ترجمة وتحرير: نون بوست
سُحبت أنظمة الدفاع الجوي والقوات الأمريكية من شرق آسيا، وقوبلت طلبات نشر صواريخ اعتراضية في منطقة الخليج الغنية بالنفط بـ”المماطلة“، بل إن قاعدة جوية في رومانيا قد تم تجنيدها في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
إن ما وصفه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بـ”نزهة صغيرة” يتحول بسرعة إلى أكبر عبء على البنية الأمنية لأكبر قوة عظمى في العالم منذ نهاية الحرب الباردة.
وتأخذ الولايات المتحدة الكثير من شركائها في جميع أنحاء العالم لشن حرب على الجمهورية الإسلامية، حتى في الوقت الذي يتساءل فيه المشرعون وقادة العالم عن الغرض من هذا الصراع.
ومما يزيد الطين بلة، أن إدارة ترامب لم تقدم بعد إجابات على الأسئلة التكتيكية حول كيفية كسر إغلاق إيران لمضيق هرمز أو كبح جماح أسعار الطاقة التي ارتفعت بشكل هائل نتيجة لذلك
وقال بيتر فرانكوبان، أستاذ التاريخ العالمي في جامعة أكسفورد، لموقع “ميدل إيست آي”: “المشكلة التي ستحتاج الولايات المتحدة إلى التعافي منها هي فقدان المصداقية، فقد فتحت صندوق باندورا دون التفكير جيدًا بما سيحدث لاحقًا. إن إظهار عدم الكفاءة أمام الجمهور أمر فظيع”.
وأظهرت الحرب الأمريكية الإسرائيلية بعد مرور ثلاثة أسابيع أن إيران يمكن أن تُقصف من بعيد، وقد قُتل المرشد الأعلى البالغ من العمر 86 عامًا، آية الله علي خامنئي، في الضربة الافتتاحية للحرب، وتباهت الولايات المتحدة يوم الجمعة بأنها أصابت عددًا مذهلًا بلغ 6000 هدف في إيران.
غير أن دعوة ترامب للاستيلاء على المؤسسات الحكومية من قبل الإيرانيين العاديين لم تتحقق بعد، وقد تم تنصيب مجتبى خامنئي، نجل آية الله خامنئي، كمرشد أعلى جديد. بل إن شركاء الولايات المتحدة الأكراد رفضوا دعوات التمرد التي كانت تعول عليها واشنطن، ولا توجد أي إشارة إلى انهيار الحكومة الإيرانية.
وبدلاً من ذلك، شعر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وكبير المسؤولين الأمنيين علي لاريجاني بالثقة الكافية للتجول في وسط طهران بين آلاف الناس يوم الجمعة، حتى مع استهداف الغارات الجوية الإسرائيلية للمنطقة.
وتستمر قدرة إيران على إزعاج الدوحة والمنامة ودبي بطائرات “شاهد” المسيّرة الرخيصة، في حين تُستنزف الصواريخ الاعتراضية الأمريكية الباهظة الثمن.
وقد هزّت ضربة إيرانية تل أبيب يوم الجمعة. وفي الوقت نفسه، اشتعلت النيران هذا الأسبوع في مضيق هرمز، الذي يمر عبره 20 بالمائة من الطاقة العالمية؛ حيث تعرضت ست سفن على الأقل لهجوم من إيران.
وقد نُفذت كل هذه الهجمات من قبل دولة تتعرض حاليًا لغارات جوية لا هوادة فيها، وكانت أيضًا تحت عقوبات أمريكية مدمرة منذ أربعة عقود.
وقال فواز جرجس، أستاذ العلاقات الدولية وخبير الشرق الأوسط في كلية لندن للاقتصاد، لموقع “ميدل إيست آي”: “أعتقد أننا نشهد لحظة أزمة السويس بالنسبة للولايات المتحدة”.
وفي عام 1956، انضمت بريطانيا وفرنسا إلى إسرائيل لمهاجمة مصر بعد أن قام الرئيس جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس، وقد أجبرت الولايات المتحدة، بقيادة الرئيس دوايت دي أيزنهاور، إسرائيل والأوروبيين على الخضوع.
وقد سُجلت أزمة السويس كحالة نموذجية في التاريخ لتجاوز الإمبراطوريات حدودها في أواخر عهدها.
غير أن هناك اختلافات جوهرية بين الحرب على إيران وأزمة السويس، وقليلون هم الذين يتوقعون أن تخرج إيران المنهكة منتصرة من الحرب، مقدمةً نظامًا أمنيًا بديلًا للولايات المتحدة.
