تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي إجراءاتها التصعيدية في قرى وبلدات محافظة القنيطرة الواقعة ضمن المنطقة منزوعة السلاح منذ سقوط النظام في كانون الأول/ ديسمبر 2024، متخذةً أشكالًا متصاعدة من التوغلات العسكرية، وفرض الحواجز، وإعادة رسم خطوط السيطرة، في تحول لافت من نمط الضبط والمراقبة إلى حضور عسكري مباشر داخل المنطقة.
ويعكس هذا التصعيد، بحسب قراءة التطورات الميدانية، مسارًا إسرائيليًا يتجاوز منطق الخروقات المحدودة، باتجاه توظيف حالة الفراغ الأمني التي رافقت المرحلة الانتقالية الهشة في سوريا، لفرض وقائع جيوسياسية جديدة على الأرض، بما يقود عمليًا إلى تقويض فعلي لاتفاقية فصل القوات الموقعة عام 1974.
في هذا التقرير تسعى “نون بوست” إلى تتبع تداعيات التصعيد الذي تنفذه القوات الإسرائيلية في الجنوب السوري، وتحليل دلالاته السياسية والأمنية، مع خبراء مختصين في هذا الشأن.
انتهاكات مستمرة
خلال الأشهر الماضية، كثفت قوات الجيش الإسرائيلي عملياتها في جنوب سوريا عبر توغلات متكررة، شملت هدم منشآت ومبانٍ مدنية، ونصب بوابات حديدية وحواجز تفتيش على مداخل القرى، إلى جانب تجريف الأراضي الزراعية ورش مواد مجهولة، كما سجلت حالات خطف لمربي الأغنام والاستيلاء على مواشيهم، إضافة إلى إطلاق النار عليهم لترهيبهم.
وشوهدت طائرات تابعة للاحتلال الإسرائيلي تنفذ عمليات رش مواد مجهولة كان آخرها يوم الجمعة 30 كانون الثاني/يناير، ابتداء من بلدة جباتا الخشب إلى قرية الحميدية مرورًا بقرية الحرية بريف القنيطرة الشمالي.

وفي 28 كانون الثاني/يناير، نُفذت عمليات رش لذات المواد على أراضٍ تقع غرب مزرعة أبو مذراة وقرية الحانوت في ريف القنيطرة الجنوبي، سبقتها بيومين عمليات رش مماثلة استهدفت مناطق حراجية وحقولًا زراعية ومراعي في قرى العشة وكودنا والأصبح وبلدة الرفيد في الريف الجنوبي للمحافظة.
وفي ظل الغموض الذي يلف طبيعة هذه المواد، أعلنت مديرية الزراعة في محافظة القنيطرة أنها أخذت عينات من التربة والنباتات والأعشاب في المواقع المتضررة، تمهيدًا لإخضاعها للتحليل المخبري، بهدف تحديد نوعية المواد المستخدمة وتقييم مخاطرها المحتملة على الإنسان والبيئة.
كما أصدرت المديرية تحذيرًا صحيًا عاجلًا للسكان والمزارعين في ريف القنيطرة الجنوبي، دعت فيه إلى عدم الاقتراب من الأراضي التي تعرضت لعمليات الرش أو استخدام منتجاتها الزراعية، إلى حين صدور نتائج التحاليل وبيانات رسمية لاحقة توضّح طبيعة المواد المستخدمة ومدى خطورتها.
تواصلت “نون بوست” مع مدير الزراعة في محافظة القنيطرة، جمال العلي، وقال: إن نتائج الفحوصات الخاصة بالمواد التي جرى رشها أُرسلت إلى هيئة الطاقة الذرية، متوقعًا صدور النتائج خلال يومين أو ثلاثة.
ومن خلال خبرته والفحص المبدئي يقول العلي إنه غالبًا ما تكون المواد المستخدمة مبيدات أعشاب فقط، وليس لها أثر مباشر على الثروة الحيوانية أو على السكان، “عند تنفيذ الرش كانت هناك قطعان من الأغنام في المنطقة ولم تتأثر”.
ويرى العلي أن الهدف من رش هذه المواد هو منع نمو الأعشاب ومنع اقتراب الرعاة من الشريط الحدودي أو من المناطق التي لا يرغب الاحتلال بدخول أحد إليها.
