في إحدى حلقات بودكاست “محفوف”، قال حسن أحمديان، المحاضر في دراسات الشرق الأوسط بجامعة طهران، إن إيران حين استهدفت قاعدة العديد الأمريكية في قطر خلال حرب الأيام الـ12 عام 2025، كانت تفصل في تصورها بين القاعدة والدوحة نفسها.
وفقًا لهذه الصورة، فالقاعدة أمريكية، وإيران لم تضرب الدوحة بل ضربت جزءًا تتمركز فيه القوات الأمريكية، ليتضح لاحقًا أن قراءة الصورة لم تكن دقيقة، وأن قطر انزعجت وشجبت واعتبرت ذلك اعتداءً، ليُحاول الإيرانيون لاحقًا ترميم العلاقة، رغم إعلانهم سابقًا، لقطر وغير قطر، “إذا استُهدفنا من قبل قاعدة فسنرد عليها”.
بعد عدة أشهر، وفي التاسع من سبتمبر 2025 نفذت “إسرائيل” ضربة في عمق قطر، مستهدفة مركز ضيافتها لقيادات حركة حماس، الذين اجتمعوا لمناقشة مقترحٍ لوقف إطلاق النار في غزة، ما أثار غضبًا عربيًا وخليجيًا واسعًا معتبرًا الضربة انتهاكًا لسيادة قطر.
أما اليوم، وردًا على العدوان “الإسرائيلي”-الأمريكي على إيران، قصفت إيران قواعد أمريكية مختلفة في الخليج العربي، واهتزت ضفاف وصحاري كل من قطر والسعودية والكويت والبحرين والإمارات، إضافة للأردن والعراق، وهي الخطوة المباغتة التي لطالما توعدت إيران باللجوء لها في حال شن هجومٍ على أراضيها، معلنةً أنها ستكون “حربًا إقليمية”.
بين حزيران/يونيو، وسبتمبر، واليوم، تتبلور مفاهيم خليجية جديدة للأمن والسيادة والعدو والتهديد، وتنقلب معادلات لن تهدأ إلا عندما تُسفر هذه الحرب عن نهايتها، بينما يتسنى تحقيق ذلك، نسعى في هذه المادة لتسليط الضوء على تغيرات المفاهيم الأمنية في دول الخليج العربي، ما بين الهجوم الإسرائيلي الأول على إيران، وهجومها الأخير، متلمسين موقع الاعتداءات “الإسرائيلية” والهيمنة المتصاعدة إقليميًا في التأثير على هذه المفاهيم، وارتباط ذلك بالحراك الدبلوماسي الأخير لدول الخليج، في واشنطن، لتعطيل اندلاع الحرب أو إحباطها.
إيران العدو أولًا وأخيرًا
منذ الاحتلال الأمريكي للعراق 2003، بدا أن التهديدات الخارجية لدول الخليج العربي قد انتهت، خاصة وأن العراق قيادة ومنظومة استعدى لفترات طويلة العديد من أنظمة الخليج العربي، لاسيما إبان اجتياح الكويت مطلع التسعينيات، وبالتزامن مع تصاعد النفوذ الإيراني في العراق، وتمظهره في جماعات دون دولاتية خلال الربيع العربي في كلٍ من اليمن وسوريا ولبنان، وهكذا ظهر في الساحة عدوٌ جديد.
لكن القدرة العسكرية المتفوقة لهذا العدو، مقارنة بدول الخليج العربي، كانت مكبوحة بمظلة عسكرية أمريكية بقيادة الولايات المتحدة، ووجودٍ واسع للقواعد الأمريكية الضخمة، من العديد في قطر، وحتى الأسطول الخامس في البحرين، مرورًا بقاعدة السالم في الكويت، والظفرة في الإمارات، وقاعدة الأمير سلطان في السعودية، ما وفّر نوعًا من الردع غير المباشر، وإحساسًا زائفًا بأنها تمثل خط الدفاع الأول عن الخليج وأنظمته ومصالحه.
ورغم أن مفهوم الردع غير المباشر لم يتحقق بشكلٍ كاف، نتيجة لتصدر الجماعات الموالية لطهران، مشهد المناوشات مع الدول الخليجية، وبوقوع عددٍ من الدول الخليجية تحت ضربات هذه الجماعات مثل ضربات الحوثيين لميناء جبل علي في الإمارات، وضرباتهم لأرامكو في السعودية، إلا أن الفكر الاستراتيجي الخليجي برر تلكؤ وتجاهل الحماية الأمريكية لأمنهم باعتباره مستهدفًا من قبل جماعات وليس من قبل دولٍ ذات سيادة.