وبحسب اعتراف ترامب نفسه، فإن روسيا تساعد في الهجمات الإيرانية ضد الولايات المتحدة. وكان موقع “ميدل إيست آي” أول من كشف أن الصين أرسلت أنظمة دفاع جوي وأسلحة هجومية إلى طهران. وقال مسؤول عربي للموقع إن إمدادات الأسلحة الإضافية مستمرة دون انقطاع لكن الصين وروسيا محصورتان في لعب دور المفسدين في المنطقة، بحسب خبراء.
وقال جرجس: “لا توجد قوة عظمى لتحل محل الأمريكيين، على عكس ما حدث عندما تم تهميش الفرنسيين والبريطانيين”.
وأحد الدروس المستفادة من أزمة السويس، بالطبع، هو أن القوى الإمبريالية يمكن أن تستمر لعقود حتى بعد أن تتعرض للإحراج؛ فقد واصلت بريطانيا التدخل في اليمن والخليج لمدة عشرين عامًا بعد السويس. وغادر آخر الجنود البريطانيين الإمارات المتصالحة – الإمارات العربية المتحدة الحديثة – في عام 1971. وحتى اليوم، تساعد المملكة المتحدة الإمارات في إسقاط الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية.
وبلغت الولايات المتحدة ذروة تفوقها على الإمبراطورية البريطانية القديمة في الشرق الأوسط بعد حرب الخليج عام 1991، عندما انتشرت القواعد العسكرية الأمريكية في الكويت والمملكة العربية السعودية والبحرين وقطر.
وافترضت دول الخليج الغنية بالطاقة أن تلك القواعد ستوفر لها الأمن. لكن، كما أفاد “ميدل إيست آي”، بدأ البعض الآن يشكك في جدوى استضافة الولايات المتحدة. كما تواجه دول الخليج ضغوطًا من واشنطن للانضمام إلى الحرب على إيران، وأصبحت أهدافًا بسبب علاقاتها مع الولايات المتحدة.
وكانت دول الخليج بالفعل في حالة تأهب بسبب فشل الولايات المتحدة في الرد على هجوم إيراني عام 2019 على منشآت النفط السعودية، ومؤخرًا بسبب عجز واشنطن عن كبح جماح إسرائيل، التي قصفت الدوحة العام الماضي.
وردًّا على ذلك، بدأت هذه الدول في تنويع خياراتها؛ فقد وقعت السعودية اتفاقية دفاع متبادل مع باكستان وكانت تستكشف إنتاج أسلحة بشكل مشترك مع تركيا، واستضافت الإمارات الجيش الصيني.
وقال جرجس: “عندما ينجلي غبار هذه الحرب، ستتسارع وتيرة التنويع الذي كان يجري”.
وقال فرانكوبان إن نضوج هذه المواقف سيستغرق بعض الوقت، وأضاف: “أسمع الكثير من التهديدات في أنحاء الخليج باللجوء إلى الصين وأماكن أخرى للحصول على أنظمة أسلحة وأمن ودفاع وحتى للاستثمار بشكل أوسع. أعتقد أن ذلك يعكس حدة الموقف وصعوباته في الوقت الحالي”.
وتابع فرانكوبان: “لكن الولايات المتحدة اقتصاد ضخم، به الكثير من الفرص المبتكرة والمثيرة للغاية. وهذا لن يتغير بين عشية وضحاها. لكن… بمصطلحات كرة القدم، يبدو هذا وكأنه هدف في في مرمى الذات”.
أزمة الثقة في القوة الأمريكية لا تقتصر على الخليج.
سحب الصواريخ والقوات خارج شرق آسيا
وأصبح مفهوم تقليص انخراط الولايات المتحدة في الشرق الأوسط للتركيز على المنافسة مع الصين قديمًا جدًا في واشنطن لدرجة أنه يكاد يكون من المسلمات، لكن دول شرق آسيا لديها الآن سبب للقلق.
فقد أفادت تقارير بأن الولايات المتحدة بدأت في نقل نظام الدفاع الصاروخي “ثاد” من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط. وقال وزير خارجية كوريا الجنوبية، تشو هيون، يوم الجمعة إن الولايات المتحدة تدرس أيضًا إعادة نشر بعض أنظمة الدفاع الصاروخي الأمريكية من طراز “باتريوت”.
ويحمل هذا الأمر وزنًا رمزيًا عميقًا في كوريا الجنوبية، الحليف والشريك الاقتصادي الرئيسي للولايات المتحدة، كما قال أندرو ييو، زميل أول ورئيس قسم كوريا في مركز دراسات سياسة شرق آسيا بمؤسسة بروكينغز، لموقع “ميدل إيست آي”.
وقبل عقد من الزمن، دخلت الصين وكوريا الجنوبية في خلاف حاد بشأن نشر نظام “ثاد”، وتحملت كوريا الجنوبية مقاطعة اقتصادية صينية كلّفتها مليارات الدولارات للدفاع عن هذا الانتشار.
