تجمع الشبان الأردنيون في الرابية قرب السفارة الإسرائيلية في عمان، وأمام السفارة الامريكية في عبدون، وفي شوارع وسط البلد، وعلى امتداد المحافظات، مرددين هتافًا لم يخفت صداه منذ أكثر من اثني عشر عامًا: “من الجنوب للشمال غاز العدو احتلال”. هتاف تحول إلى عنوان لاحتجاجات متجددة، ظل حاضرًا في الشارع وغائبًا عن آذان الحكومات المتعاقبة، حتى بعد أن أعادت إسرائيل قطع إمدادات الغاز عن الأردن للمرة الثانية خلال أقل من عام، في أعقاب العدوان الأمريكي الاسرائيلي على إيران مطلع هذا الشهر.
عام 2014 وقعت عمان خطاب نوايا لاستيراد الغاز من إسرائيل، ثم أبرم الاتفاق الرسمي عام 2016، وبدأ ضخ الغاز عام 2020. واليوم، يغطي الغاز الإسرائيلي أكثر من 50% من احتياجات الأردن، وتشير التقارير إلى تزايد الكمية الموردة باستمرار. وقد بلغ حجم التوريد السنوي حوالي 3 مليارات متر مكعب في السنوات الأخيرة، ما يمثل تحولًا اقتصاديًا هائلًا للبلاد، بعد أن كان استهلاكها معدومًا قبل عام 2019.
وتاريخيًا، اعتمد الأردن على الدول العربية المجاورة في الحصول على النفط والغاز؛ فمنذ ستينيات القرن الماضي وحتى ثمانينياته، كانت الإمدادات تأتي في معظمها من السعودية ودول الخليج الأخرى. وبعد حرب الخليج الأولى عام 1990، تحول الاعتماد إلى العراق حتى الغزو الأمريكي عام 2003، ثم اتجهت الأردن إلى مصر، إلا أن الاضطرابات التي أعقبت ثورة 2011 أدت إلى انقطاع الإمدادات. وللتعويض عن ذلك، استوردت الأردن النفط الخام من السوق العالمية بتكلفة باهظة، مما أدى إلى عجز كبير في الشركة الوطنية للكهرباء نيبكو – وهي شركة حكومية -.
وفي عام 2016، وقعت شركة نيبكو الاتفاقية، ويستخرج هذا الغاز من حقل ليفياثان للغاز في البحر الأبيض المتوسط، الذي تديره شركة شيفرون الأمريكية العملاقة للنفط وتخضع لسيطرة إسرائيل.
وعقب العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، أعلن الاحتلال قطع إمدادات الغاز عن الأردن من دون سابق إنذار، وصرح وزير الطاقة والثروة المعدنية صالح الخرابشة بأن الأحداث الإقليمية الأخيرة أدت إلى انقطاع تزويد المملكة من الغاز الطبيعي الوارد من حقول البحر الأبيض المتوسط، والمستخدم في إنتاج الطاقة الكهربائية، وتم البدء بتنفيذ خطة الطوارئ المعتمدة، إذ جرى الانتقال إلى استخدام بدائل الطاقة المختلفة، منها الغاز الطبيعي من خلال الباخرة العائمة، أو استخدام الديزل أو الوقود الثقيل.
وقالت وزارة الطاقة الإسرائيلية، أواخر شباط، إن إسرائيل أوقفت صادرات الغاز الطبيعي بعد تقليص الإنتاج وسط هجمات صاروخية من إيران، وأوضح المتحدث باسمها في تصريحات صحفية أنه “بسبب الوضع الأمني، تم تعليق تشغيل بعض حقول الغاز الطبيعي مؤقتا، الأمر الذي أدى، من بين أمور أخرى، إلى تعليق مؤقت للصادرات في هذه المرحلة”.
