بعد مرور سنوات على انهيار تنظيم “الدولة الإسلامية” عسكريًا في سوريا والعراق بعد السيطرة على أخر معاقله ببلدة الباغوز بريف محافظة دير الزور شرقي سوريا عام 2019، لا تزال آثار تلك المرحلة العنيفة تطارد آلاف العائلات المرتبطة بعناصره السابقين، ولا سيما النساء والأطفال الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة واقع اجتماعي وقانوني معقد.
وبين المخيمات المنتشرة في شمال وشمال شرقي سوريا وبعض المجتمعات المحلية التي عاد إليها جزء من تلك العائلات، تحولت صلة القرابة بعناصر التنظيم إلى وصمة ثقيلة تلاحقهم في تفاصيل حياتهم اليومية.
وفي حين تحاول بعض النساء إعادة بناء حياتهن بعد سنوات من الحرب والعيش في مناطق سيطرة التنظيم، يكبر جيل من الأطفال في ظروف استثنائية، يواجهون تحديات تتعلق بالهوية القانونية والتعليم والاندماج المجتمعي.
يطرح هذا الواقع أسئلة حساسة تتعلق بمستقبل هذه الشريحة، وبكيفية تحقيق التوازن بين محاسبة المسؤولين عن الجرائم التي ارتكبها التنظيم، وضمان عدم تحوّل النساء والأطفال إلى ضحايا دائمين لعواقب لا يتحملون مسؤوليتها المباشرة.
فرانس برس: معظم عائلات عناصر تنظيم “داعش” الأجانب غادرت مخيم الهول في سوريا pic.twitter.com/HNmLlLMe3d
— نون سوريا (@NoonPostSY) February 12, 2026
تقول منى المحمود، وهي زوجة سابقة لأحد عناصر تنظيم “الدولة الإسلامية”، إن السنوات التي أعقبت انهيار التنظيم كانت الأصعب في حياتها، ليس فقط بسبب الظروف المعيشية القاسية، بل أيضًا بسبب النظرة المجتمعية التي تلاحق عائلات عناصر التنظيم حتى اليوم، وأن كثيرًا من النساء اللواتي عشن تلك التجربة يجدن أنفسهن عالقات بين ماضٍ ثقيل ومستقبل غير واضح المعالم.
وتوضح المحمود، التي فقدت زوجها عندما قتل بغارة أمريكية عام 2018، أن حياتها تغيّرت بشكل كامل بعد سقوط التنظيم، إذ وجدت نفسها مسؤولة عن أطفالها في ظروف صعبة، وسط مخاوف دائمة من الوصمة الاجتماعية التي تطاردهم أينما ذهبوا.
وترى أن أبناء عناصر التنظيم وزوجاتهم يدفعون ثمنًا لا ذنب لهم فيه، لأن المجتمع غالبًا ما ينظر إليهم من خلال ماضي آبائهم، لا بوصفهم أطفالًا يحتاجون إلى فرصة جديدة في الحياة.
وتشير إلى أن إحدى أكبر المشكلات التي تواجههم تتعلق بالوثائق الرسمية والجنسية، إذ إن كثيرًا من الأطفال لا يملكون أوراقًا ثبوتية واضحة، ما يعرقل حصولهم على التعليم أو الخدمات الأساسية، وأن هذا الوضع يخلق شعورًا دائمًا بعدم الاستقرار والخوف من المستقبل.
وتضيف أن كثيرًا من النساء اللواتي كنّ زوجات لعناصر التنظيم يحاولن اليوم بدء حياة جديدة والابتعاد عن الماضي، إلا أن الطريق إلى الاندماج في المجتمع ليس سهلًا، بسبب الشكوك والاتهامات التي تلاحقهن باستمرار، مشيرة إلى أن بعض النساء كنّ ضحايا للظروف أو للضغط الذي مارسه التنظيم، ما يجعل إعادة دمجهن في المجتمع أمرًا يحتاج إلى دعم ومساندة.
وتختم بالقول إن كثيرًا من النساء اللواتي مررن بهذه التجربة يرغبن في طيّ صفحة الماضي والبدء من جديد، لكن تحقيق ذلك يحتاج إلى قبول مجتمعي حقيقي يمنحهن وأطفالهن فرصة للعيش بكرامة كأي أفراد آخرين في المجتمع.
