يعود ملف السجون غير الرسمية في محافظة حضرموت (شرقي اليمن) إلى واجهة الجدل السياسي والحقوقي في البلاد، بعد اتهامات رسمية غير مسبوقة وُجّهت لدولة الإمارات بإدارة وتشغيل مراكز احتجاز سرية داخل المحافظة؛ في مقدمتها مواقع يُعتقد أنها كانت داخل قاعدة الريان الجوية بمدينة المكلا.
الاتهامات التي وجهتها السلطات اليمنية الرسمية لدولة الإمارات العربية المتحدة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا في المشهد اليمني، بعد سنوات من الغموض والإنكار الرسمي، وصمت الضحايا، رغم ما تردد خلال السنوات السابقة في أوساط حقوقية وإعلامية عن وجود مراكز احتجاز خارج سلطة الدولة.
تحدث عضو مجلس القيادة الرئاسي، محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، خلال مؤتمر صحفي، في 19 يناير/كانون الثاني 2026، عن احتجاز مواطنين خارج الأطر القانونية والقضائية، وفي أماكن كانت تسيطر عليها القوات الإماراتية، ولا تخضع لإشراف النيابة أو رقابة المؤسسات الرسمية.
كلمة عضو مجلس القيادة محافظ حضرموت سالم الخنبشي في المؤتمر الصحفي لعرض الممارسات والانتهاكات والسجون السرية الإماراتية #اليمن #قناة_اليمن pic.twitter.com/w29nlfZYVr
— جميل عزالدين (@gamilaz1) January 19, 2026
شهادات ضحايا
خلف البيانات والاتهامات الرسمية، تبرز شهادات لسجناء سابقين ظلت حبيسة الخوف أو الصمت، ومصادر مطلعة، تتقاطع في الحديث عن أماكن احتجاز غير معلنة، وإجراءات خارج القانون، وغياب أي مسار واضح للعدالة أو المحاسبة، شهادات لم تكن تجد طريقها إلى العلن إلا نادرًا، في ظل واقع أمني وسياسي معقّد.
أصيل، الذي كان يبلغ من العمر 15 عامًا عند تم اعتقاله في عام 2016، تحدث لـ”نون بوست” عن تجربة احتجاز استمرت قرابة عامين داخل موقع عسكري في محيط مطار الريان – الذي كانت تسيطر عليه قوات إماراتية- بمحافظة حضرموت، دون أي مسار قانوني أو رقابة قضائية.
يقول أصيل، إن واقعة اعتقاله تمت دون مذكرة رسمية أو توضيح للأسباب، قبل أن يُنقل إلى ما يصفه بـ”مكان احتجاز غير معروف”، موضحًا: “لم يتم إخباري لماذا اعتُقلت؟ ولا إلى أين سيتم نقلي؟ كل ما حدث أنني اختفيت فجأة، ولم أُعرض على أي جهة قضائية”.
لم يُحتجز أصيل في سجن رسمي، بل داخل حاوية حديدية مغلقة استُخدمت كمكان احتجاز داخل الموقع العسكري، وفق حديثه لـ”نون بوست”، مضيفًا: “عند إدخالي إلى الحاوية شعرت بأنني معزول تمامًا عن العالم، ولا أعرف متى يمكن أن أخرج؟”.
وقال: “ظليت قرابة عامين داخل هذه الحاوية، في ظروف قاسية وغير إنسانية، ففي الصيف كانت الحرارة خانقة جدًا، وفي الشتاء كان البرد شديدًا، ولم يكن هناك شيء يراعي أننا بشر، أو أنني طفل”.
وخلال فترة الاحتجاز، تعرض أصيل، وهو قاصر، لأشكال متعددة من سوء المعاملة أثناء التحقيق، شملت الاعتداء الجسدي والضغط النفسي، وسط غياب أي إشراف قانوني مكان احتجازه، وفق شهادته.
