ترجمة وتحرير: نون بوست
في إسرائيل اليوم، نادرا ما تُقابل قضية بقدر من اللامبالاة – وأحيانًا العداء الصريح – مثل قضية حقوق الفلسطينيين المحتجزين في السجون الإسرائيلية.
ورغم أن عددا من المحامين والناشطين يعملون على متابعة هذه القضايا ويتحدثون عنها علنًا، إلا أن الانتهاكات التي يوثقونها لا تكاد تصل إلى مسامع من هم خارج نطاق دوائرهم المهنية والسياسية الضيقة.
على مدار العامين الماضيين، نشرت منظمات حقوقية فلسطينية وإسرائيلية عدة تقارير حول الظروف المأساوية التي يعيشها الفلسطينيون المعتقلون في إسرائيل. وتصف هذه التقارير اكتظاظًا شديدًا، وحرمانًا من الحاجيات الأساسية، وانتشارًا واسعًا للأمراض، وعنفًا وتعذيبًا روتينيًا، وقيودًا صارمة على الحصول على الرعاية الطبية.
بين أكتوبر/ تشرين الأول 2023 ونوفمبر/ تشرين الثاني 2025، لقي نحو 100 فلسطيني حتفهم في المعتقلات الإسرائيلية، وهو رقم تقول منظمات حقوق الإنسان إنه على الأرجح أقل بكثير من العدد الحقيقي.
من المهم التأكيد على أن هذه الظروف لم تُفرض بشكل انتقائي على مقاتلي حماس الذين أُسروا في 7 أكتوبر/ تشرين الأول أو خلال المعارك اللاحقة. خضع الفلسطينيون المعتقلون قبل 7 أكتوبر/ تشرين الأول، والعمال الغزوين الذين كانوا في إسرائيل يوم الهجوم، وفلسطينيو الداخل الذين اعتُقلوا بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، لنظام الاعتقال ذاته.
منذ ربيع عام 2024، عندما تم الكشف عن التعذيب الوحشي الذي يتعرض له الأسرى الفلسطينيون والظروف المروعة في معتقل سدي تيمان، حظيت الحقائق الواردة في هذه التقارير ببعض الاهتمام خارج إسرائيل وداخلها. ومع ذلك، فإن الظروف التي جعلت هذه الممارسات في السجون الإسرائيلية أمرا معتادا لم تحظَ بالقدر نفسه من التدقيق.
تشير المقابلات التي أجريناها مع سبعة محامين يمثلون معتقلين فلسطينيين إلى تفكيك ممنهج لآليات الرقابة، إلى جانب تزايد العراقيل والمضايقات التي يتعرض لها المحامون. وسمحت هذه التطورات، لنظام السجون بأن يعمل إلى حد كبير دون مساءلة.

“مواقع انتقام ممنهج”
ووفقًا للمحامين الذين مثّلوا المعتقلين الفلسطينيين قبل 7 أكتوبر/ تشرين الأول وبعده، فإن التغييرات التي طرأت على السجون الإسرائيلية منذ بداية الحرب يصعب المبالغة في وصفها. وقال المحامي يغال دوتان، الذي مثّل مؤخرًا طفلًا فلسطينيًا يبلغ من العمر 14 عامًا مصابًا بالتوحد ومحتجزًا بشبهة ارتكاب مخالفات أمنية: “كانت الأوضاع قبل الحرب سيئة للغاية، لكنها لا تُقارن بما حدث في السجون الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول. لقد تحولت إلى مرافق للتعذيب، ومواقع انتقام منظم ومؤسسي. أرى ذلك مع موكلي ومع موكلي محامين آخرين. إن وضعهم مروّع”.
