• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

فاتورة هرمز في شوارع القاهرة.. كيف ضربت الحرب اقتصاد المصريين؟

فريق التحرير٢٩ مارس ٢٠٢٦

من كان يتصور أن القاهرة، المدينة التي اعتادت السهر حتى الفجر، والتي طالما بدا ليلها نهارًا من شدة الأنوار ، يمكن أن تنطفئ على هذا النحو؟ وأن يجد ملايين المصريين أنفسهم مضطرين إلى التزام بيوتهم مبكرًا، أو على الأقل التراجع عن عاداتهم اليومية في السهر والتنزه، بعدما أُغلقت غالبية المحال الترفيهية والتجارية، باستثناء الصيدليات ومتاجر السلع الأساسية، ضمن إجراءات تقشفية فرضتها ضغوط الكهرباء في ظل التصعيد الإقليمي الدائرة حاليًا.

منذ اليوم الأول للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، في أواخر فبراير/شباط الماضي، بدت مصر وكأنها أُقحمت في قلب المواجهة، رغم أنها لم تكن طرفًا مباشرًا فيها، غير أن الارتدادات الأولى للصراع لم تتأخر في إصابة الاقتصاد المصري مبكرًا، قبل أن تتسرب تبعاتها تباعًا إلى حياة المواطن العادي ورجل الشارع، الذي وجد نفسه يتحمل كلفة أزمة لم يكن شريكًا في صنعها.

فالهشاشة البنيوية التي يعانيها الاقتصاد المصري، إلى جانب الموقع الجغرافي القريب من مسرح العمليات، جعلا القاهرة من بين أكثر العواصم عرضة للتأثر بمسارات هذه الحرب ومآلاتها، ومع كل تصعيد جديد، بدا الاقتصاد الوطني أكثر انكشافًا أمام الصدمات الخارجية، وأكثر وهنًا في مواجهة اضطرابات تمتد من الطاقة إلى التجارة، ومن الملاحة إلى الاستثمار، بما يجعل أي توتر إقليمي واسع بمثابة اختبار قاسٍ لقدرة الدولة على الاحتواء والصمود.

ورغم أن الحكومة المصرية سارعت، مع بداية الحرب، إلى تفعيل ما وصفته بـ”غرفة الأزمات” في محاولة لامتصاص التداعيات والحد من الخسائر المحتملة، فإن النتائج جاءت أكثر قسوة مما توقع كثيرون، إذ وجد المصريون أنفسهم، ومن دون مقدمات، في مرمى الاستهداف الاقتصادي المباشر، يدفعون فاتورة صراع ليس صراعهم.

وزاد من وطأة هذه الكلفة الباهظة غياب الرؤى الاستراتيجية الواضحة، واستمرار اختلال السياسات النقدية والاقتصادية التي اتُّبعت خلال السنوات الأخيرة، بما حدّ من قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات أو المناورة أمام الأزمات الكبرى.

الطاقة.. الصدمة الأولى

في دولة تعتمد على الاستيراد لتغطية ثلث احتياجاتها من الطاقة، كان من الطبيعي أن تترك حرب بهذا الحجم أثرًا مباشرًا على سوق الطاقة المحلي، فالتوتر الذي أصاب سلاسل الإمداد، مع تعطل الملاحة في مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز المسال عالميًا، إلى جانب الارتفاع الحاد في الأسعار الدولية، وضع السوق المصرية تحت ضغط واضح خلال الأسابيع الماضية.

وقد انعكس ذلك في صعود خام برنت من 73 دولارًا للبرميل قبل الحرب إلى 105 دولارًا في تعاملات الأحد 29 مارس/أذار الجاري 105 دولارات للبرميل بزيادة تجاوزت أكثر من 45% مقارنة بالشهر الماضي، وهو ما كان له أثره على كلفة الاستيراد.