View this post on Instagram
لماذا لم يلغ الأردن الاتفاقية؟
نشرت الحملة الوطنية الأردنية لإسقاط اتفاقية الغاز مع الكيان الصهيوني – والتي بدأت نشاطاتها منذ 12 عامًا – بيانًا قالت فيه إن الفرصة مواتية لإلغاء الأردن للاتفاقية، مستندة إلى “عدم التزام الجهة المتعاقدة بالتزاماتها التعاقدية، وقطع التزويد في ظرف حاسم وطارئ، ما يمكن أصحاب القرار من الإلغاء الفوري لهذه الاتفاقيات، والتحول المباشر إلى الاستثمار في مصادر طاقتنا السيادية”.
وشدد البيان على أنه لم يبق أي عذر على الإطلاق للإبقاء على اتفاقيات الغاز “الكارثية” مع العدو، مؤكدًا أنها اتفاقية يجب أن تلغى فورًا ودون تأخير.
في المقابل، تبرر الحكومة عدم الإلغاء بأن الأردن يعتمد بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي لتشغيل محطات الكهرباء، كما أن حوالي 97% من احتياجات الطاقة في الأردن تعتمد على الاستيراد، ما يجعل أي إلغاء مفاجئ للاتفاقية يحمل مخاطر على أمن الطاقة في البلاد. كما تشير إلى أن الاتفاقية أسهمت في خفض كلفة إنتاج الكهرباء، إذ تفيد تقديرات شركة الكهرباء الوطنية بأن الغاز المستورد يمكن أن يوفر نحو 600 مليون دولار سنويًا مقارنة بالوقود الثقيل والديزل المستخدمين لتوليد الكهرباء.
يرى مستشار الطاقة والبترول والثروات الطبيعية، مبارك الطهراوي، أن إسرائيل أوقفت التزويد دون إعلان رسمي لحالة القوة القاهرة، وهو ما قد يشكل خرقًا لشروط العقد إذا استمر دون مبرر قانوني واضح، مقدرًا أن كلفة الانقطاع قد تصل إلى نحو مليون ونصف المليون دولار يوميًا، نتيجة اضطرار الأردن إلى تشغيل محطات الكهرباء باستخدام وقود بديل أعلى تكلفة.
ويشير، عبر حسابه على “فيسبوك”، إلى أن القانون التجاري الدولي يتيح للأردن عدة مسارات للتعامل مع هذا الوضع، أبرزها المطالبة بالتنفيذ العيني، أي إلزام الطرف المورد باستئناف ضخ الغاز والالتزام بالكميات المتفق عليها، أو المطالبة بتعويضات مالية عن الأضرار المباشرة، مثل كلفة تشغيل محطات الكهرباء بالديزل أو الفيول الثقيل، إضافة إلى الأضرار غير المباشرة المرتبطة بزيادة عجز شركة الكهرباء الوطنية.
وهناك خيار إمكانية إنهاء العقد في حال ثبت وجود إخلال جوهري بالاتفاقية، خاصة إذا لم يتم إعلان القوة القاهرة وفق الأصول القانونية، بحسب الطهراوي الذي يشرح أن العقود الدولية للطاقة تتضمن عادة بنودًا معقدة تتعلق بالقوة القاهرة وحسن النية في تنفيذ العقود، ما قد يتيح للأردن الطعن في أي استخدام انتقائي لهذه البنود.
ما الخيارات المتاحة أمام الأردن؟
لا تنقطع البدائل عن الأردن في حال انقطاع الغاز؛ إذ يمكن له استخدام محطة الغاز الطبيعي المسال في العقبة لاستيراد الغاز من الأسواق العالمية في حال توقف الإمدادات عبر الأنابيب، كما طرحت الحكومة سابقًا خيار وجود اتصالات مع دول خليجية لتوفير الغاز في حال حدوث انقطاع طويل للإمدادات.
وفي البيان السابق، أشارت الحملة إلى مزيد من البدائل، مثل الاستثمار في مصادر الطاقة السيادية، وتحويل المليارات لصالح مشروع غاز الريشة، والصخر الزيتي، والطاقة المتجددة، والهيدروجين الأخضر. وإلى حين إتمام خطة الاعتماد الكامل على الذات، يمكن استخدام باخرة التغويز العائمة وميناء الغاز المسال في العقبة لاستيراد الغاز المسال من المصادر العالمية.