كان الاكتظاظ الهيكلي أحد أبرز العوامل التي دفعت إلى هذا التدهور، ومن أوائل الخطوات التي اتخذها الكنيست بعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول تمرير تشريع طارئ يتجاوز قرار المحكمة العليا، مما سمح بملء الزنازين بما يفوق طاقتها الاستيعابية. ووفقًا لتقرير صادر عن مكتب المدافع العام الإسرائيلي عام 2024، تجاوز عدد السجناء في إسرائيل 23,300، أي بزيادة تقارب 9,000 عن الحد الأقصى القانوني الذي يتيح ظروف معيشية بالكاد مقبولة. وكانت النتيجة، بحسب المحامين، انحدارًا سريعًا إلى ظروف غير إنسانية أدت إلى تفشي الأمراض.
وفي الوقت نفسه، أعادت مصلحة السجون الإسرائيلية تصنيف الضروريات الأساسية باعتبارها “كماليات”؛ فتمت مصادرة الفُرُش والوسائد ومستلزمات النظافة وأدوات الحلاقة بين ليلة وضحاها، ولم يعد يُسمح للسجناء بالحصول على ملابس نظيفة.
وقال المحامي بن مارماريللي: “تركوا لهم فقط الملابس التي كانوا يرتدونها. فمنذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول، لا يزال موكلي يرتدي نفس قطعة الملابس الداخلية. وفقط الآن، بسبب التماس جديد تقدمتُ به، هناك احتمال أن يحصل على قطعة أخرى”.
خلال أشهر الشتاء، تعرض السجناء للبرد في زنازين ذات نوافذ مفتوحة، من دون ملابس كافية أو أغطية. كما تم تعليق وقت الخروج اليومي إلى الفناء لمدة ثمانية أشهر بعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول، ثم أُعيد العمل به، قبل أن يُلغى مجددًا عقب صفقة الرهائن الأخيرة، انتقامًا من إطلاق سراح معتقلين فلسطينيين.
وبحسب المحامية سوسن زاهر، فإن رفض السماح للسجناء بتبديل ملابسهم كانت له نتائج متوقعة: “أولئك [السجناء] الذين أُفرج عنهم تركوا ملابسهم الشتوية لزملائهم في الزنازين كي يكون لديهم ما يرتدونه. لقد أدت هذه الظروف إلى تفشي الجرب في جميع السجون”.
بالنسبة للسجناء من ذوي الإعاقة أو الذين لديهم احتياجات طبية خطيرة، فإن إزالة التسهيلات الأساسية جعلهم يعتمدون كليًا على زملائهم المعتقلين، وعلى قدرة المحامين على التدخل عبر المحاكم.
وقالت المحامية نادية دقّة: “كان لديّ موكّل يستخدم كرسيًا متحركًا، تمت مصادرته في بداية الحرب. وقضى ما يقارب عامًا ونصف في السجن من دونه، إلى أن تمكن من الوصول إلى محامٍ. وأصبح يعتمد على السجناء الآخرين للذهاب إلى الحمام أو للاستحمام أو للخروج. كما أنه لم يكن لديه سيطرة على وظائفه الجسدية، وكان يُعطى فقط ثلاث حفاضات للكبار أسبوعيًا. حتى اضطررت لتقديم التماس بشأن ذلك.”
كما تدهورت التغذية والرعاية الطبية بشكل كبير؛ ففي الأشهر الأولى من الحرب، تم تخفيض الحصص الغذائية اليومية إلى مستوى التجويع، حيث بلغ 800 سعرة حرارية للشخص الواحد، وفقًا لشهادات سجناء مفرج عنهم والمحامين، وكما كشفت تقارير التشريح للفلسطينيين الذين قضوا داخل مراكز الاحتجاز. وأفاد محامون زاروا موكليهم في أبريل/ نيسان 2024 أنهم شاهدوا “هياكل عظمية تمشي”. وكان الوصول إلى العلاج الطبي محدودًا للغاية، سواء للحالات المرضية المزمنة التي تفاقمت أو للإصابات الناتجة عن التعرض للعنف داخل السجون.
وروت نادية دقّة أنها شاهدت سجناء التئمت كسورهم بشكل خاطئ بسبب عدم تلقي العلاج. وحتى عندما كان أطباء السجون يؤدون واجباتهم رسميًا، أوضحت: “الطبيب لا يجلس في جناح السجن. يمكنه أن يوصي بالعلاج، لكن السجين يعود إلى جناحه ولا يتلقاه”.