“المنطقة التي رُشت فيها المواد هي منطقة حراجية كانت القوات الإسرائيلية قد جرفتها سابقًا، ومع هطول الأمطار تحولت إلى مراعي جيدة، ما دفع مربي المواشي إلى الرعي فيها، الأمر الذي أزعج القوات الإسرائيلية، التي حاولت في أكثر من مرة إطلاق النار لإبعادهم، دون جدوى، قبل أن تلجأ إلى رش الأراضي”.
وأشار العلي إلى أن مديرية الزراعة خاطبت الأمم المتحدة المتواجدة على الشريط الحدودي بشأن هذه الانتهاكات، لكن الانتهاكات ما زالت موجودة ، في ظل غياب أي تجاوب فعلي.
ويُذكر أن عملية الرش التي نفذت في 30 كانون الثاني/يناير هي الثالثة من نوعها خلال الشهر الحالي، الأمر الذي أثار مخاوف جدية الأهالي لدى بشأن سلامة المحاصيل الزراعية، خاصة في ظل عدم الكشف عن طبيعة المواد المستخدمة حتى الآن.
حسن سعد الدين أحمد، وهو أحد مزارعي ريف القنيطرة، قال لـ”نون بوست”، إن طائرات إسرائيلية رشت مواد مجهولة فوق أرضه الزراعية القريبة من الشريط الحدود، “ما أثار مخاوفنا ومنعنا من الاقتراب خشية أن تكون هذه المواد سامة”، يننتظر حسن ما ستعلن عنه مديرية الزراعة، ويخشى أن تكون هذه المواد مؤذية للتربة على المدى الطويل، وأن تنعكس آثارها على المواشي و الأهالي.
ويضيف العلي أن قوات الاحتلال كانت قد جرفت أرضه قبل سقوط النظام السابق بنحو شهرين، غربي قرية أوفانيا في ريف القنيطرة، وأن عمليات الرش استهدفت اليوم ما تبقى من أراضيه.
وتثير هذه الإجراءات مخاوف الأهالي وتساؤلاتهم بشأن ما إذا كانت “إسرائيل” تسعى لإلحاق أضرار طويلة الأمد بالثروة الزراعية والحيوانية في محافظة القنيطرة، في سياق أهداف أمنية أو استراتيجية أوسع.
بدوره، يرى العقيد والخبير العسكري، عبد الله الأسعد، أن إسرائيل تعمل على تهيئة مسرح عمليات جديد في الجنوب السوري، إلى جانب مسارح العمليات السابقة، في خطوة تهدف إلى فرض واقع ميداني مختلف يخدم مصالحها الأمنية والعسكرية.
ويوضح أن هذا الواقع يتمثل في إنشاء منطقة مفتوحة جديدة مجهزة هندسيًا بشكل مكثف، بما يضمن أفضلية ميدانية واضحة لصالح القوات الإسرائيلية.
ويشير الأسعد، وهو عميد في كلية العلوم السياسية بالجامعة الأهلية، إلى أن عمليات تجريف الأراضي الزراعية لا يمكن فصلها عن هذا السياق، إذ تمثل جزءًا من تهيئة مناطق الأعمال القتالية الجديدة تهيئة استراتيجية.
وبحسب تقديره، فإن هذه الإجراءات تعكس سعيًا إسرائيليًا لإعادة بسط السيطرة على أراضٍ جديدة في الجنوب السوري، في إطار ما يصفه بالعقيدة العسكرية الإسرائيلية الجديدة في المنطقة.
ويرى العقيد عبد الله أن لإسرائيل أطماعًا لا يمكن تجاهلها، تتمثل في السعي إلى قضم أراضٍ في الجنوب السوري تتمتع بخصوبة عالية وغنىً بالثروات المائية، بما في ذلك الينابيع والأنهار.
ولا تقتصر المعاناة على المزارعين فحسب، بل تمتد لتشمل رعاة الأغنام أيضًا، الذين يواجهون تضييقًا متصاعدًا على مناطق الرعي، ما أدى إلى خسائر مادية متراكمة، وحالة خوف دائمة تهدد مصدر رزقهم الوحيد، في ظل منعهم من الوصول إلى أراضيهم والمراعي القريبة من الشريط الفاصل، وتكرار حوادث إطلاق النار والاعتقال والملاحقة.
من جهته يقول يزن العقلة من قرية معرية في ريف درعا الغربي، لـ”نون بوست”، إن قوات الاحتلال الإسرائيلي صادرت نحو 130 رأسًا من الأغنام تعود له، أثناء رعيه في محيط قرية معرية الواقعة ضمن منطقة حوض اليرموك غربي محافظة درعا، منذ حوالي شهر .
