تشهد إيران منذ أواخر 2025 موجة غير مسبوقة من الاحتجاجات الشعبية أشعلتها الأزمات الاقتصادية الخانقة. ورغم أن تفاقم التضخم وانهيار العملة كان شرارة هذه المظاهرات، سارع النظام الإيراني إلى تحميل “أعداء الخارج” المسؤولية.
فقد وصمت السلطات المحتجين بـ”الإرهابيين” واتهمتهم بتنفيذ مخططات أمريكية وإسرائيلية لزعزعة البلاد، وهي سردية تثير استياءً شعبيًا واسعًا كونها تستخف بمعاناة الإيرانيين الحقيقية، وتُستخدم كمبرر سافر لقمعهم.
وفي المقابل، يطرح تساؤل ملحّ: ما حجم الدور الإسرائيلي الفعلي في هذه الاحتجاجات، وهل يتجاوز حدود التصريحات والتحريض الإعلامي إلى التدخل الفعلي؟
اتهامات طهران.. شماعة “إسرائيل” وأمريكا
منذ اليوم الأول للاحتجاجات، تبنّت القيادة الإيرانية خطابًا يستحضر نظرية المؤامرة الخارجية.
- وصف المرشد الأعلى علي خامنئي المتظاهرين بأنهم “مخرّبون وعملاء يخدمون مصالح أجنبية”.
- اتهم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الولايات المتحدة وإسرائيل بـ”هندسة زعزعة الاستقرار” في بلاده.
- زعم بزشكيان أن “أعداء إيران أدخلوا إرهابيين أحرقوا المساجد وهاجموا البنوك والمنشآت العامة”.
- وزير الخارجية عباس عراقجي صرح أن احتجاجات إيران “مختلفة عن مثيلاتها عالميًا بسبب تدخلات أمريكا وإسرائيل”.
- متحدث الخارجية إسماعيل بقائي قال إن “الاحتجاجات تحولت إلى أعمال عنف استخدمت فيها الأسلحة بتدخلات أمريكية صهيونية”.
- أعلنت السلطات تعبئةٍ شعبية ودعت لمسيرات مضادة تندد بما أسمتها “الأعمال الإرهابية التي تقودها أمريكا والكيان الصهيوني”.
ولم تكتف طهران بالخطاب العام، بل أعلنت عبر إعلامها الرسمي عن ضبط ما أسمتها ضبط أدلة مادية على التدخل الإسرائيلي.
- أورد التلفزيون الإيراني أن أجهزة الأمن اعتقلت عملاء للموساد تسللوا بين صفوف المتظاهرين.
- بثّت قناة برس تي ڤي تقريرًا عن تفكيك “خلية تجسس إسرائيلية” كانت تخطط لتنفيذ عملية قتل لإلصاق تهمة سفك الدماء بالحكومة.
وردًا على تلك المزاعم، وصفت الخارجية الأمريكية اتهامات طهران بأنها «وهمٌ يُراد به صرف الأنظار عن تحديات النظام الداخلية».
استخفاف بالشعب وتمهيد للقمع
تصريحات المسؤولين الإيرانيين تُشكل إهانة صريحة للإيرانيين وتغتال إرادتهم بالتغيير وتكشف الإصرار على تسويق الاحتجاجات بوصفها مشروعًا تخريبيًا خارجيًا في محاولة لنزع الشرعية عن الغضب الشعبي من سوء الأوضاع المعيشية.
فبدلًا من الإصغاء لمطالب الشارع بتحسين المعيشة ومحاربة الفساد، يُصوِّر الخطاب الرسمي هؤلاء المحتجين كـ”حفنة مندسين إرهابيين” يحركهم العدو الخارجي.
ظهرت هذه النظرة الاستخفافية بجلاء عندما حذّر بزشكيان الأسر الإيرانية قائلًا: “لا تسمحوا لأبنائكم بالانضمام إلى مثيري الشغب والإرهابيين الذين يقطعون الرؤوس ويقتلون الآخرين”، في مساواة بين الشباب المحتج وعناصر تنظيم الدولة.
ويرى كثيرون أن وصم المتظاهرين بالإرهاب يهدف ضمنيًا لتبرير أي قبضة حديدية ضدهم. فحين يصفهم المرشد بالمخرّبين والعملاء، وعندما تؤكد السلطة القضائية أن التعامل معهم سيكون “حاسمًا بلا أي تساهل قانوني”، فإنها عمليًا تطلق يد قوات الأمن لسحق الاحتجاجات بلا رادع.
وبالفعل، تقطع السلطات الإنترنت عن البلاد منذ 3 أيام لحجب الحقائق وقمع التواصل بين المحتجين. كما لجأت إلى القوة المميتة ضد التجمعات، الأمر الذي أوقع مئات الضحايا.