وربما كان التحول الأكثر دراماتيكية في ظروف السجون الإسرائيلية هو أن العنف الجسدي والتعذيب بحق المعتقلين الفلسطينيين أصبحا روتينيين بحلول منتصف عام 2024. وقال المحامي تال شتاينر، المدير التنفيذي لمؤسسة “هموكيد: مركز الدفاع عن الفرد”، والذي كان حتى وقت قريب مدير اللجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل: “قبل الحرب، كنا نوثق نحو 10 إلى 12 حالة تعذيب سنويًا من بين زيارات عديدة للسجون. بعد الحرب، كل زيارة أصبحت تنتهي بشكوى تعذيب”.
وأضاف شتاينر: “في السابق، كانت حالات التعذيب مرتبطة عادةً بتحقيقات الشاباك، أما عنف الحراس فكان هامشيًا. الآن أصبح هو القاعدة: عنف أثناء العدّ اليومي، وعنف أثناء التنقل بين المرافق، وعنف في الطريق لرؤية الطبيب، وعنف أثناء الذهاب لمقابلة محامينا”.
معزولون عن العالم الخارجي
ما ساعد في إخفاء هذه الحقيقة الوحشية هو العزلة شبه التامة للمعتقلين؛ فبعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول، منعت إسرائيل زيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر، التي كانت منذ زمن طويل واحدة من آليات الرقابة المستقلة القليلة، وعلّقت زيارات العائلات بالكامل. ولعدة أشهر، مُنع المحامون أيضًا من دخول السجون، وهو قيد لم يتم تخفيفه رسميًا إلا في مطلع عام 2024.
وفي غياب الصليب الأحمر وأفراد العائلات، أصبح المحامون القناة الوحيدة بين السجناء والعالم الخارجي. وبالإضافة إلى التمثيل القانوني، أوكلت إليهم مهمة إبلاغ العائلات بما إذا كان المعتقلون لا يزالون على قيد الحياة، ونقل رسائل إلى السجناء حول أوضاع أقاربهم، وجمع شهادات مباشرة عن ظروف السجون.
ومع ذلك، يقول المحامون إن وصولهم لا يزال مقيدًا بشكل كبير. فبالنسبة للمعتقلين من غزة، يُطلب من المحامين الآن الحصول على وكالة قانونية من عائلة السجين، التي غالبًا ما يتعذر الوصول إليها، بدلًا من الحصول عليها من المعتقل نفسه أثناء الزيارة كما كان مسموحًا سابقًا. ويتلقى المحامون مواعيد لمقابلة موكليهم قبل أشهر، ولا يمكنهم تسريعها إلا عبر الالتماسات القضائية.
وفي حالات أخرى، منعت سلطات السجون المحامين من دخول المرافق بالكامل، مستندة إلى ذرائع متغيرة أو غير مفسرة مثل الاضطرابات في السجن، أو قيام الحراس بشكل مستقل بمنعهم من حضور جلسات تمديد الاعتقال التي تُعقد داخل السجون.
ونتيجة لهذه العقبات، أصبحت زيارة واحدة للسجن تكلف المحامين نحو 2000 شيكل (ما يعادل تقريبًا 630 دولارًا)، تشمل السفر إلى مراكز احتجاز نائية، وساعات من الانتظار، وفي أفضل الأحوال 30 دقيقة مع الموكل. وعندما تحدث الزيارات، أفاد المحامون بوجود انتهاكات منهجية لسرية العلاقة بين المحامي وموكله. إذ يقوم الحراس بتفتيش الوثائق، واستدعاء مترجمين لمراجعة المواد المكتوبة بالعربية، والاستماع إلى المحادثات.
وقالت نادية دقّة: “كان لديّ حالات مُنع فيها السجين من كشف أجزاء من جسده أثناء الزيارة”، في ما بدا أنه محاولة لمنعها من توثيق الإصابات الأخيرة.