وأضاف: “كان يتم استدعائي للتحقيق دون أن أعرف ما المطلوب مني، واتعرض للضرب والإهانات والترهيب، وأكثر ما كان يؤلمني أنني طفلًا ولم يكن يوفر لي أي حماية”، مشيرًا إلى أن وضعه الصحي تدهور بعد خضوعه لعملية جراحية لاستئصال الزائدة الدودية خلال فترة احتجازه، وعقب الانتهاء من العملية مباشرة تم أخذه إلى مكان الاحتجاز نفسه.
وتابع: “كنت في حالة تعب شديدة بعد العملية، وتوقعت أن يسمحوا لي بالعلاج أو الراحة، لكنهم أُعادوني إلى الحاوية، وأنا ما زلت جريحًا، وتعرضت للاعتداء، وهو ما تسبب لي بمضاعفات صحية”.
رغم ما مر به أصيل من معاناة، وما تعرض له من ضرب ورغم تدهور حالته الصحية، إلا أنه لم يُسمح له بالتواصل مع أسرته، طوال فترة الاحتجاز، وبقي مصيره مجهولًا لديهم، يقول أصيل: “أصعب ما في الأمر أنني كنت أفكر بأهلي طوال الوقت، كنت أتساءل إن كانوا يعرفون أين أنا؟ وهل ما زلت على قيد الحياة أم لا؟”.
في عام 2018، أُفرج عن أصيل ضمن مجموعة من المحتجزين، دون محاكمة أو إجراءات قانونية، غير أن الإفراج، بحسب روايته، كان مشروطًا بعدم الحديث عمّا جرى. حيث قال أصيل في حديثه لـ”نون بوست”: “قبل خروجنا من مكان الاحتجاز طُلب منا بوضوح ألا نتحدث عما حدث داخل المكان، وأُجبرنا على توقيع تعهدات، وكأن العامين اللذين قضيناهما يجب أن يُمحيا”.
اليوم وبعد سبع سنوات من الإفراج، يؤكد أصيل أن آثار الاحتجاز لا تزال حاضرة في حياته الصحية والنفسية، ويرى أن قصته ليست حالة فردية. مضيفًا: “خرجت من مكان الاحتجاز، لكن التجربة لم تنتهِ، وما حدث لي حدث لغيري أيضًا، وبينهم أطفال”.
لم تكن تجربة أصيل حالة فردية، ففي هذه السجون مر العديد من المعتقلين بتجارب مشابهة من الاحتجاز خارج نطاق القانون، بينهم رشاد، الذي عاش سنوات من الانتهاكات داخل معتقل مطار الريان بمحافظة حضرموت.
اعتُقل رشاد عام 2017 في ظروف وصفها بأنها شديدة القسوة، وانتهاك جسدي ونفسي مستمر، دون أي مذكرة قانونية أو توجيه تهمة، مؤكدًا في حديثه لـ”نون بوست”، أنه لم يُعرض على أي جهة قضائية، وظل محتجزًا بعيدًا عن أي إشراف رسمي، فيما يندرج تحت ما يُعرف بـ”الاختفاء القسري”.
يقول رشاد: “لم تبلغ أسرتي بمكان وجودي، ولم أُعرض على أي جهة قضائية، وفي لحظة ما، شعرت أن حياتي اختفت فجأة، وأن كل ما يهمهم هو السيطرة علينا فقط!”.
رشاد هو الآخر يؤكد بأن المكان الذي احتُجز فيه لم يكن سجنًا رسميًا، بل مساحة محدودة داخل موقع عسكري، تعرض فيه لانتهاكات متعددة، من السحل إلى الحرمان من النوم والطعام، ومنع استخدام الحمام، وصولًا إلى التعذيب الجنسي باستخدام أدوات تعذيب، وفق شهادته.
ويضيف: “كنت أُسحل على الأرض وأُحرم من النوم والطعام لأيام متتالية، وأحيانًا لا يُسمح لي حتى باستخدام الحمام، وكنت أشعر أن جسدي وعقلي ينهاران تحت ضغط مستمر”.
