لأول مرة منذ عقود، يجد العالم نفسه أمام صدمة غذائية تسبق الأزمة النفطية التي خلفتها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، فالأسمدة والغاز والكبريت والأمونيا التي تعبر مضيق هرمز تُعد الركيزة الأساسية لزراعة الحبوب والخضار في العالم.
ارتفعت أسعار اليوريا (مادة أولية للصناعات الكيماوية تستخدم في صناعة السماد) بأكثر من 40٪ لتتجاوز 700 دولار للطن، وقفزت أقساط التأمين والشحن عبر الخليج عشرة أضعاف، بينما أُغلقت مصانع للأسمدة في قطر والهند وبنغلاديش.
هذا التقرير يتتبع سلسلة التأثيرات بدقة؛ من اختناق هرمز إلى الأسمدة والكيماويات والغاز، ثم إلى تكاليف الزراعة والإنتاج، وصولًا إلى أسعار الغذاء على موائد العرب.
من هرمز إلى السماد
ليس النفط وحده هو الذي يمر عبر مضيق هرمز، فالخليج يصدر ما يقرب من 46٪ من تجارة اليوريا العالمية ويؤمّن ربع إنتاج الأسمدة عالميًا.
- مع تعطّل الملاحة، توقفت أكبر مصانع اليوريا في قطر عن العمل.
- قلصت الهند إنتاجها من هذه المادة في ثلاث مصانع.
- أغلقت بنغلاديش أربعة من أصل خمسة مصانع.
- قد يعجز المنتج المصري – الذي يوفّر 8٪ من اليوريا المتداولة – عن الحفاظ على الإنتاج بعد وقف الغاز الإسرائيلي.
- الصادرات المتوقعة تراجعت من 3.5 إلى 1.5 مليون طن في مارس/آذار، وتضاعف سعر التصدير تقريبًا ليصل إلى 684–700 دولار للطن.
وتعتمد صناعة الأسمدة على الغاز الطبيعي، إذ تمثّل الطاقة ما يصل إلى 70٪ من تكلفة الإنتاج، لذلك أدت الهجمات على منشآت الغاز، مثل ضرب مجمع رأس لفان القطري، إلى ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا بنسبة 35٪، ما رفع التكلفة في سلاسل الإمداد العالمية.

كما ارتفعت أسعار الكبريت – وهو مادة أساسية في تصنيع الفوسفات – إلى مستويات أعلى من ذروة عام 2022 لأن الشرق الأوسط يوفّر نصف إمداداته. بالإضافة إلى ذلك، أطلقت شركات الملاحة تحذيرات وعلقت المرور عبر المضيق وسواحل البحر الأحمر.
وأعلنت خطوط كبرى مثل ميرسك وهاباج لويد و”سي.إم.إيه سي.جي.إم” عن فرض رسوم مخاطر حرب على الشحنات المتجهة إلى العراق والبحرين والكويت واليمن وقطر وعمان والإمارات والسعودية والأردن والسودان ومصر.
وقد تزيد هذه الرسوم تكلفة شحن الأسمدة والحبوب عدة أضعاف، إذ أصبحت أقساط تأمين السفن نحو 3٪ من قيمة السفينة (حوالي 7.5 مليون دولار لناقلة قيمتها 250 مليونًا) بعدما كانت 0.25٪ قبل الحرب، وتتراوح الأسعار حاليًا بين 1٪ و1.5٪ وفق نوع السفينة.
كيف تتحول أزمة السماد إلى صدمة غذاء؟
تُستخدم الأسمدة النيتروجينية والفوسفاتية في زراعة أكثر من نصف الغذاء العالمي، وهي تمثل حتى 50٪ من تكلفة إنتاج الحبوب، لذلك يحمل نقص الأسمدة تداعيات مباشرة على الإمدادات الغذائية.
وحذر بنك أوف أمريكا من أن الصراع يهدد 65–70٪ من إمدادات اليوريا العالمية، وأن الأسعار ارتفعت بالفعل 30–40٪.
بدورها، قالت منظمة الأغذية والزراعة (فاو) تقول إن غياب الأسمدة سيؤدي إلى تراجع إنتاج الحبوب والأعلاف وبالتالي اللحوم والألبان، وقد يشهد الموسم الزراعي التالي انخفاضًا في الغلال إذا طال أمد الحرب.