وأي رسالة من العالم الخارجي، حتى مجرد تحية من والدة أحد السجناء، يمكن أن تؤدي إلى إجراءات عقابية ضد المحامين. فمن خلال إجراءات سريعة تستند إلى “أدلة” سرية، يمكن منع المحامين من زيارة موكليهم لأشهر، بذريعة أن مثل هذه التفاعلات تُستخدم لتنسيق الاحتجاجات بين السجناء أو للتواصل مع منظمات “إرهابية”. ومنذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول، تم حظر نحو 50 محاميًا، معظمهم فلسطينيون، لفترات طويلة من زيارة موكليهم بسبب نقل تحيات عائلية، أو تسجيل تفاصيل الأقارب، أو عرض صور لأبناء السجناء.
وأفاد المحامون أيضًا بأن موكليهم وصلوا إلى الاجتماعات وهم مضروبون ومصابين بكدمات، وأحيانًا كانوا يتعرضون للاعتداء أمامهم. وقد شهد السجناء بأنهم كانوا يُحتجزون لساعات في أوضاع ضغط مؤلمة قبل زيارات المحامين، وهم مكبلون بإحكام ومعصوبو الأعين ويتعرضون للضرب وحتى الاغتصاب، على ما يبدو لردعهم عن لقاء محاميهم.
ومنذ استئناف الزيارات في مطلع عام 2024، يقول المحامون إنهم وثّقوا مرارًا وتكرارًا مثل هذه الإصابات، دون جدوى. وقال مارماريللي: “رأيت نظرات الحراس، والدفع، وآثار نعال الأحذية على ظهر موكلي، بصمات كاملة للأحذية، أكثر من مرة.” وأضاف شتاينر: “كان الشعور بالإفلات من العقاب شديدًا إلى درجة أن مصلحة السجون سمحت لنفسها بضرب الناس حتى نزفوا، رغم معرفتها أن شخصًا من العالم الخارجي على وشك أن يراهم”.
“المحاكم متواطئة بالكامل”
وحتى قبل الحرب، كان الإشراف القضائي على أوضاع السجون محدودًا للغاية. ووفقًا لبيانات مركز البحوث والمعلومات التابع للكنيست، من بين 1,830 قضية فتحتها الوحدة الوطنية للتحقيق مع حراس السجون بين عامي 2019 و2021، أُغلق 96 بالمئة منها بحلول يوليو/تموز 2023، منها 93 بالمئة بدعوى “عدم وجود مخالفة جنائية”. كما أُحيلت 255 قضية أخرى من الوحدة إلى مكتب المدعي العام بين عامي 2019 و2022، وأُغلق 94 بالمئة منها أيضًا.
وبناءً على ذلك، يرى المحامون أن العنف الموثّق منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول يعكس فشلًا لا يقتصر على مصلحة السجون الإسرائيلية، بل يشمل كل الجهات المسؤولة عن مراقبتها: المحاكم، ومكتب المدافع العام، ونقابة المحامين الإسرائيلية.
وقالت المحامية عبير بكر: “الانتهاكات داخل السجون كانت موجودة دائمًا؛ فنقابة المحامين، ومكتب الدفاع العام، ومكتب المدعي العام، والمحاكم لديهم سلطة قانونية صريحة لطرق أبواب السجون والقول: “سأدخل للتفتيش”، ولكن لم يفعل أي منهم ذلك في الوقت المناسب. فالجميع كان يعلم أن شيئًا مروّعًا يحدث داخل السجون، ولم يحرّك أحد ساكنًا”.
قال دوتان: “القضاة لا يهتمون بما يحدث لهؤلاء المعتقلين. ففي إحدى القضايا، جُلب ثمانية معتقلين إلى محكمة تل أبيب الجزئية وهم في حالة مروّعة. وخلال الاستراحة، أمرت المحكمة بإطعامهم، لكنهم أُجبروا على الركوع وأيديهم مكبلة خلف ظهورهم وأرجلهم مقيدة بالسلاسل، وأُلقيت صواني الطعام الضئيلة على الأرض، واضطروا للانحناء والأكل كالكلاب، من دون استخدام أيديهم”. وأوضح دوتان أنه احتج فورًا أمام المحكمة، لكن القضاة اكتفوا بالتحديق باستخفاف، مضيفًا: “المحاكم متواطئة بالكامل.”