معتقل سابق في #السجون_السرية_الإماراتية في #حضرموت: تعرضت للتعذيب من 3 أشخاص لهجتهم إماراتية يُكنون بـ “أبو خليفة” و” الكلباني” وأبو أحمد”#جرائم_الامارات_في_اليمن
pic.twitter.com/bwff2lEHeQ
— محمد الضبياني M.Aldhabyani (@maldhabyani) January 21, 2026
إدارة المعتقل في المعسكر الذي تسيطر عليه القوات الإماراتية، كانت تستغل أسرة رشاد ماليًا، طالبت بمبالغ طائلة مقابل معلومات وهمية عن حالته أو وعد بالإفراج عنه.
ويقول رشاد: “كانوا يستغلون ألم أمي وقلقها، ويطلبون مبالغ مقابل وعود كاذبة بتحسيني أو الإفراج عني. شعرت أن حياتي تُباع مقابل المال، وأنهم يتلاعبون بعائلتي بشكل متعمد”.
وعند الإفراج عنه بعد سنوات من الاحتجاز، لم يشعر رشاد بالحرية الحقيقية، إذ واجه صعوبات اجتماعية ومهنية، وتم استهدافه بتهم كيدية حالت دون عودته إلى عمله، تاركة أثرًا نفسيًا وجسديًا طويل الأمد، “خرجت من المعتقل، لكن جسدي وذكرياتي لا تزال تحمل آثار السحل والاعتداءات، وكل ما حدث كان صرخة صامتة ضد ما خفي داخل الريان”.
احتجاز خارج القانون
أكد المحامي والمدير التنفيذي للمركز الأمريكي للعدالة، عبد الرحمن برمان، في حديثه لـ “نون بوست” أن الاحتجاز في المواقع والسجون السرية، دون أوامر قضائية أو توجيه تهم قانونية، يعد احتجازا تعسفيًا محظورًا ومُجرّمًا صراحةً بموجب الدستور اليمني، لا سيما المادة (48)، إضافة إلى قانون الإجراءات الجزائية وقانون الجرائم والعقوبات، التي تُجرّم الاحتجاز التعسفي، والإخفاء القسري، والتعذيب، والمعاملة القاسية واللاإنسانية.
وأوضح برمان أن القانون اليمني حدد مدة الاحتجاز المأمورية بضمانات واضحة، لا تتجاوز 24 ساعة، مع كفالة حقوق المحتجزين، مشيرًا إلى أن أي تجاوز لهذه الضمانات يمثل انتهاكًا صريحًا للقانون الداخلي. كما شدد على أن هذه الممارسات تشكل، من منظور القانون الدولي، انتهاكًا جسيمًا لالتزامات اليمن بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية مناهضة التعذيب، وغيرها من الاتفاقيات الدولية المتعلقة بمعاملة السجناء والمحتجزين.
وأضاف، أن وقوع هذه الانتهاكات في سياق نزاع مسلح يُخضعها أيضًا لأحكام القانون الدولي الإنساني، الذي يحظر الاعتقال التعسفي، والتعذيب، والمعاملة اللاإنسانية، مؤكدًا أن الاحتجاز في المواقع السرية دون إشراف قضائي أو قانوني يمثل انتهاكًا مزدوجًا، بوصفه انتهاكًا للقانون اليمني، وانتهاكًا لقواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.
من جانبه يؤكد محامي ضحايا السجون غير الرسمية في محافظة حضرموت ماجد أحمد بن جعه، في حديثه لـ”نون بوست”، أن ما جرى داخل مواقع مثل مطار الريان ومحيط ميناء الضبة يمثل منظومة احتجاز خارج إطار القانون، أُنشئت خلال السنوات التي أعقبت سيطرة قوات مدعومة من دولة الإمارات على مناطق في حضرموت، وبإشراف مباشر من ضباط إماراتيين.
