• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

الحرب تدخل عامها الرابع.. السودان في بقعة عمياء عالميًا

عماد عنان١٦ أبريل ٢٠٢٦

يدخل السودان عامه الرابع منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل/نيسان 2023 بين الجيش وميليشيا الدعم السريع، وهو أكثر إنهاكًا وتصدعًا من أي وقت مضى؛ بلدٌ دُمرت معظم مقوماته تقريبًا على نحو متسارع، وانهارت بنيته الإنسانية والاقتصادية والخدمية والنفسية تحت وطأة صراع مفتوح لا تلوح في الأفق نهاية قريبة له.

وفيما يترقب ملايين السودانيين مصيرهم المعلّق بين النزوح والجوع والموت، يقف العالم عند حدود المشاهدة الباردة السلبية، عجز سياسي وصمت دولي لافت وفاضح، وفي الوقت ذاته تنحسر التغطية الإعلامية تدريجيًا عن واحدة من أكثر الكوارث قسوة في المنطقة، ليجد أبناء هذا البلد أنفسهم في مواجهة مصير بالغ القتامة.

وبعد 3 سنوات كاملة من الحرب، لا يحمل المشهد السوداني جديدًا سوى اتساع دوائر الخراب وتعمق ملامح الانهيار، بعدما امتدت آثار الصراع إلى مختلف تفاصيل الحياة اليومية ومقومات البقاء نفسها، ومع دخول العام الرابع، تتأرجح نظرة السودانيين بين أمل باهت في أن تنجح أي مساعٍ ولو كانت هزيلة في وقف هذا النزيف أو تخفيف وطأته، وبين خوف متصاعد من أن يكون القادم أشد قسوة، وأن تمضي البلاد إلى فصل أكثر ظلامًا في تاريخها الحديث.

مأساة إنسانية

بعد 3 سنوات من الحرب، بلغ السودان مستوى غير مسبوق من التدهور الإنساني، وباتت ملامح الكارثة أكثر قتامة واتساعًا عامًا بعد آخر، فلم تعد الأزمة تُختزل في كونها مواجهة مسلحة بين الجيش وميليشيا الدعم السريع، بل تحولت إلى انهيار شامل يضرب مقومات الحياة الأساسية كافة؛ من الغذاء والصحة إلى التعليم والقدرة على الإغاثة، في ظل أرقام صادمة تعكس اتساع دائرة النزوح، وتفاقم الفقر، وانسداد الأفق أمام ملايين السودانيين.

وتكشف المؤشرات الإنسانية حجم المأساة التي يرزح تحتها البلد؛ إذ تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن 33.7 مليون شخص سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال عام 2026، فيما تذهب تقديرات أخرى إلى أن نحو 75% من السكان باتوا في حاجة إلى العون.

وفي موازاة ذلك، يواجه 61.7% من السكان، أي ما يقرب من 28.9 مليون شخص، انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، في وقت بات فيه ملايين السودانيين يعيشون على وجبة واحدة يوميًا، في مشهد يلخص عمق الانهيار الذي أصاب البلاد.

ويظل الأطفال هم الضحية الأكثر قسوة في هذه الحرب؛ إذ تتوقع اليونيسف أن يعاني 4.2 ملايين طفل من سوء تغذية حاد خلال العام الجاري، من بينهم أكثر من 825 ألف طفل يواجهون سوء تغذية حادًا وخيمًا،  وإلى جانب ذلك، هناك 17.3 مليون طفل بحاجة إلى مساعدات إنسانية، بينما يقبع 8 ملايين طفل خارج المدرسة، مع تعطل أو خروج نحو نصف المباني المدرسية عن أداء وظيفتها التعليمية، بما يعكس كيف امتدت آثار الحرب إلى حاضر الأجيال المقبلة ومستقبلها معًا.

وزاد من تفاقم هذه المأساة الانهيار الواسع في البنية التحتية وتدمير أجزاء كبيرة منها، ولا سيما في القطاع الصحي والمرافق العامة، وهو ما فاقم بدوره من حدة النزوح ووسع من نطاق المعاناة،  وتقدّر منظمة الصحة العالمية عدد من أُجبروا على النزوح بنحو 11.5 مليون شخص، بينهم 7.2 ملايين نازح جديد منذ اندلاع الحرب، ليصبح السودان بذلك واحدًا من أكبر وأخطر أزمات النزوح في العالم اليوم.