وفي 24 يناير/كانون الثاني اعتقلت قوات الاحتلال شابين من قرية الحانوت بريف القنيطرة الجنوبي، أثناء رعيهما الأغنام في الأراضي الزراعية المحيطة بالقرية، وقامت باقتيادهما إلى داخل الأراضي المحتلة.
وفي 28 يناير/كانون الثاني قامت دورية تابعة للاحتلال بالتوغل بثماني عربات عسكرية في قرية عين القاضي بريف القنيطرة الجنوبي وقبل مغادرة المنطقة، قامت الدورية باعتقال شاب من أبناء القرية قبل مغادرتها المكان.بحسب ما نقله مركز “القنيطرة للإعلام”.
وفي 30 ديسمبر/كانون الأول 2025، توغلت قوات الاحتلال في قرية العشة واعتقلت راعي أغنام بعد إطلاق النار عليه، في وقت شهدت فيه المنطقة تحركات عسكرية شملت إقامة حواجز مؤقتة بين عين زيوان وكودنة، وتقدم رتل يضم نحو 100 عنصر من تل الأحمر الغربي إلى الشرقي، مع تحليق مكثف للطيران المسير.
في حين رصد موقع “سجل” (وهو مركز سوري يعنى بتوثيق ورصد العمليات الإسرائيلية في سوريا، مع تركيز خاص على المناطق الجنوبية) خلال الفترة الممتدة من 25 أغسطس/آب 2025 وحتى 29 من يناير/كانون الثاني 2026، نحو 953 انتهاكًا في مناطق متفرقة. وسجلت محافظة القنيطرة العدد الأكبر من هذه الانتهاكات، تلتها درعا ثم ريف دمشق، وبحسب الموقع، بلغ عدد الانتهاكات في القنيطرة وحدها 801 انتهاكًا، توزعت بين 281 عملية توغل، 158 حالة إقامة نقاط تفتيش، 62 عملية مداهمة، 71 عملية احتجاز.
أدوات الضبط الأمني الإسرائيلي
يرى الباحث في الشؤون الأمنية والعسكرية، نوار شعبان، أن “إسرائيل” تتعامل مع المنطقة ككل، وليس مع سوريا وحدها، بأدوات مختلفة تحت ذريعة منع تكرار هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول، وأن إحدى الأدوات الأساسية هي إقامة مناطق عازلة تمنع فيها كافة معالم الحياة (تجريف الأراضي، رش بالمبيدات الحشرية)، بما يمنع الرعي والزراعة، ويؤدي عمليًا إلى تفريغ هذه المناطق من السكان وتحويلها إلى مناطق أمنية بحتة.
ويضيف شعبان لـ “نون بوست”، أن “إسرائيل” تعمل على هندسة المناطق الجغرافية المحاذية لكل من جنوب لبنان والجنوب السوري كل منها بأدوات مختلفة، ففي سوريا، بسبب الضغوطات الدولية ومسار المفاوضات المعقد أصبحت الأدوات العسكرية والأمنية لدى “إسرائيل” محدودة، وأصبحت تعمل على التوغل والخروقات والتضييق على المدنيين ودفعهم للابتعاد بأقصى درجة عن أماكن تواجدها.
“وهنا نرى المسار المركب للأدوات الإسرائيلية فهي ممكن أن تفاوض لكن لن تقف عن الانتهاكات التي تستخدمها لتطبيق شكل المنطقة التي تراها من منظورها (الأمن القومي الخاص بها أو المنطقة العازلة الخاصة بها)”.
هذا الخطر يبقى حاضرًا دائمًا في سلوك الكيان الإسرائيلي، إذ يتعامل مع الأمور بطريقة مركبة، وقد ينخرط في مسارات تفاوضية من دون أن يعني ذلك وقف استخدامه لأدواته الانتهاكية على الأرض، بحسب شعبان
ويرى أن ما يجري لا يرتبط بمشاريع استيطانية، بل يتعلق بإعادة هندسة العقيدة الأمنية لإسرائيل بالمنطقة.
وتعمل قوات الاحتلال على إغلاق بعض الطرقات وفصل مناطق في الجنوب السوري عبر إقامة سواتر ترابية، لكن في تحول لافت نصب الاحتلال في 31 أكتوبر/تشرين الأول الماضي بوابة حديدية عند مدخل قرية الصمدانية الغربية في ريف القنيطرة، في إجراء يهدف إلى فصل القرية عن محيطها وتشديد السيطرة على المنطقة المحاذية لخط وقف إطلاق النار.