على مستوى المزرعة، تدفع ارتفاعات الأسعار المزارعين إلى تقليل الجرعات أو التحول إلى محاصيل أقل احتياجًا للنيتروجين، أو التوقف عن زراعة الأراضي الهامشية.
وتشير توقعات منظمة الأسمدة الدولية إلى أن التأثير سيظهر أولًا في المحاصيل النيتروجينية مثل القمح والذرة. ومع ارتفاع أسعار الوقود بنسبة تزيد على 50٪ منذ اندلاع الحرب وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، ترتفع تكلفة التشغيل والنقل والتخزين بشكل يرفع سعر الغذاء النهائي.
حتى النقل الجوي أصبح مكلفًا، فقد ارتفعت أجور الشحن الجوي على مسارات جنوب آسيا – أوروبا بنسبة 70٪، والأسعار بين آسيا وأمريكا الشمالية بنحو 58٪، ويرجع ذلك إلى إغلاق الأجواء في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار وقود الطائرات.
ولا توجد مخزونات إستراتيجية للأسمدة كما هو الحال في النفط، لذا فإن أي نقص يصعب تعويضه بسرعة. وحتى إذا حاول المنتجون الآخرون زيادة الطاقة الإنتاجية، فإن إنشاء مصانع جديدة يحتاج إلى سنوات واستثمارات بمليارات الدولارات.
وتتكرر التحذيرات من الاستعاضة بسماد عضوي أو بدائل أخرى، إذ أثبتت تجربة سريلانكا عام 2021، عندما منعت الحكومة استيراد الأسمدة الكيميائية، أن الغلال قد تهبط بشكل كارثي وأن الصدمة الاقتصادية قد تتحول إلى أزمة سياسية.
ما الدول العربية الأكثر انكشافًا؟
مصر وتونس والمغرب
تُعد مصر من أكبر مستوردي القمح في العالم وتعتمد على وارداته لقرابة 50٪ من استهلاكها الغذائي. كما أنها مُصدِّر مهم لليوريا (تمثل نحو 8٪ من التجارة العالمية)، لكن قدراتها مهددة بسبب وقف الغاز الإسرائيلي بعد الهجمات، ما سيجبرها على شراء الغاز الطبيعي المسال بأسعار مرتفعة.
ورفعت القاهرة أسعار الوقود محليًا بنسبة 14–17٪ في مارس/آذار 2026 بسبب ارتفاع أسعار الطاقة العالمية، ما يعني زيادة تكاليف نقل الأغذية وإنتاج الخبز المدعوم.
تونس، التي تعتمد على واردات الحبوب وتواجه عجزًا ماليًا، ستتعرض لزيادات في تكاليف الدعم الغذائي، خصوصًا إذا ارتفعت أسعار القمح في الأسواق العالمية.
وتشير تحليلات شاتام هاوس إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة والفائدة عالميا سيضغط على اقتصاد المغرب رغم مكاسب تصدير الفوسفات.
بلدان شمال إفريقيا الأخرى
الجزائر وليبيا، المنتجتان للغاز والنفط، يمكن أن تستفيدا من ارتفاع الأسعار لتعويض خسائر الميزانية.
إلا أن الانقطاعات في هرمز قد تؤدي إلى نقص في بعض المكوّنات الكيميائية، خصوصًا الكبريت المستخدم في صناعة الأسمدة، ما قد يؤثر في الإنتاج الزراعي المحلي.
الأردن ولبنان وسوريا
الأردن لا ينتج الغاز بكميات تذكر، إذ يغطي إنتاجه المحلي أقل من 5٪ من احتياجاته، بينما يستورد نحو 3.6 مليار متر مكعب سنويًا من “إسرائيل” ومصر وغيرها.
وكشفت الحرب مدى هشاشة هذا الاعتماد، فقد أشارت وزارة الطاقة الإسرائيلية في يونيو/حزيران 2025 إلى أن معظم صادرات الغاز المحدودة أثناء الصراع كانت تتجه إلى الأردن بينما لم تصل سوى “كميات ضئيلة” إلى مصر.
ولذلك فإن أي انقطاع طويل قد يهدد إمدادات الكهرباء الأردنية ويدفعه لشراء الغاز المسال بأسعار مرتفعة، ما ينعكس على أسعار الغذاء المحلية عبر زيادة تكاليف الري والتخزين.