وقال ييو: “مهمة القوات الأمريكية هناك هي الردع والدفاع ضد أي غزو كوري شمالي”.
وأضاف: “إذا كانت القوات الأمريكية ستدخل وتخرج ببساطة، فما معنى ذلك بالنسبة لالتزام الولايات المتحدة بالدفاع عن كوريا الجنوبية؟ هذه الأسئلة تُطرح الآن”.
وقد ظهرت تقارير يوم الجمعة تفيد بأن البنتاغون يرسل حاملة الطائرات “يو إس إس تريبولي”، وهي مجموعة جاهزة للعمليات البرمائية تابعة لمشاة البحرية و2500 من مشاة البحرية الأمريكية من اليابان إلى الشرق الأوسط.
وقال ييو: ” يرى البعض الآراء أن أي شيء يُبقي القوات الأمريكية خارج منطقة المحيطين الهندي والهادئ هو أمر جيد بالنسبة للصين”.
ويقول خبراء إنه يمكن إضافة الدول الأوروبية إلى قائمة شركاء الولايات المتحدة الذين يتحملون ثمن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران؛ فقد اضطروا إلى نقل نظام دفاع جوي “باتريوت” من ألمانيا للدفاع عن قاعدة رادار تابعة للناتو في ملاطية بتركيا. وقال الرئيس الروماني نيكوسور دان يوم الأربعاء إن بلاده ستستضيف طائرات التزود بالوقود الأمريكية ومعدات المراقبة والاتصالات عبر الأقمار الصناعية، كما نشرت اليونان نظام صواريخ “باتريوت” في إحدى جزر بحر إيجه. ويحدث هذا التغيير العسكري على خلفية حرب روسيا على أوكرانيا.
وقد كانت إدارة ترامب في صراع طويل مع الحلفاء الأوروبيين بشأن تكلفة دعم أوكرانيا، وكان أحد المكاسب الرئيسية التي تمكن القادة الأوروبيون من تحقيقها هو فرض عقوبات أشد على النفط الروسي.
غير أن إدارة ترامب تتراجع عن تلك العقوبات حاليًا استجابةً لارتفاع أسعار الطاقة.
أوروبا تدفع الثمن
وقال إيان ليسر، نائب رئيس صندوق مارشال الألماني للولايات المتحدة، لموقع “ميدل إيست آي”: “يشبه الوضع أزمة السويس من بعض النواحي ولكن بشكل معكوس، لأننا نشهد أزمة عبر الأطلسي تتعلق بمصالح وسياسات مشتركة مختلفة. حينها كانت أوروبا تتبع سياسة حازمة، ولم يعجب ذلك الولايات المتحدة. أما الآن، فالوضع معكوس”.
وأضاف ليسر: “أزمة السويس مثال جيد”، وتابع: “معظم قدرات الدفاع الجوي المتكاملة للناتو موجودة بالفعل في البحر المتوسط”.
وتتعرض الدول الأوروبية لانكشاف عميق بسبب إغلاق هرمز؛ فقد تحولت هذه الدول إلى شراء وقود الطائرات والديزل من مصافي التكرير في الخليج بعد فرض العقوبات على روسيا.
ولم يُبدِ ترامب أي تعاطف مع معاناتهم، متفاخرًا هذا الأسبوع بأن الولايات المتحدة – بصفتها مُصدّرًا صافيًا للطاقة – استفادت من ارتفاع الأسعار.
وقال ليسر: “هناك سؤال جوهري حول ما هي مصلحة أمريكا في الاستقرار الدولي: الأمني والاقتصادي. وهذا يقودنا إلى مسألة الثقة في الولايات المتحدة”.
وأضاف: “إن مجرد وجود نقاش حول ما إذا كانت العلاقات مع الولايات المتحدة تمثل رصيدًا أم عبئًا هو أمر مثير للقلق”.
ولمن يبحث عن إشارة على أن الولايات المتحدة فقدت بالفعل بعضًا من هيبتها وقوتها، يمكن النظر إلى مضيق هرمز؛ فالقدرة على ضمان المرور الآمن للممرات البحرية وتدفق التجارة هي سمة من سمات القوة العظمى. لكن مع عجز الولايات المتحدة عن فتح المضيق، فإن فرنسا وإيطاليا تتواصلان الآن مع إيران لتأمين مرور ناقلات الطاقة، بحسب ما أفادت صحيفة “فاينانشال تايمز”، كما أفادت وكالة “رويترز” أن الهند فعلت الشيء نفسه.
وقال جرجس: “سيكون العالم أكثر فوضوية وتعددية للأقطاب”.
المصدر: ميدل إيست آي