مستقبل غامض تحكمه الإشكاليات
ترى الدكتورة حميدة الشيخ حسين، المختصة في النقد الاجتماعي الحديث، أن الأطفال المنحدرين من عائلات عناصر تنظيم “الدولة الإسلامية” يواجهون تحديات قانونية واجتماعية معقّدة، رغم أنهم لا يتحملون أي مسؤولية عمّا ارتكبه آباؤهم، وأن هؤلاء الأطفال يقفون اليوم أمام مستقبل غامض تحكمه إشكاليات الهوية والقبول المجتمعي.
وتشير الشيخ حسين إلى أن أولى المشكلات التي تواجه هؤلاء الأطفال تتعلق بمسألة الجنسية، إذ إن نسبة كبيرة منهم هم أبناء مقاتلين أجانب من جنسيات غير سورية، ما يخلق إشكالات قانونية مرتبطة بالحقوق المدنية وإثبات الهوية، وأن هذه المعضلة تزداد تعقيدًا في حالات الأطفال مجهولي النسب، الذين لا يُعرف آباؤهم أو لا تتوافر وثائق تثبت هويتهم.
وتوضح أن هذه الإشكالات القانونية تتداخل مع تعقيدات اجتماعية عميقة، خاصة في مجتمعات ذات بنية قبلية تعطي أهمية كبيرة لمسألة النسب والانتماء العائلي، وأن هذا الواقع قد ينعكس بشكل مباشر على مستقبل هؤلاء الأطفال عندما يكبرون ويصلون إلى مراحل اجتماعية حساسة مثل العمل أو الزواج، حيث قد يواجهون صعوبات في القبول داخل المجتمع.
وفيما يتعلق بزوجات عناصر التنظيم، تقول الشيخ حسين إن كثيرًا منهن ما زلن يحملن الفكر المتطرف الذي كان التنظيم يروج له، مشيرة إلى أن بعضهن انخرطن في هذا الفكر عن قناعة، وما يزال هذا الإيمان راسخًا في داخلهن بدرجات متفاوتة، وأن استمرار هذا التوجه الفكري قد يعرقل عملية اندماجهن في المجتمع، كما قد يجعلهن عاملًا في نقل هذا الفكر إلى الأبناء وتعزيزه في عقولهم.
وتلفت إلى أن التعامل مع هذه القضية يتطلب مقاربة شاملة تتجاوز الحلول الأمنية، إذ تؤكد أن أولى الخطوات الضرورية تكمن في معالجات قانونية وحكومية تعترف بوجود هؤلاء الأطفال وتعمل على تسوية أوضاعهم القانونية، بما في ذلك منح الجنسية أو إيجاد صيغ قانونية تضمن حقوقهم المدنية.
وتشير كذلك إلى أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه المنظمات الإنسانية في هذا السياق، من خلال إطلاق برامج تأهيل وإعادة اندماج تستهدف عائلات عناصر التنظيم، وتركز على فتح آفاق فكرية جديدة أمامهم، وأن هذه البرامج ينبغي أن تتضمن مقاربات دينية معتدلة تسهم في مواجهة الأفكار المتشددة التي ترسخت لدى بعضهم خلال سنوات سيطرة التنظيم.
كما تؤكد الشيخ حسين أن توفير فرص العمل والتعليم يعد جزءًا أساسيًا من عملية الدمج المجتمعي، لأنه يساعد هذه الفئات على بناء حياة مستقرة والمشاركة في المجتمع بوصفهم أفرادًا منتجين، بدلًا من بقائهم على هامش الحياة الاجتماعية.
وتخلص إلى أن معالجة هذه القضية تتطلب تعاونًا بين الحكومات والمنظمات الدولية والمجتمع المحلي، لضمان عدم تحوّل هذه الفئة إلى ضحية دائمة للصراع، أو إلى بيئة قد تُستغل مجددًا في إعادة إنتاج التطرف.
صعوبات بسبب عدم الثقة
في العديد من المجتمعات المحلية التي عانت من حكم التنظيم أو من جرائمه، لا تزال النظرة إلى عائلات عناصره السابقين محكومة بقدر كبير من الريبة وعدم الثقة، إذ تنعكس هذه النظرة على حياة النساء والأطفال المرتبطين بهم، إذ يواجه بعضهم صعوبات في العودة إلى مجتمعاتهم أو الاندماج فيها.