استمر ذلك حتى حرب يونيو 2025، بين “إسرائيل” وإيران، حين اقتربت حرارة حرب الإبادة في قطاع غزة وجنوب لبنان والجنوب السوري وشرق الأردن من المنطقة الخليجية، وانتظمت القواعد الأمريكية والأنظمة الخليجية في حماية الأمن “الإسرائيلي” بتقديمها معلومات استخبارية مسبقة، وتصديها للصواريخ الإيرانية، ما مثّل نجاحًا لمنظومة القيادة الأمريكية المركزية في الشرق الأوسط “سنتكوم” وتأكيدًا على أن التنسيق مع الدول الخليجية قادر على أن يرفع مستوى الأمن “الإسرائيلي”.
لكن ذلك لم يدم طويلًا، خاصة مع تهديدات إيرانية باستهداف كل من يقف في مواجهتها، إلى جانب “إسرائيل”، ورغم أن التهديدات لم تُنفذ، لكن أن الدخول المباشر للولايات المتحدة على خط الحرب، واستهدافها لمنشأة فوردو لتخصيب اليورانيوم، وضع إيران في موقفٍ يُلزمها بالرد عبر استهداف الولايات المتحدة، أو إحدى قواعدها.
ونتيجة لحجم قاعدة العديد، وتمركز القيادة المركزية الأمريكية سنتكوم فيها، توجهت إيران لضرب القاعدة مستبقة ذلك بتحذير غير رسمي، -أكده ترامب حين تبجح بأن الإيرانيين أبلغوهم عبر قطر بالضربة- لتُظهر أن الهدف هو الردع وإظهار القدرة الإيرانية وليس التصعيد أو إشعال حربٍ إقليمية، وهكذا، كانت الضربة، رمزية محدودة وأبقت الخليج خارج الحرب نسبيًا.
لكن المفصل الحقيقي الذي غيّر الاستراتيجية الخليجية فعليًا كان الضربة “الإسرائيلية” لقطر، خلال سبتمبر/أيلول 2025، مستهدفة قيادات حماس بشكلٍ مباغت ومفاجئ ومتجاوزٍ لأعراف الوساطة والدبلوماسية، منسقٍ مع الولايات المتحدة، ومتجاهلٍ لسيادة قطر ودورها الدبلوماسي والتفاوضي.
ليس ذلك فحسب، بل إن تموقع قطر وتواصلاتها الدبلوماسية المكثفة مع الوفود التضامنية الإسرائيلية، وانفتاحها على المقترحات المتعددة، واقترابها من سياسة الولايات المتحدة في ضغطها على الوفد التفاوضي الفلسطيني، أيقظ الإشارات الحمراء في فكر الأنظمة الخليجية، إلى أن الاستهداف “الإسرائيلي” لا يعرف وساطة ولا سيادة.
فقبل هذه الحادثة كانت دول الخليج تعتقد أن أراضيها لا يمكن أن تكون ساحة عمليات مباشرة “لإسرائيل”، وأن مستوى علاقاتها وتحالفاتها مع الولايات المتحدة تؤمن لها حماية من التغول “الإسرائيلي”، لا يمكن أن تتاح للبنان أو سوريا أو الأردن أو العراق أو مصر.
وهكذا تحولت نتائج الضربة التي أرادت “إسرائيل” من خلالها إيصال رسالة أنها ستلاحق قادة حماس في أي مكان في العالم وليس فقط داخل غزة، إلى استهدافٍ شامل لأمن الخليج، وتشكيك خليجي بالحماية الأمريكي، واعتباره اعتداءً لا يمكن تجاهله، بل يمكن تكرره بتبريرات مختلفة.
حينها أصبحت “إسرائيل” مدرجة أيضًا ضمن قائمة التهديدات الإقليمية لأمن الخليج العربي، وانطلقت دول عدة، مثل؛ قطر وعمان والسعودية تبحث في مسارات دبلوماسية وسياسية مختلفة، بعيدًا عن المسار الإبراهيمي الإماراتي الإسرائيلي، خاصة في ظل خطابٍ يميني “إسرائيلي” ومن ثم أمريكي، يجاهر بـ”إسرائيل الكبرى” ولا يرى مانعًا من توسعها على حساب دولٍ خليجية وعربية أخرى.