ومما زاد من صعوبة المشهد إيقاف إسرائيل ضخ الغاز الطبيعي إلى مصر عبر حقلي “تمار” و”ليفياثان” في شرق المتوسط، ما أدى إلى توقف إمدادات تُقدَّر بنحو 1.1 مليار قدم مكعب يوميًا، ورغم أنها أعادت عملية الضخ لاحقًا لكن بنسب أقل من المتفق عليه وفق الاتفاق المبرم بين الجانبين.

• بدأت الحكومة المصرية تنفيذ إجراءات لترشيد استهلاك الطاقة لمدة شهر قابلة للتمديد، بهدف مواجهة ارتفاع أسعار النفط عالميًا وتأثيرات التوترات الإقليمية على تكلفة الاستيراد.

• تضمنت الإجراءات إغلاق المحال التجارية والمطاعم والمراكز التجارية ودور الترفيه في التاسعة مساءً، مع تمديد… pic.twitter.com/zJg1pXNssC

— نون بوست (@NoonPost) March 29, 2026

هذا الارتباك في سوق الطاقة رفع فاتورة استيراد المواد البترولية لنحو 2.5 مليار دولار خلال الشهر الجاري مقابل 1.2 مليار دولار يناير/كانون الثاني الماضي، ما دفع الحكومة لاتخاذ عدد من القرارات الاستثنائية لترشيد استهلاك الطاقة.

وفي هذا الإطار، وجدت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة نفسها مضطرة إلى تبني خطة تستهدف خفض استهلاك الغاز الطبيعي في محطات التوليد بنحو 100 مليون قدم مكعب يوميًا خلال عام 2026، عبر التوسع النسبي في الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة كبديل جزئي عن الغاز.

ويزداد الأمر تعقيدًا إذا ما أُخذ في الاعتبار أن الغاز الطبيعي لا يزال يمثل عصب قطاع الكهرباء في مصر، إذ يستحوذ على ما بين 75 و82% من إجمالي قدرات التوليد، ومن ثم، فإن أي اضطراب في تدفقاته أو أي محاولة لخفض الاعتماد عليه بصورة اضطرارية، لا بد أن تكون له انعكاسات مباشرة على استقرار الشبكة الكهربائية، وعلى انتظام النشاط الصناعي وخطوط الإنتاج في السوق المحلية، بما يجعل أزمة الطاقة الحالية أبعد من كونها مجرد تحدٍ فني، وأقرب إلى اختبار اقتصادي شامل لمدى قدرة الدولة على احتواء تداعيات الحرب وتخفيف كلفتها الداخلية.

سوق الصرف والذهب.. الارتداد الأسرع

الارتداد الثاني، والأكثر سرعة في الظهور، برز في سوق الصرف، الذي تلقّى صدمة مباشرة منذ الساعات الأولى لاندلاع الحرب، فقد تحرك الدولار أمام الجنيه المصري من مستويات كانت تدور حول 46.6 جنيه قبل المواجهة بيوم واحد فقط، ليقترب من 53.40 جنيهًا بعد نحو شهر من استمرارها، في مشهد عكس حجم القلق المتصاعد في الأسواق من عودة الضغوط على العملة المحلية، بعد فترة من التحسن النسبي المحدود.

وبالتوازي مع ذلك، تلقى سوق الذهب المحلي دفعة صعود قوية، بوصفه الملاذ التقليدي في أوقات التوتر وعدم الاستقرار، فقفزت الأسعار بنحو 500 جنيه ( 9.5 دولارًا) في سعر الغرام الواحد، في إشارة واضحة إلى انتقال المخاوف من أسواق المال والصرف إلى سلوك الادخار والتحوط داخل السوق المحلية.

وبحلول الأحد 29 مارس/آذار، تجاوز سعر غرام الذهب عيار 24 حاجز 7915 جنيهًا (152.2 دولارًا)، فيما سجل عيار 21 نحو 7254 جنيهات (139.6 دولارًا)، وبلغ عيار 18 قرابة 5935 جنيهًا (114 دولارًا)، بما يعكس اتساع أثر الحرب من المؤشرات الكبرى إلى تفاصيل الحياة الاقتصادية اليومية، حيث لم تعد تداعيات المواجهة تُقاس فقط بأسعار الطاقة أو التجارة، بل امتدت أيضًا إلى العملة والمدخرات وثقة الأفراد في استقرار السوق.