انهيار اقتصادي

ألحقت الحرب بالاقتصاد السوداني ضربات مدمرة أفقدته جانبًا كبيرًا من قدرته على التماسك، واستنزفت موارده، وعرّضته لهشاشة شديدة أمام أي صدمة جديدة، بما انعكس مباشرة على مستويات المعيشة واتساع رقعة الفقر، وهو ما أدى إلى ارتفاع معدلات الفقر بصورة غير مسبوقة حيث تجاوزت حاجز 60%، مع توقعات مرشحة لمزيد من الارتفاع خلال السنوات المقبلة إذا استمر النزاع واستمرت معه حالة الشلل الاقتصادي والانكشاف المالي.

وفي هذا السياق، حذر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن استمرار الحرب في السودان حتى عام 2030 قد يدفع الاقتصاد الوطني إلى التراجع لعقود إلى الوراء، في مشهد تتشابك فيه خسائر الإنتاج والدخل مع انهيار الخدمات الأساسية، واتساع أزمات النزوح والجوع، بما يجعل التداعيات الاقتصادية جزءًا لا ينفصل عن الانهيار الإنساني الشامل الذي تعيشه البلاد.

وتكشف الأرقام حجم الكلفة الباهظة التي تكبدها السودان؛ إذ خسر ما يقدر بنحو 6.4 مليارات دولار من ناتجه المحلي الإجمالي خلال عام 2023 وحده، فيما انزلق نحو 7 ملايين شخص إضافي إلى دائرة الفقر المدقع في غضون عام واحد، وفي الوقت نفسه، انكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 12%، بالتوازي مع تضخم قياسي بلغ نحو 170% في عام 2024، بينما ارتفع الدين العام إلى ما يقارب 148% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية العام ذاته، وفق تقرير مشترك لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومعهد الدراسات الأمنية في جنوب أفريقيا.

ولا تقف تداعيات الحرب عند حدود تقويض النمو الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى استنزاف قدرة الأسر على الإنفاق، وتعميق اختلالات السوق والعمل والإنتاج، وتضييق هامش الدولة إلى أقصى حد في تمويل أي استجابة اقتصادية أو اجتماعية، مما يهدد بإدخال البلاد في دورة طويلة من التآكل الاقتصادي والاجتماعي يصعب الخروج منها في المدى المنظور

صمت دولي وتجاهل إعلامي

تتواصل المأساة السودانية وسط صمت دولي يثير كثيرًا من التساؤلات، إذ بدا المجتمع الدولي، على امتداد 3 سنوات كاملة من الحرب، أقرب إلى موقع المتفرج منه إلى موقع الفاعل الجاد في احتواء الأزمة أو الدفع نحو تسوية حقيقية تنهي هذا النزيف.

واقتصر الحضور الدولي، في أغلب الأحيان، على بيانات الإدانة والمناشدات الدبلوماسية والتحذيرات اللفظية، من دون أن يترجم ذلك إلى خطوات عملية مؤثرة على الأرض يمكن أن تسهم في وقف الحرب أو التخفيف من كلفتها الإنسانية الباهظة.

وزاد من تعقيد المشهد أن التقارير والأدلة التي قدمتها الحكومة السودانية بشأن تورط بعض القوى في دعم الفصائل الميليشياوية وارتكاب انتهاكات جسيمة داخل السودان، لم تقابل بتحرك حاسم أو بمراجعة جدية لطبيعة الأدوار المنوطة بهذه الأطراف.

بل إن المفارقة الأكثر إثارة للقلق تمثلت في الإبقاء على بعض القوى المتهمة ضمن الأطر واللجان التي يفترض بها البحث في سبل التهدئة وإنهاء الحرب، وهو تناقض يكشف، في نظر كثيرين، عن غياب إرادة دولية حقيقية لوضع حد لهذه المأساة، أو على الأقل عن قصور عميق في مقاربة الأزمة وأدوات التعامل معها.

ولا تنفصل هذه الحالة من اللامبالاة السياسية عن التجاهل الإعلامي المتزايد الذي تعانيه الساحة السودانية، في وقت استحوذت فيه صراعات أخرى على القدر الأكبر من الاهتمام الدولي والتغطية الإعلامية، فمنذ اندلاع حرب غزة، ثم اتساع الاهتمام بالحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، تراجع السودان إلى الهامش، وانسحبت الأضواء تدريجيًا عن واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية قسوة في المنطقة، ليُترك السودانيون في مواجهة مصيرهم وحدهم، بعيدًا عن المتابعة الواجبة والاهتمام الذي يوازي حجم مأساتهم.