وفي نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2023، تقدمت عدة منظمات حقوقية بالتماس إلى المحكمة العليا الإسرائيلية بشأن ظروف الاعتقال، مستندة إلى شهادات معتقلين أُفرج عنهم، إذ كان الوصول إلى السجون ممنوعًا في ذلك الوقت، لكن المحكمة رفضت الالتماس باعتباره قائمًا على “شائعات عامة وغير مثبتة”، وحكمت بوجوب تقديم الطعون عبر التماسات فردية. ومنذ ذلك الحين، ورغم الأدلة على انتشار الجوع والانتهاكات، فشلت منظمات المجتمع المدني في إلزام المحكمة بالتعامل مع القضية باعتبارها مشكلة منهجية.
ووفقًا لشتاينر، تم رفض الالتماسات المبدئية “لأننا لم نثبت الادعاءات الواقعية، لأن مصلحة السجون أنكرتها”، أو لأن القضية اعتُبرت “محسومة” بعد أن زعمت المصلحة أنها تمت معالجتها.
وحتى عندما أصدرت المحاكم أوامر لمعالجة انتهاكات محددة، قال دوتان إن مصلحة السجون “تجاهلتها بشكل صارخ – وبدرجة أكبر منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول” ففي قضية الطفل الفلسطيني البالغ من العمر 14 عامًا والمصاب بالتوحد، ورغم صدور أمر قضائي بضرورة فصله عن باقي المعتقلين، لم تلتزم المصلحة بذلك، وتعرض السجين لاعتداء جنسي من قبل زملائه في الزنزانة.
وتلعب المحكمة العليا دورًا محوريًا في تكريس الوضع القائم؛ حيث أكد جميع المحامين السبعة أن المحكمة العليا امتنعت عن التدخل في قضايا كانت تعتبرها عاجلة في السابق، ومنحت الدولة تمديدات متكررة من دون تدقيق، وقالت عبير بكر: “إنه نوع من التجاهل المتعمّد.”
وفي التماس يطالب باستئناف زيارات الصليب الأحمر، منحت المحكمة العليا الدولة 20 تأجيلًا. أما الالتماس المتعلق بالحرمان من الطعام فقد استغرق أكثر من عام ونصف ليُبت فيه. وأوضحت دقّة: “لم تتخذ المحكمة قرارها إلا بعد أن فقد الناس عشرات الكيلوغرامات.”
ومؤخرًا، رفضت المحكمة العليا التماسًا يطالب بتجديد زيارات العائلات، مستندة إلى عدم استنفاد الإجراءات مع مصلحة السجون، وطالبت بإثبات رفض جديد بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، ما استلزم انتظارًا إضافيًا مدته 45 يومًا. وكما هو الحال في تعاملها مع سياسة التجويع في غزة أو منع وسائل الإعلام الأجنبية من دخول القطاع، تتبنى المحكمة فعليًا موقف الدولة عبر تأجيل النظر حتى يصبح الادعاء المحدد غير ذي صلة، من دون معالجة القضية الجوهرية.
يتحمّل مكتب الدفاع العام مسؤولية ضمان سير العملية الجنائية بشكل عادل بغضّ النظر عن التهمة الموجّهة، وقد كان الجهة الرسمية الوحيدة التي اعترفت بوجود انتهاكات منهجية لحقوق الإنسان داخل السجون وأبدت قلقًا علنيًا بشأنها. وحذّر المكتب من أن صلاحيات الاعتقال في إسرائيل “واسعة ومقلقة”، ونبّه إلى خطر “تسرّب آليات مكافحة الإرهاب المتطرفة إلى القانون الجنائي”.