وأوضح بن جعه، أن هذه المواقع تحولت إلى مناطق عسكرية مغلقة، لا تخضع لأي رقابة قضائية أو إشراف مؤسسي من قبل الدولة اليمنية، واُستخدمت مرافق غير معلنة داخلها كمراكز احتجاز سرية، جرى فيها احتجاز مواطنين من محافظتي حضرموت وشبوة خارج أي مسار قانوني رسمي.
وأشار إلى أن شهادات الضحايا تؤكد إشراف ضباط إماراتيين وعناصر أمنية تعمل بدعم مباشر منهم على عمليات التحقيق وإدارة بعض مرافق الاحتجاز، فيما نُفذت الاعتقالات عبر قوات محلية مرتبطة بهم.
وأكد المحامي ماجد بن جعه، أن عددًا من المحتجزين لم يُعرضوا على النيابة العامة، فيما عُرض آخرون بصورة شكلية، وسُجلت أسماؤهم في محاضر التحقيق بأسماء وهمية أو كنى لضباط إماراتين، دون إدراج هذه السجون في السجلات الرسمية للسجون التابعة للدولة، ما جعل وضعهم القانوني منعدمًا وعرّضهم لانتهاكات جسيمة دون أي ضمانات.
وأوضح بن جعه، أن اتفاقية الدعم الأمني الموقعة بين الجمهورية اليمنية ودولة الإمارات، والتي أُبرمت في سياق التعاون العسكري ومكافحة الإرهاب، جرى استغلال بعض بنودها العملية المتعلقة بالانتشار العسكري والتنسيق الأمني، لتوسيع نفوذ قوات غير خاضعة فعليًا للرقابة القضائية اليمنية، وتحويل الاتفاقية من إطار تعاوني مشروع إلى أداة لتعليق القانون داخل تلك المواقع.
وبيّن أن منظومة السجون غير الرسمية في حضرموت نشأت نتيجة تلاقي عدة عوامل، أبرزها ضعف سلطة الدولة المركزية، وتوسع نفوذ القوات المدعومة خارجيًا، وغياب الرقابة القضائية الفعلية، حيث تولّت قوات محلية مدعومة من الإمارات مهام الضبط والتحقيق، وبدأت باستخدام معسكرات ومواقع عسكرية كمراكز احتجاز دون أي تفويض قانوني صريح.
وأضاف أن استمرار هذه المنظومة كان نتيجة تسهيلات قدمتها قيادات عسكرية محلية، ومسؤولون أمنيون، وأطراف سياسية وقبلية، وفرت غطاءً إداريًا أو التزمت الصمت، مقابل نفوذ أو دعم أمني، ما أتاح بقاء هذه السجون خارج أي مساءلة قانونية.
وأكد المحامي بن جعه، أن الاعتقالات داخل هذه المواقع كانت تُنفذ دون أوامر قضائية، ودون تسجيل رسمي للمحتجزين أو توجيه تهم واضحة، فيما أُجريت التحقيقات من قبل عناصر أمنية وضباط أجانب، ولم يُسمح للمحتجزين بالتواصل مع محامين أو عائلاتهم، كما مُنع أي تفتيش قضائي مستقل، ما جعل هذه المواقع عمليًا خارج نطاق الدستور والقانون.
وأشار إلى أن الانتهاكات داخل هذه السجون اتخذت طابعًا ممنهجًا، شملت الإخفاء القسري، والتعذيب الجسدي والنفسي، والضرب، والحرمان من النوم، والعزل الانفرادي، والتهديد، وإجبار المحتجزين على الإدلاء باعترافات تحت الضغط، إضافة إلى منع التواصل مع العائلات، ما فاقم معاناتهم الإنسانية والنفسية.
وأشار إلى أنه جرى لاحقًا العثور داخل مواقع مثل الريان والضبة على زنازين سرية، وغرف احتجاز غير معلنة، ومرافق لم تكن مدرجة ضمن أي هيكل رسمي للسجون، إلى جانب مؤشرات على إخفاء أو إتلاف سجلات المحتجزين بهدف طمس الأدلة ومنع المساءلة القانونية.
