصنيف السلبي الجديد هو بمثابة إنذار أخير للحكومة والقيادات السياسية في البلاد، حتى تقوم بالإصلاحات اللازمة قبل حصول الكارثة والنزول بالتصنيف إلى "عالي المخاطر"، ما يعني حرمانها من الدخول إلى السوق المالية الدولية واستقطاب الاستثمار الأجنبي، خاصة أن تونس تراجع تصنيفها الائتماني 8 مرات في ظرف 10 سنوات.

بالأرقام، تُقدر حجم ميزانية تونس لسنة 2021 بـ52.6 مليار دينار (نحو 19.2 مليار دولار)، فيما بلغت نسبة الانكماش الاقتصادي 8.8%، مع ارتفاع غير مسبوق لنسبة الدين الخارجي إلى حدود 110% من الناتج الداخلي الإجمالي، بينما قفزت نسبة البطالة إلى حدود 17.4% خلال الربع الرابع من سنة 2020.

 

كما تعاني المالية العمومية التونسية من تراجع مداخيل الدولة مقابل ارتفاع نفقاتها، خاصة جراء تضخم كتلة الأجور بنحو 20 مليار دينار (7.4 مليارات دولار)، أي 16.6% من الناتج الإجمالي، فيما ساهمت جائحة كورونا بتأزم الوضع، وأدت إلى هبوط اقتصادي غير مسبوق وارتفاع في الدين العام المركزي إلى قرابة 87% من إجمالي الناتج المحلي.

وإضافة إلى ذلك، تراجعت إيرادات السياحة التونسية 65% في 2020 مقارنة مع 2019، لتصل إلى نحو 746 مليون دولار في ضربة قوية للقطاع وللاقتصاد المحلي، كما تُعاني نقص نسق الإنتاج وعرقلة التصدير ما سينتج عنه ارتفاع في نسبة البطالة وشح في العملة الصعبة، مقابل تدني سعر العملة المحلية في ظل تعطل قطاعات حيوية كالمحروقات والفوسفات.

وتحتاج تونس سنة 2021 لموارد تناهز 19 مليار دينار (7 مليارات دولار)، موزعة بين تمويل خارجي بنحو 13 مليار دينار (4.8 مليارات دولار)، وتمويل داخلي من البنوك التونسية بنحو 5.6 مليارات دينار (مليارا دولار).

سياسة وتبعية

يقف الاقتصاد التونسي بعد ثورة 14 يناير/كانون الثاني وسط طرفي معادلة عسيرة أحدها سياسي مرتبط بالمناكفات السياسية والتجاذبات الحزبية، وآخر مرتبط بالتدخل الخارجي وخاصة الفرنسي الذي يرجع إلى الروابط التاريخية والاستعمارية.

الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد في الوقت الراهن، ساهمت في تردي الوضع الاقتصادي الذي يعاني من أزمة هيكلية منذ سنوات، وزادت من الضبابية وحالة عدم اليقين لدى المستثمرين المحليين، ما سيؤدي إلى انكماش الاستثمار الخاص المحلي، وبالتالي الاستثمار الأجنبي المباشر.

فغياب حكومة مستقلة لا يسندها ائتلاف حزبي متوافق، لا يمكن أن تكون لها مصداقية أمام المقرضين الدوليين، زد على ذلك فإن تنفيذ الإصلاحات العميقة والهيكلية تتطلب أساسًا أرضيةً سياسيةً مستقرةً وإرادةً جماعيةً تهدف إلى تحقيق المشروع الديمقراطي المتكامل.

واقعيًا، لا يمكن إنقاذ الاقتصاد التونسي في ظل القطيعة المتواصلة والصراع على السلطات بين مؤسسات الحكم (رئاسة وحكومة وبرلمان)، فتعطيل أداء اليمين الدستورية للوزراء الذين انضموا مؤخرًا للتشكيل الوزاري بعد التعديل الحكومي الجزئي، قد يُطيل عمر الأزمة في تونس بأبعادها السياسية والاجتماعية وحتى الأمنية، ويُعقد عملية الإصلاح والهيكلة الضرورية للاقتصاد المترهل.