ورغم سيل التقارير الصادرة عن منظمات حقوقية، أممية ومستقلة،  بشأن حجم الكارثة الإنسانية والانتهاكات الجارية في السودان، فإن كل ذلك لم ينجح حتى الآن في تحريك ضمير عالمي بالقدر الكافي،  ويبدو أن السبب لا يرتبط فقط بضعف التفاعل الإنساني، بل أيضًا بمحدودية تقاطع الأزمة السودانية مع أولويات ومصالح القوى الدولية الكبرى، وهو ما يسلط الضوء على ازدواجية فاضحة في التعاطي مع المآسي الإنسانية، حيث تتقدم الحسابات السياسية والمصلحية على ما عداها، في مشهد يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وسياسية ثقيلة لا يمكن تبريرها بسهولة.

مؤتمر برلين.. نافذة للأمل؟

رغم حالة الإحباط التي تهيمن على المشهد السوداني، في ظل غياب أي مؤشرات واضحة على انفراجة قريبة تضع حدًا لهذه المأساة، لا يزال هناك من يراهن على الجهود الدولية لإحداث اختراق، ولو محدود، في هذا الملف بالغ التعقيد، ويأتي هذا الرهان بالتزامن مع انعقاد المؤتمر الدولي حول السودان في العاصمة الألمانية برلين، بالتوازي مع الذكرى الثالثة لاندلاع الحرب، في محاولة جديدة لإعادة تحريك ملف بدا وكأنه عالق في دائرة الجمود والاستنزاف المفتوح.

ورغم أن مؤتمر برلين لا يمثل المحاولة الدولية الأولى من نوعها لبحث سبل إنهاء الحرب في السودان، إذ سبقته محطتان بارزتان؛ الأولى في باريس عام 2024، والثانية في لندن عام 2025، فإن هناك من ينظر إليه باعتباره مختلفًا نسبيًا عن سابقيه، ليس بالضرورة من حيث جوهر الطرح، وإنما من زاوية اتساع مستوى الحشد الدولي والانخراط السياسي المحيط به، بما قد يمنحه مساحة أوسع للتأثير، ولو على مستوى إعادة ترتيب الأولويات الإنسانية والسياسية المرتبطة بالأزمة.

ومن المنتظر أن يضم المؤتمر مختلف الأطراف التي سبق أن انخرطت في مبادرات معالجة الأزمة السودانية، بدءًا من الرباعية الدولية، مرورًا بالمنظمات الدولية والكيانات الإقليمية، وصولًا إلى الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي ومنظمة “إيغاد” وجامعة الدول العربية، في إطار مسعى يركز بالأساس على حشد التمويل الدولي، وتحسين آليات إيصال المساعدات الإنسانية، والتخفيف من الكلفة الكارثية التي أفرزتها الحرب على المدنيين.

ومع ذلك، فإن هذا التفاؤل النسبي الذي يبديه البعض إزاء مؤتمر برلين يبقى محفوفًا بكثير من التحفظات، لا سيما في ظل الإصرار المستمر على تجاهل جذور الأزمة الحقيقية، وتجاوز الشكوك والاعتراضات التي طرحتها الحكومة السودانية بشأن طبيعة الأدوار الإقليمية والدولية المحيطة بالحرب.

فالإبقاء على منافذ تغذية الصراع مفتوحة، عبر أشكال الدعم العسكري واللوجستي المقدمة للفصائل المسلحة، يعني عمليًا أن أي مؤتمر، مهما اتسع حضوره، سيظل عاجزًا عن إحداث تحول جوهري في مسار الأزمة، ليدخل السودان عامه الرابع من الحرب من دون أفق سياسي واضح، ومن دون تصور مكتمل لإنهاء النزاع، بل ومن دون اتفاق حقيقي حتى على تشخيص أصل المشكلة التي أوصلت البلاد إلى هذا المستوى من الانهيار.

علاماتأزمات السودان ، الحرب في السودان ، الشأن السوداني
مواضيعالاقتصاد السوداني ، الحرب في السودان ، الشأن السوداني

قد يعجبك ايضا

سياسة

ذراع الموساد في المحاكم الدولية.. ما قصة “شورات هادين”؟

نون إنسايت١٦ أبريل ٢٠٢٦
سياسة

إليك خريطة السيطرة.. كيف أصبح السودان بعد 3 سنوات من الحرب؟

نون إنسايت١٦ أبريل ٢٠٢٦
سياسة

إلى أي مدى استنزفت حرب إيران مخزون الصواريخ الأمريكية؟

غاريت غراف١٦ أبريل ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