ووفقًا لإحصاءات مفصلة قدمتها سكايلر طومسون، نائبة مدير منظمة نشطاء حقوق الإنسان في إيران (HRA)، فقد قتل ما لا يقل عن 490 متظاهرًا واعتقل أكثر من 10600 شخص خلال الأسبوعين الأخيرين.
وقد بث التلفزيون الرسمي مشاهد لعشرات الجثث في مشارح طهران، مدعيًا أنهم ضحايا “إرهابيين مسلحين”، فيما أعلنت الحكومة حدادًا عامًا لثلاثة أيام تكريمًا لـ”شهداء المقاومة في وجه الولايات المتحدة والكيان الصهيوني”.

الدور الإسرائيلي بين الحقيقة والتهويل
بالنظر إلى سيل الاتهامات الإيرانية، يبرز سؤال جوهري: ما الدور الذي تلعبه “إسرائيل” فعليًا في الاحتجاجات؟ وهل هي حقًا المحرك الخفي لها؟
علنيا، لم تُخفِ “إسرائيل” تأييدها المعنوي لغليان الشارع الإيراني. فقد أثنى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على ما أسماه “بطولة الشعب الإيراني الفائقة” في مواجهة الطغيان، وأعرب عن دعمه لـ”نضال المواطنين الإيرانيين من أجل الحرية” مع إدانة “المجزرة” التي يرتكبها النظام بحقهم.
بيد أن الدعم الإسرائيلي تجاوز الأقوال ليأخذ بعدًا ملفتًا، إذ استخدم الموساد حسابًا رسميًا باللغة الفارسية على إكس لتشجيع الإيرانيين على مواصلة الاحتجاج، قائلًا: “اخرجوا إلى الشوارع معًا، لقد حان الوقت. نحن معكم”، وكان ذلك نقطة في سيل من التصريحات الإسرائيلية التي تدفقت مع شرارة الاحتجاجات في شوارع إيران، والتي رصدناها في تقرير سابق.
وقد أثار ذلك ضجة إقليمية؛ فحتى تركيا – التي تربطها بطهران علاقات متقلبة – اتهمت صراحةً الموساد بتأجيج الاحتجاجات وقالت إنه “لا يخفي ذلك”، في إشارة إلى هذه الدعوات العلنية.
ومن الواضح أن “إسرائيل” ترى في اضطرابات إيران فرصة لإضعاف النظام الذي تعتبره عدوها اللدود. إذ أن لها تاريخ في استهداف طهران عبر العمليات السرية (من اغتيال العلماء إلى ضرب المنشآت النووية)، وبالتالي فهي لا تتمنى بقائه.
وقد أكدت صحيفة جيروزاليم بوست العبرية أن منشورات الموساد بالفارسية تعكس إما رهانًا إسرائيليًا على إمكانية إسقاط النظام عبر الانتفاضة الحالية، أو أنها جزء من حرب نفسية طويلة الأمد.
لكن في المقابل، تحرص “تل أبيب” على عدم الإنجرار إلى تدخل عسكري مباشر يمكن أن يخدم النظام الإيراني، وفق مزاعم صحيفة “تايمز أوف إسرائيل”. فبرغم تصاعد التوترات، نصحت القيادة الأمنية الإسرائيلية المستوى السياسي بعدم الانخراط في ما يجري داخل إيران في هذه المرحلة.
وكشفت تقارير عبرية أن أجهزة الأمن أوصت بعدم التدخل بالاحتجاجات راهنًا، تفاديًا لمنح طهران ذريعة لتحويل الأنظار نحو “عدو خارجي”. وصرّح مسؤولون إسرائيليون بأن الاحتجاجات شأن إيراني داخلي، وأن “إسرائيل” لن تبادر بشن هجوم رغم ضعف القيادة الإيرانية وانشغالها بالأزمة.
هذه الموازنة الإسرائيلية بين التشجيع العلني الحذر والامتناع عن التصعيد العسكري تكشف أن دور “تل أبيب” الراهن يقتصر على استثمار الأزمة سياسيًا وإعلاميًا، دون المجازفة بخطوات دراماتيكية قد تنقذ النظام الإيراني من ورطته، وفق “تايمز أوف إسرائيل”.
وفي المحصلة، يظهر أن النظام الإيراني يعمد إلى تضخيم دور “إسرائيل” في الاحتجاجات بهدف شيطنة الانتفاضة الشعبية وتبرير قمعها.
ومع عدم إنكار وجود مصلحة إسرائيلية في إضعاف خصمها الإيراني فإن تصوير كل ما يجري على الأرض الإيرانية بأنه “مؤامرة صهيونية” هو تبسيط مخادع يتجاهل جذور الأزمة الحقيقية التي انفجرت من رحم أزمة اقتصادية ومعيشية طاحنة يعانيها الإيرانيون منذ سنوات، وتفاقمت بعد انهيار قياسي للعملة وارتفاع أسعار الوقود والمياه.