قناة السويس.. خسائر بالجملة

تظل قناة السويس واحدة من أكثر الجبهات الاقتصادية انكشافًا أمام تداعيات التصعيد الإقليمي، باعتبارها شريانًا حيويًا للاقتصاد المصري وأحد أبرز مصادر النقد الأجنبي التي تعتمد عليها الدولة في الوفاء بجزء مهم من التزاماتها المالية، فالقناة لا تتأثر فقط بحركة التجارة العابرة، بل تتأثر بالقدر نفسه، وربما أكثر، بتحولات المشهد الأمني في البحر الأحمر والمنطقة، وبإعادة حسابات المخاطر لدى شركات الشحن، وارتفاع كلفة التأمين، وتغير المسارات البحرية، وهي جميعها عوامل تنعكس سريعًا على حجم العبور والإيرادات.

ومع موجة التصعيد الأخيرة، وما رافقها من استهداف للسفن في مضيق هرمز وتزايد التهديدات والقيود التي طالت الملاحة في البحر الأحمر، تجد قناة السويس نفسها تحت ضغط متصاعد، في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة للاقتصاد المصري، الذي لا يحتمل بسهولة أي تراجع إضافي في موارد العملة الصعبة، فالتراجع في إيرادات القناة لا يُقرأ هنا كخسارة قطاعية عابرة، بل كمؤشر على اتساع أثر الحرب إلى أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد الوطني.

وفي هذا السياق، جاءت تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي قبل أيام لتؤكد حجم الكلفة التي تتحملها مصر، إذ أشار إلى أن خسائر القناة الشهرية بلغت نحو 800 مليون دولار بفعل الأوضاع الإقليمية والحرب الدائرة في المنطقة، لافتًا كذلك إلى أن خسائرها خلال عام 2024 وحده قاربت 7 مليارات دولار من الإيرادات، وهي أرقام تعكس بوضوح أن القناة باتت في صدارة المتضررين من حالة الاضطراب المستمرة في الممرات البحرية المحيطة.

ومع تصاعد الحديث عن احتمال تحول باب المندب إلى ساحة أكثر سخونة، بعد انخراط الحوثيين في مسار المواجهة، تبدو الضغوط على القناة مرشحة للتفاقم، بما قد يفتح الباب أمام تراجع أكبر في العوائد، ويضاعف في الوقت نفسه من ارتدادات ذلك على الاقتصاد المصري ككل، في ظل ترابط وثيق بين استقرار الملاحة البحرية، وتدفقات النقد الأجنبي، والقدرة على امتصاص الصدمات الخارجية.

الاقتصاد الشعبي في مرمى الاستهداف

لم تتوقف ارتدادات الحرب عند حدود الاقتصاد الرسمي المباشر، من ارتفاع كلفة الطاقة وتراجع إيرادات قناة السويس إلى اضطراب سوق الصرف وقفزات الذهب، بل امتدت بصورة أكثر إيلامًا إلى اقتصاد المواطن اليومي، أو ما يمكن وصفه بالاقتصاد الشعبي، الذي تعتمد عليه الغالبية الواسعة من المصريين في تسيير شؤون حياتهم ومعيشتهم.

فهذا الاقتصاد تلقى ضربة قاسية مع قرار الحكومة إغلاق المحال والمراكز التجارية والمنشآت الترفيهية والمقاهي والكافيهات عند الساعة التاسعة مساءً، ضمن خطة أوسع لترشيد استهلاك الطاقة، ورغم تقديم القرار بوصفه إجراءً اضطراريًا لمواجهة تداعيات الحرب وضغوط الكهرباء، فإن أثره الاجتماعي والمعيشي بدا كبيرًا منذ اللحظة الأولى، بالنظر إلى ما يحمله من تهديد مباشر لمصادر رزق ملايين المصريين المرتبطين بهذه الأنشطة، سواء من أصحاب الأعمال الصغيرة أو العاملين فيها.