وفي بعض الحالات، يؤدي هذا التصور إلى أشكال من النبذ الاجتماعي غير الرسمي، مثل رفض تأجير المنازل لعائلات مرتبطة بعناصر التنظيم، أو صعوبة العثور على فرص عمل، أو حتى التردد في السماح للأطفال بالاختلاط بأقرانهم في المدارس.
وتحذر ليلى حمو، المختصة في القانون الإنساني والدعم النفسي، من أن الوصمة الاجتماعية التي تلاحق زوجات عناصر تنظيم “الدولة الإسلامية” وأطفالهن تشكل أحد أخطر التحديات التي تواجه هذه الفئة، مؤكدة أن استمرار هذه النظرة قد يؤدي إلى نتائج عكسية على المدى الطويل.
وتقول حمو، التي شاركت في الإشراف على جلسات الدعم النفسي للنساء الخارجات من مخيم الهول، إن النظرة المجتمعية السائدة تجاه زوجات عناصر التنظيم وأطفالهن تخلق ما تصفه بـ”دائرة تهميش مغلقة”، قد تمتد آثارها إلى أجيال لاحقة، وأن حرمان هذه الفئة من فرص الاندماج في المجتمع أو الحصول على حقوقها الأساسية قد يدفعها إلى مزيد من العزلة، الأمر الذي قد يسهم في إعادة إنتاج التطرف بأشكال جديدة وربما أكثر تعقيدًا.
ينتمون إلى 42 جنسية مختلفة.. آخر مستجدات نقل معتقلي داعش من سوريا إلى العراق. pic.twitter.com/gY6X0GCpWy
— نون سوريا (@NoonPostSY) February 11, 2026
وتضيف أن كثيرًا من النساء اللواتي كنّ زوجات لعناصر التنظيم يواجهن اتهامات مستمرة تتعلق بالمشاركة أو الولاء للتنظيم، سواء كانت هذه الاتهامات صريحة أو ضمنية، وهو ما ينعكس على طريقة تعامل المجتمع معهن، وأن بعض المظاهر المرتبطة بالالتزام بزيّ معين أو سلوكيات اجتماعية محددة كثيرًا ما تُفسر على أنها مؤشر على استمرار التمسك بأفكار التنظيم، ما يزيد من حدة الوصمة التي تلاحقهن.
وتقول إنها شاركت خلال السنوات الماضية في إعداد عدد من الاستبيانات والدراسات الميدانية التي تناولت أوضاع النساء والأطفال المرتبطين بعائلات التنظيم، لافتة إلى أن النتائج أظهرت أن نسبة كبيرة من الزيجات التي تمت خلال فترة سيطرة التنظيم لم تكن مثبتة رسميًا، وأن هذا الأمر انعكس بشكل مباشر على أوضاع الأطفال.
وتؤكد أن معالجة هذه القضية تتطلب مقاربة إنسانية وقانونية متوازنة، تضمن محاسبة من يثبت تورطه في الجرائم، وفي الوقت نفسه تمنع معاقبة الأبرياء بسبب صلة القرابة أو الخلفية العائلية، وأن إغلاق أبواب الفرص أمام هذه الشريحة الاجتماعية تحت أي ذريعة قد يؤدي إلى نتائج خطيرة، لأن التهميش والإقصاء قد يدفعان بعض الأفراد إلى الشعور باليأس وفقدان الأمل في المستقبل.
أزمة الهوية القانونية للأطفال
إحدى أبرز القضايا التي يواجهها الأطفال المرتبطون بعائلات عناصر التنظيم تتعلق بالحصول على الأوراق الثبوتية والهوية القانونية، إذ إن بعض هؤلاء الأطفال ولد خلال فترة سيطرة التنظيم، في مناطق لم تكن تخضع لنظام تسجيل مدني رسمي، أو داخل المخيمات التي تفتقر إلى آليات واضحة لتوثيق الولادات.
وفي حالات أخرى، يواجه الأطفال صعوبات في تسجيل نسبهم القانوني، خاصة إذا كان الأب مفقودًا أو مجهول المصير أو يحمل جنسية أجنبية، ويؤدي ذلك إلى تعقيدات قانونية قد تمنع تسجيل الطفل في السجلات المدنية الرسمية، على اعتبار أن القانون السوري لا يخول الأمهات منح الجنسية لأولادهن.