وأكد محامي الضحايا أن هذه الوقائع تكشف أن تلك المواقع لم تكن مرافق عسكرية مؤقتة، بل بنية احتجاز منظمة صُممت لإدارة الاعتقال خارج سلطة القانون، مشددًا على أن ما حدث يمثل انتهاكات جسيمة تستوجب تحقيقًا قضائيًا مستقلاً، ومحاسبة جميع المتورطين، وضمان إنصاف الضحايا وجبر الضرر وفقًا للقانون الوطني والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.
محاولة طمس شواهد معاناة المختطفين في السجون السرية بميناء #الضبة بمديرية الشحر بمحافظة #حضرموت pic.twitter.com/KMFjfInjIK
— أحمد البكاري (@bukary_ahmed) January 20, 2026
انتهاكات جسيمة
من جهتها قالت عضو اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان، إشراق المقطري، في حديثها لـ”نون بوست” إن الانتهاكات التي تعرّض لها محتجزون في السجون غير القانونية بمحافظة حضرموت تُعد من أخطر الانتهاكات الجسيمة المرتبطة بالقانون الدولي لحقوق الإنسان، وتمس بشكل مباشر الحق في الحياة، والسلامة الجسدية والعقلية، والحق في المعاملة الكريمة.
وأوضحت المقطري أن ما جرى داخل هذه السجون، التي كانت في الأصل منشآت خدمية وحكومية، شكل انتهاكًا مركبًا، بدأ بالاحتجاز في أماكن غير صحية وغير قانونية، ومرّ بغياب تام لدور النيابة العامة والرقابة القضائية، والتحقيق من جهات غير مخولة قانونًا، وصولًا إلى ممارسات تعذيب ممنهجة، شملت استخدام أدوات حادة، وأشكالًا قاسية من العقاب البدني والنفسي.
وأضافت: “هذه الانتهاكات لا تسقط بالتقادم، وأن للضحايا حقًا أصيلًا في الإنصاف وجبر الضرر، مشيرة إلى أن طبيعة ما حدث تتشابه من حيث الجسامة مع الانتهاكات التي يتعرض لها يمنيون في مناطق أخرى، إلا أن ما يميّز حالة حضرموت – بحسب إفادات الضحايا والشهود الذين أدلوا بشهاداتهم تحت القسم – هو أن من مارس التعذيب لم يكونوا يمنيين، بل جنودًا وقيادات عسكرية وأمنية من دولة الإمارات العربية المتحدة، كانوا متواجدين في مواقع داخل المكلا، من بينها قاعدة الريان”.
وأشارت المقطري إلى أن غياب القضاء والرقابة خلال الفترة من 2016 حتى 2020–2021 أسهم بشكل كبير في تفاقم هذه الانتهاكات، في ظل فراغ شبه كامل لمؤسسات إنفاذ القانون، ما أتاح ارتكاب أفعال مخالفة للقوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها اليمن.
وأفادت بأن اللجنة وثّقت آثارًا جسدية ونفسية خطيرة لا تزال ملازمة لكثير من الضحايا حتى اليوم، من بينها إعاقات دائمة، وتضرر السمع والبصر، وإصابات في العمود الفقري، ومشكلات صحية وإنجابية، فضلًا عن آثار نفسية عميقة وصدمات طويلة الأمد.
وفيما يتعلق بمواقع الاحتجاز، أشارت المقطري إلى أن أدلة كثيرة جرى العبث بها أو إخفاؤها، خصوصًا في قاعدة الريان، لافتة إلى وجود بلاغات عن حالات دفن مجهولة خارج السجون، ما يتطلب تحقيقات أوسع وجهودًا جدية لكشف الحقيقة. وأكدت أن شهادات الضحايا والشهود تمثل أدلة قوية لا يمكن تجاهلها.