وفي بلد اعتاد أن تكون ساعات الليل فيه امتدادًا طبيعيًا للحياة الاقتصادية والاجتماعية، لا تبدو السهرة ترفًا بقدر ما تمثل ذروة النشاط بالنسبة لقطاعات واسعة من الاقتصاد الشعبي، وعليه، فإن فرض الإغلاق المبكر لا يعني فقط تقليص ساعات العمل، بل يعني عمليًا حرمان عدد هائل من المتاجر والمحال ودور السينما والمسارح والأنشطة الترفيهية من أكثر الفترات ربحية، بما ينعكس مباشرة على الإيرادات والأجور، ويضيف مزيدًا من الضغوط إلى أوضاع معيشية تعاني أصلًا من الهشاشة.

وتزداد الصورة قتامة مع اتجاه الحكومة إلى توسيع العمل من المنزل لبعض موظفي القطاع العام أو تقليص ساعات العمل، وهي إجراءات قد تبدو في ظاهرها جزءًا من سياسة احترازية لترشيد الاستهلاك، لكنها تثير في المقابل تساؤلات واسعة حول جدواها الاقتصادية الفعلية، وحول كلفتها الاجتماعية غير المباشرة على دورة النشاط اليومي وحركة الأسواق والخدمات.

أما الأثر الأكثر قسوة، فيبقى ذلك المرتبط بالتضخم المتوقع أن يتفاقم بفعل هذا الارتباك في سوق الصرف والطاقة، وما يستتبعه من زيادات متتالية في أسعار السلع والخدمات، خاصة بعد الزيادة الكبيرة التي فرضتها الحكومة على أسعار الوقود في  10 آذار/مارس، بنسب تراوحت بين 14% و17%، والتي ربما تكون الأعلى على الإطلاق خلال سنوات.

وهنا تحديدًا تتجلى الكلفة الحقيقية للحرب على الداخل المصري، إذ لا تُدفع فقط في مؤشرات الاقتصاد الكلي، بل تُترجم يوميًا في معيشة المواطن، الذي يجد نفسه مرة أخرى في مواجهة فاتورة أزمة لم يكن طرفًا فيها، لكنه يتحمل عبئها الكامل ساعة بعد أخرى.

وهكذا، لا يشترط أن تكون الدولة طرفًا مباشرًا في الحرب حتى تدفع ثمنها كاملًا؛ إذ يكفي أن يكون اقتصادها هشًّا، وأن تفتقر سياساتها إلى الكفاءة والقدرة على امتصاص الصدمات، حتى تجد نفسها في قلب العاصفة من دون أن تطلق رصاصة واحدة.

وفي الحالة المصرية، تبدو هذه الحقيقة أكثر قسوة ووضوحًا، إذ يجد المواطن نفسه مرة أخرى في موقع الضحية، يتحمل وحده كلفة مواجهة لم يكن طرفًا فيها، ويدفع من معيشته اليومية وأمنه الاقتصادي ثمن اختلالات الداخل وحرائق الإقليم معًا.

علاماتالغاز المصري ، الوضع الاقتصادي المصري ، حكومة السيسي ، واردات الطاقة
مواضيعأزمة الطاقة ، الاقتصاد المصري ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، الشأن المصري ، قناة السويس

قد يعجبك ايضا

اقتصاد

تسليح بيئة الطاقة.. هل تهدف حرب إيران إلى حرمان الصين من النفط الرخيص؟

أحمد إبراهيم٢٨ مارس ٢٠٢٦
اقتصاد

كيف تسعى إيران لاستغلال مضيق هرمز؟

نجمة بوزرقماهر٢٨ مارس ٢٠٢٦
اقتصاد

ميناء ينبع السعودي.. هل يكسر هيمنة مضيق هرمز؟

مصطفى الخضري٢٦ مارس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