على الجانب الآخر، تكمن معضلة الاقتصاد في ارتباطه الوثيق بفرنسا الشريك التقليدي لتونس بحكم العلاقات التاريخية التي تحولت بعد أكثر من 60 عامًا على الاستقلال التونسي إلى ما يشبه التبعية التجارية، ما جعل العديد من المهتمين بالشأن الاقتصادي يعتبرون أن هذا الشراكة حالت دون اكتساح تونس لأسواق جديدة خارج محيطها المتوسطي.

 

وحافظت فرنسا طوال السنوات التي أعقبت استقلال تونس على الأطر القانونية التي تضمن هيمنتها على المبادلات التجارية الخارجية والتبعية الاقتصادية والتجارية المطلقة لتونس إزائها، وذلك رغم الخطوات المحتشمة التي بذلها البلد العربي خلال فترة الستينيات من أجل تنويع علاقاته الاقتصادية وإزالة تبعات الاستعمار الاقتصادي.

بعد ذلك، عملت دولة الاستعمار على تحرير المبادلات التجارية بما في ذلك منتجات قطاع النسيج والجلود والأحذية بما يضمن لمنتجات الاتحاد الأوروبي النفاذ للسوق التونسية دون قيود ولا مراقبة بفضل اتفاقية الشراكة لسنة 1995 بين تونس والاتحاد الأوروبي، وبفضل برنامج الإصلاح الهيكلي للاقتصاد الوطني الذي صممه صندوق النقد الدولي لتونس على المقاس في سنة 1986 الذي يقوم على تحرير الاقتصاد واعتماد اقتصاد السوق.

ولضمان تأبيد مكانتها المتميزة وتحكمها في الاقتصاد التونسي، عملت فرنسا سنة 2011 على استعادة دورها خوفًا من مخرجات الثورة التي حاولت عرقلتها في بادئ الأمر بدعمها لنظام بن علي، وذلك عن طريق الوعود التي قدتها خلال قمة "دوفيل" ومنها استعادة الأموال المهربة والحصول على التمويلات الضرورية لإنجاح الانتقال الاقتصادي.

أما في 2012، فعملت على رفع كل أشكال الحماية على القطاعات الحيوية المساهمة في الناتج القومي كالصناعة والفلاحة والخدمات، ودفعت بكل أدواتها لتمرير مشروع اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق، كما نجحت، عبر وكلائها في الداخل، في تحييد الدور الأساسي للبنك المركزي في الدفاع عن العملة الوطنية عبر قانون أبريل 2016 أدى إلى تدهور قيمة الدينار وتدمير الاقتصاد الوطني في القطاعين العمومي والخاص وتفاقم المديونية.

وكلاء فرنسا من التونسيين وهم النخبة السياسية الصاعدة بعد الثورة والمثقفين الفرنكفونيين الباحثين عن الحفاظ على مصالحهم ومكانتهم والعائلات المتحكمة في منظومة الريع "الأركايكية"، عملوا على تضليل الرأي العام وتركيز دائرة اهتمامهم عبر وسائل الإعلام على المبادلات التجارية مع تركيا وتحميل الأخيرة الأزمة الاقتصادية والعجز في الميزان التجاري، وواقع الحال أن التعاون مع الجانب الفرنسي أثمر مزيدًا من البطالة والفقر والتخلف والركود والانهيار.

وفي السياق ذاته، تتحمل حكومة مهدي جمعة المسؤولية التاريخية في الوضع الذي آلت إليه البلاد بتنكرها للبنود السيادية وللأهداف الإستراتيجية لدستور 2014 بفتحها المجال لتدخل فرنسا المباشر والعلني في إعداد ما سمي بإستراتيجية إعادة بناء تونس 2016/2020، والتوقيع على برنامج العمل مع الاتحاد الأوروبي 2013 /2017 الذي فتح المجال للمفاوضات بشأن الآليكا.

 

ذات الأمر ينطبق على يوسف الشاهد وإلياس الفخفاخ والجامع بين الحكومات المشار إليها التي عملت على المحافظة على نفس المنوال الذي اتبعه نظام بن علي وخياراته السابقة، هو الجنسية الفرنسية التي يحملها هؤلاء التكنوقراط.