أما لبنان فيعتمد على الاستيراد لتأمين أكثر من نصف احتياجاته الغذائية و87٪ من القمح، ويعاني من أزمة نقد أجنبي، إذ إن ارتفاع أسعار الوقود والشحن سيزيد من تكلفة الواردات، كما أن أي تباطؤ في اقتصادات الخليج قد يقلل من تحويلات اللبنانيين العاملين هناك؛ وهذه التحويلات تشكل مصدرًا مهمًا للعملة الصعبة.
كما حذرت رويترز من أن انخفاض تحويلات العاملين الخليجيين يمكن أن يضغط على الاقتصاديات المعتمدة على التحويلات مثل باكستان ولبنان والأردن.
الخليج واليمن والسودان
دول الخليج مثل السعودية وقطر وعمان والإمارات هم منتجون كبار لليوريا والأمونيا، لكن تعليق الشحن عبر هرمز يعوق صادراتهم ويخفض أرباح شركاتهم مع استمرار التهديد لمرافق الغاز، إلا أن اقتصاداتها المدعومة بصناديق سيادية قادرة على امتصاص الصدمة حتى الآن.
في المقابل، تقف دول مثل اليمن والسودان وجيبوتي التي تتلقى وارداتها عبر موانئ الخليج أمام احتمال نقص الوقود والغذاء بسبب إعادة توجيه السفن حول رأس الرجاء الصالح، ما يزيد زمن الرحلة وكلفتها ويُحدث اختناقات.
ما تبعات الأزمة؟
يُظهر التاريخ أن ارتفاع أسعار الأسمدة والغذاء يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية وسياسية. ففي عام 2022، أدت الحرب الروسية–الأوكرانية إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية والطاقة وتفاقم انعدام الأمن الغذائي في دول عديدة.
اليوم، تبدو الأزمة أكثر تعقيدًا، فالسوق كان يعاني أصلًا من قيود بسبب العقوبات على روسيا وإجراءات الحد من تصدير الأسمدة في الصين، فجاءت الحرب على إيران لتقطع شريانًا آخر.
أكثر من ذلك، يعتمد ملايين الأشخاص في الخليج على محطات تحلية المياه التي تستهلك الطاقة المكثفة، إذ توفر 90٪ من مياه الشرب في الكويت و86٪ في عمان و70٪ في السعودية. وإذا استمر اختناق إمدادات الغاز والوقود، فقد يتعرض حتى الوصول إلى المياه العذبة للخطر.

يقول تقرير لمجلس العلاقات الخارجية إن الأسمدة تشكل نحو 25٪ من تكلفة إنتاج السلع الزراعية، وإن الحرب تضع ثلث التجارة العالمية للأسمدة في خطر.
ويكشف ارتفاع الأسعار بنسبة 19٪ خلال أسبوع واحد في الشرق الأوسط هشاشة السوق ويدل على أن الصدمة قد تمتد عدة مواسم.
كما يحذر التقرير من أن الحرب قد تؤدي إلى “تسليع الغذاء والمياه” وخلق أزمة إنسانية عالمية إذا تزامنت مع مواسم زراعية متأثرة بتغير المناخ وتراجع احتياطيات الحبوب.
في المقابل، تشير تقارير البنك الدولي وصندوق النقد إلى أن بعض الدول قد تستفيد من ارتفاع أسعار الأسمدة، مثل المغرب وقطر، وأن توجيه الدعم للمزارعين عبر قنوات دولية قد يخفف من حدة الأزمة.
لكن الحلول تحتاج إلى تنويع مصادر الأسمدة خارج الخليج وتطوير بنية تحتية جديدة، وهو ما يتطلب سنوات واستثمارات ضخمة. حتى ذلك الحين، سيبقى أمن الغذاء في العالم العربي رهينًا لمضيق هرمز وصراعاته الجيوسياسية.
![اضطراب هرمز.. كيف يرفع فاتورة الغذاء العربي؟ 27 [2/2] يشتري الناس الخضراوات في سوق شعبي بمدينة الإسكندرية المصرية 25 يناير/كانون الثاني 2026 (رويترز)](https://www.noonpost.com/wp-content/uploads/2026/03/noonpost-7985402.avif)