يقف الشرق الأوسط على حافة تصعيد عسكري غير مسبوق، حيث تتسارع وتيرة الحشود العسكرية الأمريكية في المنطقة بشكل يضاهي التحضيرات الكبرى للحروب الإقليمية السابقة. وفي قلب هذه الرمال المتحركة، يبرز الأردن كعقدة ارتكاز جيواستراتيجية بالغة الأهمية.
فبينما تؤكد الدبلوماسية الأردنية التزامها الصارم بالحياد وتجنب الانزلاق في أتون صراع مباشر، ترسم حركة الطيران العسكري والمشهد الاستخباراتي الفضائي واقعًا ميدانيًّا مغايرًا تمامًا.
هذا التباين الشديد يضع عمان في بؤرة التشكك الإيراني ويطرح تساؤلات جوهرية حول الآثار المترتبة على الدور الأردني في أي ضربة أمريكية وإسرائيلية محتملة ضد طهران، لا سيما في ظل تداخل التحالفات الاستراتيجية والضرورات الأمنية المعقدة.
التعزيزات الأمريكية في الأردن
1. حجم الانتشار العسكري
تحوّلت قاعدة موفق السلطي في الأزرق إلى مركز تجمع ضخم للطائرات الأمريكية. صحيفة نيويورك تايمز وصفت القاعدة بأنها “المركز الأساسي” للخطط الأمريكية تجاه إيران، إذ أكدت بيانات التتبع وجود 60 طائرة هجومية على الأقل، بينها نحو 30 طائرة F‑35A الشبحية و24 طائرة F‑15E وطائرات A‑10.
وهذا إضافة إلى ستة طائرات EA‑18G Growler المتخصصة في الحرب الإلكترونية ومسيّرات MQ‑9 Reaper وأنظمة دفاع جوي مثل THAAD وباتريوت. كما هبطت 68 طائرة نقل خلال أيام قليلة.

هذه الأرقام تجعل القاعدة أكبر تركيز جوي أمريكي في المنطقة منذ حرب العراق، وتُمكّن من شن ضربات دقيقة عبر الطائرات الشبحية وضرب الدفاعات الإيرانية بواسطة الحرب الإلكترونية.
2. الأسباب العسكرية والاستراتيجية
يتيح موقع القاعدة في الصحراء الأردنية الاتصال السريع مع الأراضي الفلسطينية المحتلة والعراق والسعودية، ويبعد حوالي 850 كم عن الحدود الغربية لإيران.
ويشير تحليل موقع فَرارو الإيراني إلى أن القاعدة أقل عرضة للتهديد من قواعد الخليج، ما يجعلها نقطة انطلاق مثالية لطائرات الشبح للتسلل وتدمير الدفاعات الجوية الإيرانية.
كما أن اتفاق الدفاع الأمريكي الأردني لعام 2021 يمنح قوات واشنطن حرية الحركة في 12 قاعدة أردنية لمدة 15 عاماً، ويُنظر إليه كإطار قانوني لتوسيع الوجود الأمريكي.
ووفق تقديرات الجيش الأمريكي، يشكل نشر أنظمة باتريوت وTHAAD وسيلة لحماية القاعدة من الصواريخ الإيرانية المحتملة، بينما يمكن للطائرات EA‑18G تعطيل الرادارات الإيرانية.
موقف مغاير.. وسوابق تعزز التكهنات
رغم هذا الانتشار، أعلنت عمّان رفضها استخدام أراضيها لشن هجمات على إيران. نيويورك تايمز نقلت عن مسؤول أردني قوله إن الحضور العسكري يأتي ضمن اتفاق دفاعي وأن المملكة تأمل في التوصل لاتفاق بين واشنطن وطهران لتجنب الحرب.
وأبلغ وزير الخارجية أيمن الصفدي نظيره الإيراني عباس عراقجي في 2 فبراير/شباط 2026 أن الأردن لن يكون “ساحة معركة” لأي صراع ولن يسمح بانتهاك مجاله الجوي، وأنه سيستخدم كل إمكاناته للتصدي لأي محاولة اختراق.
فيما أكد ملك الأردن عبد الله الثاني في لقائه مع شخصيات سياسية 5 فبراير/شباط 2026 أن الأردن يدعم الحوار والدبلوماسية لخفض التوتر، ويضع مصلحة مواطنيه فوق كل اعتبار، في مسعى لطمأنة إيران والرأي العام العربي بأن عمان ليست جزءاً من خطط واشنطن الهجومية.
لكن هناك سوابق تدحض تصريحات الأردن الرسمية، ففي 13 يونيو/حزيران 2025 شنّت إيران هجوماً بصواريخ ومسيرات على أهداف في “إسرائيل” رداً على ضربة إسرائيلية لمنشآت نووية إيرانية، فتحوّلت الأجواء الأردنية إلى مسرح للاشتباك؛ وقالت القوات المسلحة الأردنية إنها فعّلت الدفاعات الجوية لإسقاط صواريخ ومسيّرات اخترقت أجواء المملكة لمنع سقوطها على المناطق المأهولة وحماية المواطنين.