الحلول والبدائل

عمليًا، تحتاج تونس إلى حلول عاجلة على المدى القصير والمتوسط لإخراج البلاد من دائرة الأزمة التي عقدتها تداعيات فيروس كورونا وانخراط السياسيين في حروب هامشية لا تخدم الصالح العام في شيء، بالإضافة إلى عجزهم عن إدارة الملفات الحساسة والكبرى العالقة منذ ثورة 14 يناير/كانون الثاني2011.

أيقن التونسيون أن هذا الصراع السياسي المحموم لا يتعلق بقضاياهم ولا بأهداف الثورة وشعاراتها كالتشغيل والحياة الكريمة، وكذلك لا يخدم التحديات على غرار المديونية المفرطة والعلاقات المختلة مع الاتحاد الأوروبي وسبل إعادة تشكيلها بما يتماشى مع مقتضيات المصلحة والسيادة الوطنية.

ولمعالجة هذه الأزمة العميقة، وجب إعادة رسم ملامح الهوية التونسية وإحياء الانتماء من أجل إعادة بناء الدولة الحديثة وترسيخ ثوابت جمهورية ذات سيادة، وذلك بالتخلص من شوائب التبعية والتحرر من قيودها وإنتاج عقول تونسية لا تفكر على الطريقة الفرنسية ولا تنبض شوقًا لها.

ويقع على عاتق الحكام الجدد، السير في إصلاحات تشمل الأبعاد والمحاور الثلاث الثقافية والسياسية والاقتصادية، فالنخبة السياسية تستمد طاقتها من النخبة المثقفة وبالتالي يتأثر المحرك الاقتصادي بسابقيه، وأيضًا خطوات أخرى تتمثل فيما يلي:

- إرساء استقرار سياسي بالبلاد لتسهيل استقطاب الاستثمارات.

- تحقيق السيطرة المطلقة والكاملة والدائمة على مفاصل الاقتصاد.

- فرض الأمن ومحاربة التهريب ومكافحة الفساد.

- القطع مع التدخل الأجنبي ثقافيًا وسياسيًا واقتصاديًا.

- ضرورة مراجعة السياسات الاقتصادية المعتمدة وتغيير المنوال التنموي.

- استرجاع قيمة الدينار ودور البنك المركزي.

- ترشيد التوريد وتشجيع التصدير.

- تفعيل القوانين الحمائية وتنويع الإنتاج.

- إعادة إعمار البلاد اقتصاديًا مع مراعاة الجغرافيا.

- المحافظة على ثروات البلاد وترشيد استغلالها.

- مقاومة التصحر الصناعي والاستثمار في التكنولوجيا.

- محاربة التهرب الضريبي من خلال الرقمنة.

- تجاوز المحيط المتوسطي وتنويع العلاقات (تركيا والصين وروسيا وإفريقيا).

الشرط الأخير، يُعد من أهم الخطوات التي ستمكن تونس من تجاوز التبعية لفرنسا وتمهد لإرساء اقتصاد متنوع ومنفتح على العالم، ويمكن القول إن هذا البلد العربي أمام فرصة حقيقية للإقلاع شريطة حسن إدارة موارده وإمكاناته واستغلال الظروف الإقليمية والدولية، فموقعه الجغرافي يُعطيه أفضلية في عملية إعمار ليبيا ويفتح شهية القوى الدولية على التعاون معه في هذا المجال.

فتركيا وروسيا والصين وغيرها من البلدان المتوقع أن تحصل على النصيب الأكبر من العقود بحاجة إلى بلد مجاور لتسهيل أعمالها لوجستيًا وكذلك في مجال التعاون كالشراكة في المشاريع الكبرى عبر إسناد وكالات.

في حال لم يستفق السياسيون التونسيون من سكرة الصراع والتجاذب المدفوع من الخارج، فإن هذا البلد سيسير بخطوات متسارعة نحو المجهول، وربما سيكون المثال اللبناني واليوناني الصورة الأقل تراجيديا وبؤسًا، فالبلد محاط بجغرافيا متحولة وغير مستقرة.