وأكدت المقطري أن مطالب الضحايا تتركز على استعادة كرامتهم ورد اعتبارهم، واعتراف دولة الإمارات بما جرى، وتقديم اعتذار رسمي، وتسليم المتورطين الذين وردت أسماؤهم في الشهادات.
كما شددت على أن كثيرا من الضحايا لا يزالون يعانون من الوصم الاجتماعي، والحرمان من فرص العمل والزواج، والابتزاز والتهديد، ما يستدعي تدخلا نفسيا واجتماعيا عاجلا.
وختمت بالقول إن ملف السجون غير القانونية في حضرموت يجب أن يكون أولوية قصوى في مسار المساءلة، مؤكدة أن الدولة ومؤسساتها القضائية قادرة على البدء بإجراءات قانونية جادة، شريطة التعامل مع القضية بوصفها ملفًا حقوقيا بحتا، يراعي جسامة الانتهاكات وحقوق الضحايا.
#عاجل |
فيديو : بالوثائق والصور.. «عكاظ» تكشف أسرار السجون السرّيّة وجرائم التعذيب في حضرموت
• أدلة جديدة من الضبة إلى مطار الريان بإشراف قيادات مدعومة من الإمارات
للاطلاع على التفاصيل:https://t.co/NBlLro2CXS pic.twitter.com/VXm5KKsiAm
— عكاظ (@OKAZ_online) January 18, 2026
مسرح جريمة ومسؤولية جنائية
فيما يتعلق بطبيعة هذه المواقع، أوضح المحامي والمدير التنفيذي للمركز الأمريكي للعدالة، عبد الرحمن برمان، أن السجون السرية والقواعد التي يُحتجز فيها أشخاص قسرًا تُعد قانونيًا مسرح جريمة، لكونها مواقع يُشتبه بارتكاب جرائم جسيمة فيها، تشمل الإخفاء القسري، والتعذيب، والمعاملة اللاإنسانية، وصولًا إلى القتل خارج إطار القانون. وأكد أن هذه الأفعال قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية إذا ارتُكبت بشكل ممنهج وعلى نطاق واسع.
وشدّد برمان، على أن الالتزامات القانونية تفرض على السلطات المختصة التعامل مع هذه المواقع باعتبارها مسارح جرائم، وحفظ الأدلة المادية والشهادات، والسماح للخبراء القانونيين المستقلين بالدخول إليها وجمع الأدلة، بما يضمن استقلالية التحقيقات وفعاليتها. كما دعا الدولة إلى الاعتراف بوجود هذه الانتهاكات والتعامل معها كجرائم خطيرة تمس كرامة الإنسان وحريته، لا كأمر واقع أو اعتيادي.
وحول المسؤولية القانونية، أكد المحامي برمان أن المسؤولية جنائية فردية تطال كل من أصدر أوامر الاعتقال التعسفي، أو أشرف على إدارة هذه المواقع، أو شارك في تنفيذ الانتهاكات، سواء أمام القضاء الوطني أو عبر الآليات الدولية مستقبلًا. كما تمتد المسؤولية إلى القادة الذين تستروا على هذه الجرائم أو سمحوا بحدوثها.
وإلى جانب ذلك، أشار برمان إلى وجود مسؤولية مؤسسية تطال أي جهة أو تشكيل مسلح أو مؤسسة رسمية استخدمت هذه المواقع أو علمت بما يجري فيها ولم تتخذ إجراءات قانونية، معتبرًا أن الصمت أو التواطؤ يُعد مشاركة في الجريمة.
وأكد أن هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، ولا تتأثر بتغير الظروف السياسية أو بانتهاء النزاع، وأن للضحايا وذوي المخفيين قسرًا الحق في ملاحقة الجناة في أي وقت.