وبإمكان الأردن أن يتبنى مسارًا أكثر استقلالية، فقد اكتشفت البلاد احتياطيات جديدة من الغاز الطبيعي أواخر عام 2024، ونظرًا لندرة موارد الوقود الأحفوري، يمتلك الأردن الإمكانات – وفرة ضوء الشمس لتوليد الكهرباء بالطاقة الشمسية والخبرة الفنية – لإنتاج المزيد من الطاقة المتجددة.
ويقول أمين سر الحملة محمد العبسي إن كل الاتفاقيات والمشاريع المبرمة مع العدو الصهيوني مرفوضة جملة وتفصيلًا، مضيفا أنها ليست المرة الأولى التي ينقطع فيها الغاز عن الأردن، غير أنه من المجحف أن نرمي بكل إمكانياتنا ونتكل في موضوع الغاز والأمن الطاقي على العدو الصهيوني.
ويتابع، خلال حديثه مع “نون بوست”، أنه من الضروري التخلص من الاتفاقية وعدم ربط الطاقة بالاحتلال، وأن ما ضخ من مليارات إزاء الاتفاقية كان ولا يزال متاحًا لتوفير مشاريع سيادية لتوليد الطاقة وإنتاجها.
وعن الحلول المطروحة، يوضح العبسي أن الأردن يمكنه الاستيراد من دول أخرى أو من السوق العالمي، وهي إحدى الحلول الكثيرة، بدلًا من الاعتماد على غاز الاحتلال.
أما الخبير في الطاقة والنفط عامر الشوبكي، فيرى أن الخيارات المتاحة محدودة، إذ يواجه استيراد النفط أو الغاز من دول مثل ليبيا أو الجزائر تحديات سياسية ولوجستية، إلى جانب توقعات بزيادة الضغط العالمي على مصادر الطاقة خارج الخليج في حال توسع نطاق الصراع، وأن استمرار الأزمة قد يضع أمن الطاقة في الأردن أمام أحد أصعب الاختبارات التي واجهها منذ عقود.
وصرح ممثل هيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن عبد السلام الزيود أن هناك مخزونًا كافيًا من المشتقات النفطية والغاز، مطمئنًا بوجود بواخر قادمة إلى المملكة محملة بالمشتقات النفطية والغاز.
ما هو تأثير انقطاع الغاز على الأردن؟
في الوقت الذي قد يترك فيه انقطاع إمدادات الغاز انعكاسات مباشرة على قطاع الطاقة في الأردن، تبرز تخوفات من ارتفاع كلفة إنتاج الكهرباء نتيجة اضطرار محطات التوليد إلى التحول لاستخدام الديزل أو الوقود الثقيل، وهما خياران أكثر كلفة من الغاز الطبيعي، ما يضع ضغطًا إضافيًا على البلاد.
ومع استمرار الانقطاع لفترة طويلة، قد تجد الحكومة نفسها مضطرة إلى الاقتراض لتغطية الفجوة المتزايدة في تكاليف الطاقة، في وقت قد تنعكس فيه هذه الزيادة على المستهلكين والقطاع الصناعي عبر ارتفاع أسعار الكهرباء.
ويؤكد الشوبكي أن الأردن يقف أمام وضع حرج للغاية، في ظل اعتماد شبه كامل على الاستيراد لتأمين احتياجاته من الطاقة، إذ تستورد المملكة كامل احتياجاتها من النفط ونحو 97% من الغاز الطبيعي.
ويشرح لـ”نون بوست” أنه مع تراجع إمدادات الغاز، تحول الضغط إلى وقود الديزل، الذي ارتفع الطلب عليه بشكل ملحوظ لتشغيل محطات توليد الكهرباء، إضافة إلى استخدامه من قبل شركات صناعية كبرى مثل شركة مناجم الفوسفات الأردنية وشركة البوتاس العربية بعد توقف الغاز.