ويحذر المحامي حمدوش العلي، المختص في قضايا الأحوال المدنية وحقوق الإنسان، من أن غياب الوثائق الرسمية لدى عدد كبير من الأطفال المنحدرين من عائلات مرتبطة بتنظيم “الدولة الإسلامية” يشكل مشكلة قانونية وإنسانية معقدة قد تمتد آثارها لسنوات طويلة.
ويقول العلي إن عدم امتلاك هؤلاء الأطفال لوثائق ثبوتية، مثل شهادات الميلاد أو القيود المدنية، يترتب عليه حرمانهم من مجموعة واسعة من الحقوق الأساسية التي يفترض أن يتمتع بها أي طفل، وأن أولى هذه الحقوق تتعلق بالتعليم، إذ يواجه كثير من الأطفال صعوبات في التسجيل في المدارس لعدم امتلاكهم أوراقاً رسمية تثبت هويتهم أو مكان ولادتهم.
ويلفت إلى أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى نشوء جيل كامل يعيش في حالة من “اللاهوية القانونية”، وهو وضع يُقصد به وجود أشخاص غير مسجلين رسميًا في سجلات الدولة ولا يملكون إثباتًا قانونيًا لوجودهم، محذرًا من أن هذه الحالة تحمل تداعيات خطيرة على المدى البعيد، ليس فقط على مستقبل الأطفال أنفسهم، بل أيضًا على استقرار المجتمعات التي يعيشون فيها.
ويرى العلي أن معالجة هذه المشكلة تتطلب خطوات قانونية وإدارية عاجلة، تبدأ بإيجاد آليات مرنة لتسجيل الأطفال الذين ولدوا في ظروف استثنائية، مثل فترات النزاع أو في المناطق التي كانت خارج سيطرة مؤسسات الدولة، مقترحًا إنشاء لجان قانونية وقضائية خاصة تتولى دراسة هذه الحالات بشكل فردي، وتعمل على تسوية أوضاعها القانونية وفق إجراءات مبسطة.
كما يشير إلى أهمية اعتماد آليات بديلة لإثبات النسب أو الهوية في الحالات التي يصعب فيها تقديم الوثائق التقليدية، مثل الاعتماد على شهادات الشهود أو السجلات الطبية أو الوثائق المتوافرة لدى المنظمات الإنسانية، إلى جانب إمكانية استخدام الفحوصات الجينية في بعض الحالات المعقدة.
ويضيف أن من بين الحلول الممكنة أيضًا إطلاق برامج تسجيل مدني استثنائية بالتعاون بين الجهات الحكومية والمنظمات الدولية، بهدف حصر الأطفال غير المسجلين وتوثيق بياناتهم ومنحهم وثائق رسمية تضمن حقوقهم الأساسية.
ويؤكد العلي أن معالجة هذه القضية لا ينبغي أن تُختزل في بعدها القانوني فقط، بل يجب أن تترافق مع برامج اجتماعية وتعليمية تساعد على دمج هؤلاء الأطفال في المجتمع، وتوفر لهم فرص التعليم والرعاية الصحية والدعم النفسي.
التعليم بين الحق والتحديات
يشكل التعليم أحد أهم الأدوات التي يمكن أن تساعد في كسر دائرة التهميش وإعادة دمج الأطفال في المجتمع، غير أن الطريق إلى المدرسة ليس سهلًا دائمًا بالنسبة للأطفال المرتبطين بعائلات عناصر التنظيم.
وتؤكد الناشطة المدنية مها الهويدي أن الوصمة الاجتماعية المرتبطة بعائلات عناصر تنظيم “الدولة الإسلامية” ما تزال تمثل أحد أبرز العوائق أمام إعادة اندماج النساء والأطفال في المجتمع، مشيرة إلى أن آثار هذه الوصمة لا تقتصر على الجانب الاجتماعي فحسب، بل تمتد إلى مجالات التعليم والعمل والحقوق القانونية.
وتقول الهويدي، في حديثها عن واقع العائدين في مدينة الرقة، إن كثيرًا من النساء والأطفال المرتبطين بعائلات عناصر التنظيم يواجهون صعوبات كبيرة في العودة إلى الحياة الطبيعية، إذ غالبًا ما يتم التعامل معهم على أساس صلة القرابة بعناصر التنظيم، وليس وفق مبدأ المسؤولية الفردية، وأن هذا الأمر يؤدي عمليًا إلى ما يشبه العقاب الاجتماعي الجماعي الذي يطال أفرادًا لم يشاركوا في الجرائم التي ارتكبها التنظيم.