المعهد اليهودي للأمن القومي الأمريكي (JINSA) أفاد أن الدفاعات الأردنية أسقطت صواريخ ومسيرات إيرانية خلال الحرب، في حين سمحت الأردن للطائرات الأجنبية بالعمل في أجوائها.
وتسببت شظايا الصواريخ الدفاعية إصابة مدنيين وأضرار مادية في إربد وعمان، ما فاقم الانتقادات، فقد تحدتث صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” عن تكهنات بأن الأردن يعترض بعض الصواريخ دفاعاً عن “إسرائيل”، ورصدت استياء شعبياً على مواقع التواصل؛ بعض الأردنيين اعتبروا الاعتراض حماية للمواطنين، بينما رأى آخرون أنه توريط للمملكة في حرب لا تعنيها.
وأوضح تقرير فوندشن للدفاع عن الديمقراطيات (FDD) أن الأردن يعلن دائماً أنه لن يكون قاعدة لهجوم على إيران، لكنه في الوقت نفسه يتعاون مع الولايات المتحدة و”إسرائيل” في اعتراض الصواريخ الإيرانية.
الأردن وإيران.. تاريخ من الحذر والتقارب المحدود
لا يوجد بين عمان وطهران علاقات عدائية تاريخية؛ فقد حافظتا على وضع دبلوماسي طبيعي منذ الثورة الإيرانية. وفي فبراير/شباط 2026 وصف القائم بالأعمال الإيراني في عمّان داوود كلانتري العلاقات بأنها “طبيعية وثابتة”، مشيراً إلى وجود مذكرات تفاهم اقتصادية وعلمية وزيادة في التبادل الطلابي.
وحذر المسؤول الإيراني من أن التعبئة الأمريكية ستؤثر على المنطقة كلها، لكنه شدد على احترام إيران لأمن الأردن، ورغم التصريحات الإيجابية، ينظر كثير من الإيرانيين بريبة إلى تقارب الأردن مع واشنطن و”تل أبيب”، إذ حث النائب الإيراني مجتبی زارعي الأردنيين في فبراير/شباط 2026 على “الاستيلاء على قاعدة موفق السلطي وأسر الجنود الأمريكيين”، قائلا إنها استخدمت لحماية “إسرائيل” خلال الحرب.
ونشرت وسائل إعلام إيرانية مثل فرارو وهمشهری تقارير موسعة عن قاعدة موفق السلطي، مؤكدة اعتماد واشنطن عليها في أي هجوم محتمل على إيران، ومشككة في قدرة عمان على منع استخدامها.
تقرير فرارو عدّد أنواع الطائرات الأمريكية المنتشرة واعتبرها ثلاثة أضعاف العدد المعتاد، مشيراً إلى أن هذا الانتشار يجعل القاعدة مركز قيادة للهجوم المحتمل.
صحيفة همشهری قالت إن القاعدة تبعد 850 كم عن حدود إيران وأن واشنطن وسعت منشآتها منذ 2019 لتشمل ملاجئ للطائرات ومستودعات ذخيرة، وهو ما يعني عملياً أنها “أرض أمريكية” رغم إنكار الحكومة الأردنية، من جهة أخرى تغذي هذه التقارير خطاباً داخلياً يرى الأردن شريكاً في أي عدوان محتمل.
وبحسب تقرير لصحيفة يديعوت أحرونوت وصف الأردن بأنه “في قلب العاصفة، لكنه لا يريد أن يكون جزءاً منها”، مشيراً إلى أن جنوداً أميركيين ينصبون أنظمة دفاعية في قاعدتهم بالأردن. ونقلت الصحيفة عن مصدر أردني أن الرأي العام في المملكة يميل إلى رفض الحرب خوفاً من تداعيات اقتصادية وأمنية، وأن الأردن يصر على الحياد.
الإعلام العبري يبرز أيضاً أن عمّان تستفيد من الدعم الأمريكي لكنها تخشى الانتقام الإيراني، ما يدفعها لتأكيد الحياد العلني مع الاستمرار في التعاون الأمني.
ويعتمد مستقبل العلاقات على قدرة عمان على تحقيق توازن بين حماية أمنها الداخلي وتجنّب استفزاز طهران، فالأردن يواجه ضغطاً داخلياً من معارضة التطبيع مع “إسرائيل” ومن تدهور اقتصادي، بينما يعتمد على المساعدات الأمريكية والخليجية.
وبينما تدعم تصريحات المسؤولين الأردنيين الحوار مع طهران، فإن استمرار استخدام الأراضي الأردنية كقاعدة لعمليات عسكرية سيزيد من صعوبة موقف عمان أمام شعبها وجيرانها.