ويقول الشوبكي إن هذا الطلب المتزايد دفع وزارة الطاقة إلى إصدار تعليمات تقضي بتقنين بيع الديزل لمحطات المحروقات، في مؤشر على دخول البلاد ما وصفه بـ “نفق أزمة طاقة” الذي قد يستمر مع استمرار التوترات في المنطقة.
ويحذر من تداعيات اقتصادية محتملة، لافتًا إلى أن استمرار الوضع الحالي قد يقود إلى ارتفاعات غير مسبوقة في أسعار البنزين والديزل خلال الأشهر المقبلة، ما لم تتدخل الحكومة لدعم الأسعار، وهو خيار يرى أنه سيشكل عبئا كبيرا على الموازنة العامة.
أما في قطاع الكهرباء، فيشير الخبير إلى أن المشكلة لا تقتصر على ارتفاع الكلفة التي قد تتضاعف عدة مرات نتيجة التحول من الغاز إلى الديزل، بل تمتد إلى احتمال حدوث انقطاعات في حال تأثرت إمدادات النفط القادمة من الخليج، خصوصًا من السعودية التي تعد أحد أبرز مصادر النفط للأردن. وبينما تغطي محطة العطارات للصخر الزيتي نحو 15% من احتياجات الكهرباء، وتساهم الطاقة الشمسية بإنتاج جزء من الكهرباء خلال ساعات النهار، يبقى القطاع الطاقي في المملكة عرضة لتقلبات الإمدادات الإقليمية.
“غاز العدو احتلال”.. حملة متصاعدة في #الأردن تطالب بإنهاء الاتفاقية مع الاحتلال بعد توقف الضخ، فهل تكون هذه الأزمة القشة التي تقطع أنبوب التطبيع؟ pic.twitter.com/UciWHOP6CO
— نون بوست (@NoonPost) June 23, 2025
ولفت رئيس لجنة الطاقة النيابية النائب أيمن أبو هنية إلى أن إنتاج الطاقة الكهربائية من المصادر الأخرى متوفر لكنه لا يزال محدودا، مثل مصادر الطاقة المتجددة التي تغطي نحو 27% من إنتاج الطاقة الكهربائية، والصخر الزيتي في مشروع العطارات بنسبة 17% من إنتاج الكهرباء، إضافة إلى الباخرة العائمة في ميناء العقبة، التي توفر الغاز المسال كل 15 يوما من مصر.
وقال، خلال تصريحات صحفية، إن خطة الطوارئ المعلنة فعالة حتى الآن، مشددًا على ضرورة ضمان عدم حدوث انقطاعات في التيار الكهربائي في البلاد، لافتًا إلى أن لجنة الطاقة النيابية قد دفعت مؤخرًا باتجاه الإسراع في إقرار مشروع قانون شراء الغاز لسنة 2025 في مجلس النواب، وذلك للتوسع في إجراءات الاعتماد الذاتي في مصادر الطاقة والاستثمار في الاكتشافات الجديدة.
فيما يشار إلى أن شركة الكهرباء الإسرائيلية (IEC) رفعت دعوى تحكيم أمام غرفة التجارة الدولية في باريس في ديسمبر 2015، بعد تفجيرات خط أنابيب الغاز في سيناء ووقف إمدادات الغاز المصري للاحتلال عام 2011.
وحكمت هيئة التحكيم لصالح الاحتلال، وألزمت الهيئات المصرية – هيئة البترول وشركة الغاز المصرية إيغاس – بدفع تعويضات تقدر بـ 1.76 مليار دولار لشركة الكهرباء الإسرائيلية.
لذا، يطرح السؤال نفسه: إذا كانت إسرائيل قادرة على مقاضاة مصر وملاحقتها في المحاكم الدولية، فلماذا لا تقوم الأردن بملاحقة إسرائيل بعد تكرر انقطاع الغاز عنها ونكثها بالاتفاقية؟ ومتى ستأخذ عمان خطوة بالاستماع لهتافات الشبان وإلغاء اتفاقية الغاز مع الاحتلال؟ أو هل ستطالب حتى بتعويضات عن هذا الانقطاع؟