وترى أن تراكم هذه العوامل يدفع بعض العائلات إلى العزلة الاجتماعية، ويضعف فرصها في إعادة بناء حياة مستقرة داخل المجتمع المحلي، وأن استمرار هذه الوصمة لا يؤثر فقط على الأفراد المعنيين، بل قد يخلق أيضًا حالة من التهميش والإحباط لدى جيل كامل من الأطفال الذين لم يكونوا طرفًا في الأحداث التي وقعت خلال سنوات سيطرة التنظيم.
وتوضح أن ضمان حصول الأطفال على الوثائق الثبوتية يعد مسألة أساسية، لأن غيابها يحرمهم من حقوق أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية والوصول إلى الخدمات العامة، إضافة إلى أنه يسهم في تعميق عزلتهم الاجتماعية.
كما تشدد الهويدي على أهمية برامج الدعم النفسي والاجتماعي الموجهة للأطفال والنساء، خصوصًا لأولئك الذين عاشوا فترات صعبة في المخيمات أو في مناطق النزاع، وأن مثل هذه البرامج تساعد في معالجة الصدمات النفسية وتعزز قدرة الأفراد على التكيف مع المجتمع من جديد.
وتختتم الهويدي بالتأكيد على أهمية تطوير آليات للعدالة الانتقالية تراعي حقوق الضحايا وفي الوقت نفسه تمنع انتقال الوصمة والعقاب إلى جيل جديد، مشيرة إلى أن تحقيق الاستقرار المجتمعي على المدى الطويل يتطلب معالجة هذه القضية بطريقة عادلة وإنسانية تأخذ في الاعتبار تعقيدات المرحلة التي مرت بها المنطقة.
آثار نفسية عميقة
إلى جانب التحديات الاجتماعية والقانونية، يعاني كثير من الأطفال والنساء من آثار نفسية ناتجة عن سنوات الحرب والعيش في مناطق النزاع أو المخيمات، فبعض الأطفال شهدوا أحداثًا عنيفة خلال طفولتهم المبكرة، أو فقدوا أحد الوالدين، أو عاشوا تجارب نزوح متكررة، وقد تترك هذه التجارب آثارًا طويلة الأمد على صحتهم النفسية وسلوكهم الاجتماعي.
وتؤكد مستشارة الصحة النفسية انتصار محمد أن الوصمة الاجتماعية المرتبطة بعائلات عناصر تنظيم “الدولة الإسلامية” تترك آثارًا إنسانية ونفسية عميقة على النساء والأطفال، مشيرة إلى أن هذه الآثار قد تستمر لسنوات طويلة إذا لم تتم معالجتها ببرامج دعم حقيقية ومستمرة.
وتقول محمد إن كثيرًا من النساء والأطفال الذين عادوا إلى مجتمعاتهم بعد سنوات من النزاع أو العيش في المخيمات يواجهون حالة من العزلة الاجتماعية، إذ غالبًا ما يتعامل معهم المجتمع المحلي بحذر أو رفض بسبب ارتباطهم العائلي بعناصر التنظيم.
وتوضح أن هذا الواقع قد يؤدي إلى شعور دائم بالنبذ والإقصاء، حيث تجد بعض العائلات نفسها خارج العلاقات الاجتماعية اليومية أو الأنشطة المجتمعية، ما يعمق شعورهم بالوحدة والانفصال عن المجتمع.
وتشير إلى أن هذا الرفض الاجتماعي لا يؤثر فقط على الحياة اليومية، بل ينعكس بشكل مباشر على الحالة النفسية للنساء والأطفال، فالكثير منهم عاشوا تجارب قاسية خلال سنوات الحرب أو أثناء وجودهم في المخيمات، بما في ذلك الخوف المستمر وفقدان أفراد من العائلة وظروف معيشية صعبة، الأمر الذي ترك آثارًا نفسية عميقة لديهم.
واقع إنساني صعب.. مشاهد حصرية لنون سوريا من داخل مخيم الهول في الحسكة، الذي يضم آلاف الأشخاص من عائلات تنظيم “داعش”. pic.twitter.com/vDNuTzrYDQ
— نون سوريا (@NoonPostSY) January 21, 2026
وتضيف أن تراكم هذه التجارب الصادمة، إلى جانب استمرار الوصمة الاجتماعية، قد يؤدي إلى ظهور مشكلات نفسية متعددة، مثل الاكتئاب والقلق والشعور المزمن بالحزن، فضلًا عن فقدان الإحساس بالأمان والاستقرار، وقد يشعر بعض الأطفال بعدم الانتماء إلى المجتمع المحيط بهم، وهو شعور قد يرافقهم لفترات طويلة ويؤثر في طريقة تفاعلهم مع الآخرين.