ومع ذلك، أعلن مكتب الدفاع العام في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، في خطوة غير مسبوقة، أنه لن يمثّل عناصر حركة حماس، متخليًا بذلك عن واجبه الأساسي تجاه جميع الفلسطينيين المعتقلين بعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول. وقال أحد المحامين الذين أُجريت معهم مقابلات: “يمثّل الدفاع العام أشخاصًا قتلوا أبناءهم ومثّلوا بجثثهم. خطورة الأفعال لا علاقة لها بالأمر. هناك إنسان يجب أن يُضمن له مسار قضائي عادل، بغضّ النظر عمّا ارتكب. هذا هو جوهر القانون الجنائي.”
أما نقابة المحامين الإسرائيلية، فقد أخفقت في الدفاع عن المحامين الممنوعين من دخول السجون أو الطعن في استبعادهم. إذ قبلت دون تمحيص مزاعم مصلحة السجون بأن المحامين أساؤوا استخدام دورهم للتنسيق مع منظمات “إرهابية”، وشرعت في إجراءات تأديبية ضدهم استنادًا إلى أدلة سرية ومواد جُمعت في انتهاك لسرية العلاقة بين المحامي وموكله، وهي أقدس مبادئ المهنة القانونية.
وحتى عندما جرى في نهاية المطاف رفض الشكاوى، فإن الاعتماد على مثل هذه الاتهامات خلق شعورًا عميقًا بالتخلي بين المحامين من قبل الهيئة المهنية المفترض أن تحميهم. وقال دوتان: “نحن [المحامون الذين ندافع عن الفلسطينيين] تم التخلي عنا تمامًا. لا أستطيع مساعدة موكلي. ولا أستطيع إنقاذهم من مصيرهم”.
“دائرة واسعة من الجرائم”
وتعكس معاملة المعتقلين، كما وصفها محاموهم، سياسة إسرائيلية أوسع تقوم على تفكيك المعايير الأساسية لحقوق الإنسان، وتتفاقم بفعل عجز، وأحيانًا عدم رغبة، الجهات الرقابية في التدخل.
إن مضايقة المحامين، الذين أصبحوا فعليًا الآلية الرقابية الأخيرة المتبقية، تعكس الهجوم المستمر الأوسع على منظمات حقوق الإنسان. ففي الممارسة العملية، عملت الدولة على حرمان الفلسطينيين من أبسط سبل الانتصاف القانوني، مع عزل كل من قد يشهد على الانتهاكات.
وتتجاوز النتائج جدران السجون بكثير؛ فقد عانى آلاف الفلسطينيين الذين مرّوا عبر الاعتقال الإسرائيلي على مدى العامين الماضيين من أضرار جسدية ونفسية دائمة، أثّرت على أسرهم ومجتمعاتهم لسنوات طويلة قادمة.
من الجانب الإسرائيلي، أشار شتاينر إلى أن “هناك العديد من الأشخاص المتورطين. الكثير والكثير من الإسرائيليين الذين عذّبوا بشرًا آخرين داخل السجون، أو أساؤوا معاملتهم، أو صادقوا على هذا العنف، أو تستروا عليه بطريقة أو بأخرى”.
وأضافت: “هذه جريمة ذات دوائر واسعة: عشرات من جنود الاحتياط والجنود النظاميين، ومئات من حراس السجون.” وخَلُصت إلى أن هؤلاء الأفراد والعنف الذي جعلوه أمرًا طبيعيًا سيبقون جزءًا من المجتمع الإسرائيلي.
وردًا على طلب موقع +972 للتعليق، جاء تصريح الناطق باسم مصلحة السجون الإسرائيلية على هذا المقال بالقول: “هذا محض افتراء. مصلحة السجون الإسرائيلية هي منظمة أمنية تعمل وفق القانون، وموظفوها مسؤولون عن الحراسة الآمنة وضمان حقوق جميع المعتقلين. وأي شكوى رسمية يقدمها معتقل يتم فحصها ومعالجتها من قبل السلطات المختصة وفقًا للقانون.”
المصدر: +972