وفقًا لـ ماتي زالاي الباحث في وحدة أبحاث النزاعات بمعهد كلينغندايل، والمتخصص في العلاقات الدولية والأنظمة السياسية والاقتصادية المحلية لمنطقة الخليج العربي، فإن الضربة “الإسرائيلية”، أثارت شكوك الدول الخليجية حول مصداقية الولايات المتحدة كضامن أمني وعززت النظرة إلى إسرائيل كتهديد مباشر لأمنها، ما تسبب في دفع المملكة العربية السعودية إلى الابتعاد أكثر عن التطبيع، وتنويع علاقاتها الأمنية بعيدًا عن الولايات المتحدة و”إسرائيل”.
بينما اعتبر مروان المعشر، نائب رئيس الوزراء الأردني السابق، ونائب رئيس وحدة الأبحاث في مركز كارنيغي أن “الضربة العسكرية الإسرائيلية ضد قطر – حليفة الولايات المتحدة التي تمتلك أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة -، قد قوضت فكرة اعتماد دول الخليج على أمريكا لحماية أراضيها، كما أظهرت الولايات المتحدة بمظهر الضعيفة، العاجزة عن منع حليف (إسرائيل) من ضرب حليف آخر (قطر)”.
حرب 2026: لا أمن ولا ردع
منذ انتهاء حرب 2025، وبُعيد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، تصاعد الخطاب الإسرائيلي المحفز لضربة أخرى على إيران، تُنهي ما بدأته الضربة الأولى، وتزيل من الشرق الأوسط كل أدوات العداء للمشروع التوسعي الاستيطاني “الإسرائيلي”.
هذه المرة كان الخطاب أمريكيا اسرائيليًا، وجاء بعد مراحل عسكرية حاسمة قوضت “حزب الله” في لبنان، وحماس في غزة بدرجة كبيرة، بينما تركت الدول العربية المحيطة رهنًا للمزاج التوسعي “الإسرائيلي”، ونتيجة علو كعب الخطاب وتحديده النظام الإيراني هدفًا له، ومن واقع الخبرة العربية “الخليجية تحديدًا” في الفوضى الناشئة عن المحاولات الخارجية لتغيير الأنظمة، سارعت دول عربية إلى الولايات المتحدة لمحاولة تخفيف حدة الخطاب، أو توجيه نتائجه دبلوماسيًا.
فكانت السعودية وقطر وعُمان على رأس الدول التي دعت الإدارة الأمريكية للتفاوض مع الإيرانيين، بل وضغطت على إيران لتجنيب المنطقة حربًا، لا تُحمد عقباها، بينما كان اللوبي الصهيوني قد حدد بوصلته منذ أسابيع عدة.
وفقًا للباحثة شيماء عبد النبي، فإن هذا التوجه الخليجي، الاستثنائي وفق طبع الخليج، يعكس إدراكًا مستجدًا للطبيعة الإسرائيلية وانعدام كوابحها، وصعوبة التنبؤ بما يلي الحرب على إيران، التي يُراد لها “اسرائيليًا” أن تأتي بحليف للكيان، ليمثل من ناحية أخرى كماشة حول عنق الدول العربية، إلى جانب الإمارات وأرض الصومال وجنوب السودان.
يؤكد ذلك أيضًا تغير في استراتيجيات الأمن الخليجي الإقليمي، وإعادة تعريف لمصدر التهديد، وحاجة لتعزيز فكرة التنسيق الأمني والاستخباراتي بين أعضائها، وتسريع مشاريع الدفاع المشترك، ودمج أنظمة الإنذار المبكر وحماية البنى التحتية للطاقة وأنظمة الدفاع الجوي، بل وتغير مفاهيم الأمن الناشئ عن الوساطة، وخاصة في قطر وعُمان، بعد الإخلاف الأمريكي في ضربة يونيو 2025، والإخلاف الإسرائيلي في ضربة سبتمبر 2025.
وهكذا أصبح الأمن الخليجي يعتمد على ثلاثة دوائر؛ الأمن الوطني لكل دولة، الأمن الجماعي داخل مجلس التعاون، والشراكات والتحالفات الدولية، وهي الدائرة الأضعف، لذا تم تعزيزها بتقديم الوساطة والحلول السلمية كفعلٍ جماعي خليجي يستبق الحروب، ويسعى لكبحها.