وتلفت محمد إلى أن الأطفال بشكل خاص أكثر عرضة للتأثر بهذه الظروف، لأنهم غالبًا ما يواجهون صعوبة في فهم أسباب رفض المجتمع لهم، ما قد يولد لديهم إحساسًا بالظلم أو الارتباك النفسي، وأن استمرار هذه المشاعر من دون دعم مناسب قد يقود إلى العزلة والانطواء وفقدان الثقة بالآخرين.
وترى مستشارة الصحة النفسية أن النساء أيضًا يعانين ضغوطًا نفسية كبيرة، خاصة أن كثيرات منهن يتحملن مسؤولية رعاية الأطفال في ظروف صعبة، إلى جانب مواجهة نظرة مجتمعية قاسية أحيانًا، وأن هذا الوضع قد يضاعف مشاعر القلق والخوف من المستقبل، ويزيد من الشعور بعدم الاستقرار النفسي.
وتشدد محمد على أن التعامل مع هذه الآثار يتطلب توفير برامج دعم نفسي واجتماعي متخصصة، تركز على مساعدة النساء والأطفال على تجاوز الصدمات التي مروا بها وتعزيز قدرتهم على استعادة الشعور بالأمان والانتماء، إضافة إلى أهمية خلق بيئة مجتمعية أكثر تقبلًا وتفهمًا، لأن تخفيف الوصمة الاجتماعية يعد خطوة أساسية في حماية الصحة النفسية لهذه الفئة ومنحها فرصة للبدء من جديد.
مخاوف من إعادة إنتاج التطرف
يحذر الصحفي أحمد العساف من أن استمرار التهميش الاجتماعي والقانوني الذي تواجهه عائلات عناصر تنظيم “الدولة الإسلامية”، خصوصًا النساء والأطفال، قد يؤدي إلى زيادة خطر التطرف مستقبلًا إذا لم يتم توفير آليات فعّالة لإعادة دمجهم في المجتمع.
ويقول العساف، والذي عمل على تغطية الأحداث التي تتصل بنشاط تنظيم “الدولة الإسلامية” على مدار السنوات الماضية، إن عزلة هذه الفئة وضعف اندماجها الاجتماعي يمكن أن يخلق بيئة خصبة لإعادة إنتاج الفكر المتطرف، حيث أن الأطفال الذين يكبرون في مجتمعات تنظر إليهم بعين الريبة أو الرفض قد يتعرضون لتأثيرات سلبية على قيمهم وسلوكياتهم، ما يزيد من احتمالية انجراف بعضهم نحو التطرف أو التطرف المضاد كرد فعل على الإقصاء.
ويضيف أن استمرار شعور الإحباط والتهميش لدى النساء والأطفال، وعدم توفير فرص حقيقية لهم للاندماج أو المشاركة في المجتمع، قد يجعلهم أكثر عرضة للانخراط في شبكات اجتماعية أو فكرية متطرفة، إذ يبحثون عن الانتماء والأمان في بيئات قد تعزز الفكر المتطرف بدلًا من تصحيحه.
ويشير العساف إلى أن معظم الباحثين في قضايا التطرف يؤكدون أن غياب التدخل المبكر وإهمال إعادة إدماج هذه الفئة قد يؤدي إلى دورة مستمرة من التطرف عبر الأجيال، حيث تنتقل الأفكار المتشددة إلى الأطفال والشباب الذين ينشأون في بيئة تحمل وصمة الماضي والعزلة الاجتماعية.
ويخلص إلى أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب برامج متكاملة لمكافحة التطرف تشمل دعم النفسي والاجتماعي، وإشراك المجتمع المحلي في جهود إعادة الاندماج، لضمان عدم تحويل التهميش الحالي إلى بيئة تولّد أشكالًا جديدة وأكثر خطورة من التطرف في المستقبل.
ومنتصف نيسان/ أبريل 2024 أصدرت منظمة العفو الدولية تقريرًا، وثقت فيه الانتهاكات الجسيمة التي تعرض لها الرجال والنساء والأطفال المحتجزون في شمال شرق سوريا بعد الهزيمة العسكرية لتنظيم “الدولة الإسلامية”.