اللجنة الوطنية للتحقيق تنفذ جلسة استماع لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان الأخيرة في سيئون#تلفزيون_حضرموت pic.twitter.com/JkR6NU5yok
— تلفزيون حضرموت (@hadhramauttv1) January 23, 2026
إشراف إماراتي مباشر
مع تزايد الدعوات لضرورة كشف الحقائق وضمان إنصاف الضحايا، يوضح وكيل وزارة العدل، فيصل المجيدي في حديثه لـ”نون بوست”، أن الملف الأمني في اليمن خلال تلك المرحلة كان يُدار خارج الأطر الرسمية للدولة، وبإشراف مباشر من القوات الإماراتية وتشكيلات عسكرية محلية موالية لها، ولم تكن خاضعة لسلطتي وزارتي الداخلية أو الدفاع، الأمر الذي أدى إلى إنشاء أماكن احتجاز وسجون سرية لا تخضع لأي إشراف قضائي أو رقابة قانونية، وكانت خارج نطاق المساءلة، ما تسبب في إخفاء عدد من المواطنين قسرًا داخل تلك السجون.
وأشار وكيل وزارة العدل المجيدي إلى أن اللجان الرسمية التي نزلت ميدانيًا، بناءً على ما أعلنته السلطات المحلية وبرئاسة عضو مجلس القيادة محافظ حضرموت الدكتور سالم الخنبشي، وكشفت عن وجود أدوات تعذيب داخل بعض تلك المواقع، إلى جانب مؤشرات واضحة على العبث بالأدلة وإتلاف جزء كبير منها عقب اكتشاف هذه السجون.
وأكد المجيدي أن توجيهات القيادة السياسية والقضائية كانت واضحة وحاسمة، وتقضي بالكشف عن جميع أماكن الاحتجاز غير القانونية، وإغلاقها فورًا، والإفراج عن أي محتجز خارج إطار الدولة، ما لم تكن بحقه تهم قانونية مثبتة وفق الإجراءات المعتمدة.
وبيّن أن النيابة العامة هي الجهة المختصة قانونًا بإدارة هذا الملف، لافتًا إلى وجود تنسيق مباشر ومستمر بينها وبين وزارة العدل لتشكيل لجان مشتركة، بمشاركة وزارة الداخلية والأجهزة التابعة لها، للنزول الميداني إلى أماكن الاحتجاز في مختلف المحافظات، ومباشرة مهامها وفقًا للقانون، مع مراعاة تعقيدات الأوضاع الأمنية القائمة.
وشدد المجيدي على أن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وفي مقدمتها جريمة الإخفاء القسري، تُعد من أخطر الجرائم، لما تخلّفه من آثار إنسانية ونفسية واجتماعية عميقة على الضحايا وأسرهم، مؤكدًا ضرورة إغلاق هذا الملف بشكل كامل، وجبر الضرر، وتعويض المتضررين.
وأوضح أن الإجراءات القانونية ستسير وفق المسار الصحيح، بدءًا من جمع الاستدلالات وإعداد المحاضر، مرورًا بإحالتها إلى النيابة العامة، وصولا إلى القضاء، لمحاسبة كل من يثبت تورطه في ارتكاب هذه الانتهاكات، سواء كانوا تابعين لتشكيلات عسكرية أو أي جهات أخرى، وفقا لأحكام القانون..
من جانبه أكد رئيس منظمة سام للحقوق والحريات، توفيق الحميدي، في حديثه لـ “نون بوست” أن ملف السجون السرية في اليمن لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة أو ملفًا جانبيًا، بل يمثل أحد أخطر مظاهر الانحراف الذي رافق الدور الإماراتي في اليمن منذ عام 2015.
وأوضح الحميدي، أن ظاهرة السجون السرية بدأت عقب تحرير مدينة عدن مباشرة، بالتزامن مع موجة الاغتيالات التي استهدفت قيادات في المقاومة، وفي سياق إعادة هندسة المشهد الأمني عبر تشكيل قوات غير قانونية تعمل خارج مؤسسات الدولة، وبما يخدم سياسة قائمة على الفوضى وتصفية الخصوم.