فعليًا لم ينجح ذلك، وما كان له أن ينجح، لأن “إسرائيل” أرادت حربًا على إيران وسعت لها، متجاهلة أي تأثيرات سلبية على الخليج العربي، ومنطلقة من مصالح خاصة لها، تجد في ضعف الجميع قوة لها، ما دامت الولايات المتحدة بعيدة عن النار جغرافيًا، فسيبقى الممول العسكري قادرًا على رفع “إسرائيل” من الأتون، بينما تغرق المنطقة العربية فيه.
وهكذا، جُرت المنطقة العربية إلى حربٍ أخرى، وبعد سلسلة تهديدات إيرانية، علا صوتها هذه المرة تحسبًا كما في الضربة الإيرانية لقاعدة العديد، ردت إيران بضرب 14 قاعدة أمريكية في المنطقة العربية.
فاستُهدف الخليج لأول مرة في تاريخه وبشكلٍ متزامن، العديد في قطر، الظفرة في الإمارات، السالم في الكويت، الأسطول الخامس في البحرين، القاعدة الأمريكية في العراق، إضافة لأربيل والأردن، كما سُمعت انفجارات في عدة مدن خليجية وأُغلقت مجالات جوية في المنطقة.
هذه المرة، ضربات واسعة، أهداف مباشرة، ومستوى تصعيد مرتفع، واحتمالات واسعة للانزلاق إلى حربٍ إقليمية تجعل الخليج العربي ساحة حربٍ محتملة، تحول أمن الخليج هنا، وانتهى مفهوم “المنطقة الآمنة”، ليغدو منطقة رد فعلٍ سريعة الاشتعال في أي صراعٍ بين إيران وأمريكا و”إسرائيل”.
كما تحولت القواعد الأمريكية التي كانت تحمي دول الخليج، إلى قنابل موقوتة خطرة على أمنها وسيادتها وسلامة سكانها، خاصة وأن اعتماد إيران على الصواريخ والمسيرات أثبت نجاعته سابقًا وأثبت صعوبة التصدي الكامل.
وفقًا لذلك، فهناك ثلاثة سيناريوهات تحيط بأمن الخليج، -رغم أن الحرب في بدايتها ومن المبكر التكهن- أولًا: اندفاع دول الخليج إلى سباق تسلحٍ جوي وصاروخي خاصٍ بكل دولة للدفاع عن نفسها، وثانيًا: تخفيف علاقاتها بالولايات المتحدة وتقليص القواعد العسكرية، بالتوازي مع علاقات أرحب مع الصين وروسيا، ودفء مع إيران، يحميها من الاستهداف مستقبلًا -التجربة أثبتت أن الدفء شيء والاستهداف شيء آخر- وأخيرًا، إعادة إحياء فكرة الأمن الخليجي الجماعي، الخليجي الكامل الذي يعتبر إيران جزءً منه، وذاك خياليٌ حاليًا.
أموال السعودية ونووي باكستان ودفاعات تركيا.. حلف إسلامي مرتقب؟
عمومًا، خلال الساعات الأخيرة نقلت وسائل الإعلام أنباءً عن مشاورات في السعودية بخصوص “حق الرد”، واتصالات قطرية سعودية، وإدانة أردنية ومصرية وكويتية لـ”الاعتداء الإيراني”، غير أن أي تحركٍ خليجي مستقلٍ وعسكري يبقى غير محتمل، بالنظر لتخوف هذه الدول نفسها من اتساع وإطالة أمد الحرب، وتأثيرها على اقتصاديات الطاقة والسياحة والاستثمار على أراضيها.
كما أن أي تحركٍ خليجي، محكوم بقوة النيران الأمريكية ومن ثم المصالح “الإسرائيلية”، فالخليج الذي اعتمد في وجوده على الغرب (بريطانيا وأمريكا) لسنواتٍ طويلة، لا يمكن أن يقرر في لحظة مجازفة أن يلقي بنفسه في النار، دون مشورة على الأقل.
قُصارى القول، تبيت المنطقة العربية اليوم على صفيح ساخن بانتظار ما ستؤول له الحرب “الإسرائيلية -الإيرانية”، والانتظار هو أفضل ما تجيده شعوب المنطقة وأنظمتها، وأما أمنها، فإن غدًا لناظره قريب، فربما تهوي “إسرائيل” وربما تهوي “إيران” وربما نهوي جميعًا، وحتى ذلك الحين، يُدار الأمن العربي، وليس الخليجي فقط، وفق سياسة “يفتح الله”.