وأشار التقرير إلى أن عدد المحتجزين في نظام الاحتجاز بلغ حينها نحو 56,000 شخص، معظمهم محتجزون بشكل تعسفي ولأجل غير محدد، مع تعرضهم للتعذيب وظروف معيشية لا إنسانية، شملت الضرب، والوضعيات المؤلمة، والصدمات الكهربائية، والعنف القائم على النوع الاجتماعي.
وأكدت أغنيس كالامار، الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية، أن “قوات سوريا الديمقراطية ارتكبت جرائم حرب تمثلت في التعذيب والمعاملة القاسية، ومن المحتمل أنها ارتكبت جرائم قتل”، مضيفة أن الحكومة الأمريكية لعبت دورًا محوريًا في إنشاء النظام وصيانته، مما تسبب في وفاة المئات لأسباب كان من الممكن تفاديها.
وأشار تقرير منظمة العفو الدولية إلى أن النظام شمل ما يقدر بنحو 11,500 رجل، و14,500 امرأة، و30,000 طفل محتجزين في 27 مركز احتجاز على الأقل، إضافة إلى مخيمين رئيسيين هما الهول وروج.
وأوضح أن الأطفال كانوا من أكثر الفئات تضررًا، حيث احتُجز نحو 1,000 صبي وسليل صغار في مراكز الاحتجاز، وتعرضوا لنفس الانتهاكات التي تعرض لها الكبار، بما في ذلك التعذيب، والفصل عن أسرهم، وتجريدهم من حقوقهم القانونية، إضافة إلى ارتفاع نسبة الوفيات بين المحتجزين بسبب نقص الغذاء والرعاية الطبية وانتشار الأمراض، بما في ذلك تفشي مرض السل في بعض المراكز.
وحذرت منظمة العفو الدولية من أن النساء والفتيات المحتجزات تعرضن للزواج القسري والعنف الجنسي على يد عناصر تنظيم “الدولة الإسلامية” أو المسؤولين في المراكز، بينما تعرض الرجال والشبان لتجريدهم من حقوقهم الأساسية والتعذيب لاستخراج “اعترافات” بالقوة.
وأشارت المنظمة إلى أن المحاكم المحلية التي نظرت في قضايا المحتجزين، بما في ذلك النساء والأطفال، اعتمدت على اعترافات منتزعة تحت التعذيب وافتقرت لضمانات المحاكمة العادلة، مع عدم محاسبة أي شخص على جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها تنظيم “الدولة الإسلامية”.
ولفتت إلى أن الحكومة الأمريكية، كجزء من التحالف الدولي، قدمت دعمًا ماليًا ولوجستيًا للسلطات المحلية ولأجهزة الأمن التابعة لقوات سوريا الديمقراطية، بما في ذلك بناء مراكز احتجاز جديدة وتجديد القائمة منها، وإجراء عمليات مشتركة أدت إلى تحويل الأشخاص إلى الاحتجاز لدى “قوات سوريا الديمقراطية”، فضلًا عن المشاركة في إعادة بعض المحتجزين إلى دولهم الأصلية، بما فيها العراق.
وأكدت منظمة العفو الدولية أن الانتهاكات في شمال شرق سوريا زادت من التوترات وأثرت على جهود العدالة، وأنه كان من الضروري أن تعمل السلطات المحلية، والتحالف بقيادة الولايات المتحدة، والأمم المتحدة، معًا على تطوير استراتيجية شاملة لإصلاح نظام الاحتجاز، وضمان الإفراج الفوري عن الضحايا والمجموعات المعرضة للخطر، ومعاقبة المسؤولين عن الانتهاكات.
وأشار التقرير إلى أن المنظمة أجرت مقابلات ميدانية مع 314 محتجزًا بين أيلول/ سبتمبر 2022 وآب/ أغسطس 2023 في المعسكرات ومراكز الاحتجاز، إضافة إلى مقابلات مع ممثلين عن السلطات المحلية، وموظفين من منظمات غير حكومية، والأمم المتحدة، مؤكدة أن النتائج أظهرت نظام احتجاز يتسم بالاعتقال التعسفي، والتعذيب المنهجي، والمعاملة اللاإنسانية، والفشل في تقديم العدالة لضحايا تنظيم “الدولة الإسلامية”.