وأشار إلى أن دولة الإمارات أنشأت وأدارت شبكة من المعتقلات السرية في مختلف مناطق سيطرتها، شملت عدن وأبين وشبوة وحضرموت والمخا وسقطرى، مؤكدًا أن منظمة سام أصدرت عشرات البيانات والتقارير التي وثّقت وجود هذه السجون والانتهاكات التي مورست داخلها منذ 25 مايو/أيار 2017، وكانت من أوائل – إن لم تكن أول – منظمة محلية ودولية كشفت هذه المنظومة، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن السجون السرية شكّلت بنية أمنية موازية خارج الدولة، هدفها تطويع المجتمع لصالح المشروع الإماراتي.
عاجل:
سجون سرية تدار من الإمارات في حضرموت، وتستخدم لغرض الاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب. pic.twitter.com/lCNfD3Q9vM
— أخبار السعودية (@SaudiNews50) January 19, 2026
وأضاف الحميدي أن ما يجري اليوم لا يمكن تقديمه باعتباره “اكتشافًا جديدًا”، بل هو فتح متأخر لسجون كانت مكشوفة حقوقيًا منذ سنوات، إلا أن الفارق أن ما كان يُنكر بالأمس أصبح اليوم واقعًا لا يمكن تجاهله، مشددًا على أن صدمة اليمنيين لم تكن في بدء الجرائم، بل في مشاهدة أماكن الاحتجاز التي كشفت وحشية ما كان يُكذَّب، مستشهدًا بمعتقل الريان في المكلا، الذي لم يكن مجرد سجن، بل حاويات حديدية ضمّت عشرات الأبرياء في أجواء شديدة الحرارة، في صورة تختصر الإذلال المتعمد لا أي إجراء قانوني.
وبيّن الحميدي أن ما جرى في حضرموت لا يمكن اعتباره تجاوزات فردية، بل منظومة احتجاز ممنهجة ومتكاملة، تضم مليشيات تنفذ الاعتقال خارج القانون، وفرقًا متخصصة في التعذيب، وأخرى في الإخفاء القسري، إلى جانب منظومة إفلات من العقاب ونفوذ سياسي يحميها.
وحول أنماط الانتهاكات، أوضح أن منظمة سام وثّقت نمطًا موحدًا في جميع السجون السرية، شمل وجود مشرفين أجانب – أكد معظم الضحايا أنهم إماراتيون – يعملون بأسماء حركية، واستخدام أساليب تعذيب متشابهة ومتكررة، من بينها الصعق الكهربائي، والضرب، والتعليق، والركل على القفص الصدري، والحرمان من قضاء الحاجة، واستخدام الكلاب البوليسية، والحقن، إضافة إلى نقل بعض المحتجزين إلى خارج البلاد.
السجون السرية والمتفجرات التي عثر عليها في حضرموت فضحت إجرام أبوظبي في بلادنا والواجب اليوم رفع هذه الأدلة إلى مجلس الأمن الدولي لاتخاذ قرار واضح وإدانة هذه الدولة المجرمة.
#سجون_التعذيب_الاماراتية_باليمن
#جرائم_الامارات_في_اليمن pic.twitter.com/3TIEv5nLM2
— أحمد الشميري..ahmed alshmeri (@a_shmeri) January 20, 2026
وفيما يتعلق بالإجراءات المعلنة رسميًا، قال الحميدي إنها خطوات إيجابية لكنها غير كافية، مؤكدًا أن الانتهاكات المرتكبة في السجون السرية وقعت في سياق نزاع مسلح شابه انتهاك جسيم للقانون الدولي الإنساني، وترقى إلى جرائم حرب، كما أكدت ذلك تقارير فريق الخبراء التابع لمجلس حقوق الإنسان، وآليات التحقيق الدولية ذات الصلة، وهو ما يستدعي مسارًا قضائيًا متخصصًا يتمتع بالخبرة والبعد الدولي.