الخطوة اعتبرها أهالي المنطقة في الصمدانية ومحافظة القنيطرة، على إنها شكلًا جديدًا من المحاولات التي تهدف إلى فرض واقع جديد في المنطقة وتعمق معاناتهم.
وينظر إلى بناء البوابات الحديدية في هذا السياق بوصفه سياسة ترهيبية تندرج ضمن منظومة الضبط الأمني للمنطقة، وليس ضمن إطار الضبط الاستيطاني، ورغم حالة اللغط بين هذه الإجراءات وتلك المتبعة في فلسطين، والتي تعد أدوات استيطانية بامتياز، بحسب شعبان.
ويرى شعبان أن هذه البوابات في الجنوب السوري تستخدم كأداة أمنية بالدرجة الأولى، ولا تندرج ضمن مشروع استيطاني.
نموذج شبيه بالضفة الغربية
الخبير في العلاقات السورية الإسرائيلية، خالد خليل، يقول لـ”نون بوست” إن الاعتداءات الإسرائيلية المتصاعدة في الجنوب السوري تمثل واقعًا احتلاليًا متكامل الأركان، ومخالفة صريحة للقانون الدولي، وتشكل تهديدًا مباشرًا للسيادة السورية.
ويشير إلى أن “إسرائيل” تحاول من خلال هذه السياسات تحويل الجنوب السوري إلى نموذج شبيه بالضفة الغربية في فلسطين، عبر ممارسات ممنهجة تشمل التضييق على السكان، وتقطيع أوصال المنطقة، وإنشاء قواعد عسكرية صغيرة، إضافة إلى الاعتقالات وتشجيع المستوطنين على إقامة بؤر استيطانية، وهي إجراءات غير قانونية حتى وفق القانون الإسرائيلي نفسه، وتُستخدم كأدوات لفرض وقائع ميدانية جديدة على الأرض.
ويرى أن التهديدات الإسرائيلية في الجنوب تعد من أخطر التحديات التي تواجه سوريا الجديدة في مرحلتها التأسيسية، وأن هذه الاعتداءات لا تنطلق من استراتيجية توسعية عميقة، بقدر ما تعكس حالة تخبط وفقدان للتوازن الاستراتيجي لدى “إسرائيل” منذ الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024. ويعزو ذلك أيضًا إلى دوافع أيديولوجية وشخصية مرتبطة برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
وبحسب خليل، تستخدم “إسرائيل” الساحة السورية كأداة ضغط وأوراق مساومة متعددة الاتجاهات، سواء على المستوى الداخلي الإسرائيلي، “لأن نتنياهو هذا هو عامه الانتخابي فقد بقي له نحو ثماني أشهر للانتخابات” بالإضافة إلى أوراق مساومة مع الجانب السوري في ظل المشهد الجديد، إضافة إلى أوراق مساومة باتجاه الإقليم باتجاه الإدارة الأميركية.
وفي هذا السياق، يشير الخليل إلى وجود تقارب سوري أميركي ملحوظ، حيث تدعم واشنطن سوريا الجديدة ومقاربتها لمسار التفاوض الذي تجدد بعد سقوط نظام الأسد، وهو مسار طويل يعود بجذوره إلى تسعينيات القرن الماضي، وتلعب فيه الولايات المتحدة دور الراعي الكامل لا الوسيط التقني.
ويوضح أن المفاوض السوري كان واضح وقدم مقاربات واقعية وحدد خطوطًا حمراء واضحة، أبرزها الانسحاب الإسرائيلي إلى خطوط السابع من ديسمبر/كانون الأول 2024، وانسحاب القوات الأميركية، ووقف الاعتداءات، في حين لم تُظهر إسرائيل جدية حقيقية في الوصول إلى تسوية.
ويعتبر الخليل أن طرح فكرة غرفة تنسيق أمنية ثلاثية سورية أميركية إسرائيلية، التي نوقشت في مخرجات “باريس 3″، يعكس تحولًا من مسار التصعيد إلى التهدئة تحت الضغط الأميركي، في محاولة لمنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
“الاعتداءات الإسرائيلية رغم خطورتها الآنية، لا تحمل بعدًا استراتيجيًا طويل المدى، بل تهدف إلى تحسين شروط التفاوض، وسوريا الجديدة لا تشكل تهديدًا فعليًا للأمن الإسرائيلي، بل باتت تُعد حجر زاوية في استقرار المنطقة”، وفق خالد الخليل.